الرئيسية | غير مصنف | مساهمة جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين في التّحضير للثّورة التّحريرية 1954/ أ. محمّد بن حامد بومشرة السّنوسي

مساهمة جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين في التّحضير للثّورة التّحريرية 1954/ أ. محمّد بن حامد بومشرة السّنوسي

يقول شيخ المؤرّخين الدّكتور أبو القاسم سعد الله رحمة الله عليه: “ليس هناك منظّمة جزائريّة كثُر حول دورها الاستفسار والتّساؤل مثلما حدث مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين؛ فمن سائل عن موقفها من السّياسة وقضية الاستقلال الوطني، ومن سائل عن موقفها من الطّرقية ومسألة الإصلاح، ومن سائل عن دورها في الثّورة التّحريرية، ومن مستفسر عن علاقتها بالمنظّمات والحركات الإسلامية الأخرى في العالم الإسلامي…” وأضاف قائلا:”والحقّ إنّه لا تكاد توجد منظّمةٌ وطنيةٌ تركت بصماتها على الحياة الجزائرية، وأثّرت على عقلية أهلها تأثيرا واضحا مثلما فعلت جمعية العلماء..”.

إنّ الذي يبحث عن تاريخ الجزائر لابدّ أن تكون له أعصاب من حديد وأن يكون عصي الدّمع. كلّ الشّعب الجزائري شارك في الثّورة التّحريرية قلبا وقالبا بقيادة زعماء وعظماء.

وحتّى نلج في الموضوع مباشرة لنعرض عليكم مواقف ومحطّات تاريخية هامّة في مشاركة جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين والدّعم المبكّر للثّورة التّحريرية المباركة 1954، والمساهمة فيها حتّى النّصر 1962.

نبدأ ببيان جمعية العلماء للشّعب الجزائري ليبارك تلك الهَبَّة التي قام بها شباب على مستوى القطر الجزائري ضدّ الاحتلال الفرنسي ليلة أوّل نوفمبر 1954، وقد أتلفوا ما يجب إتلافه خربوا ما يجب تخريبه ضدّ الاحتلال الفرنسي.. كان موقّعا من قبل الشّيخ البشير الإبراهيمي والشّيخ الفضيل الورتلاني، من القاهرة في اليوم الثّاني من نوفمبر 1954. ووزّع على الصّحافة المصرية ووكالات الأنباء العالمية.

ثمّ نداء ثان يوم الحادي عشر من نوفمبر 1954 من مكتب جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين يحكي فيها وقائع سارّة ومفرحة عن حوادث اللّيلة اللّيلاء بعمالة قسنطينة وعمالة الجزائر وعمالة وهران، بإمضاء الشّيخ البشير الإبراهيمي والشّيخ الفضيل الورتلاني، ووزّع على الصّحافة المصرية ووكالات الأنباء.

ولمّا اشتدّ وطيس الحرب بعث الشّيخ البشير الإبراهيمي والشّيخ الفضيل الورتلاني باسم مكتب جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين يوم الخامس عشر من نوفمبر 1954 نداء إلى الشّعب الجزائري المجاهد بعنوان: نُعيذكم بالله أن تتراجعوا…  يشدّ على يد الثّوّار ويدعو من له القدرة على الالتحاق بالثّورة، قائلا: أيّها الإخوة الأحرار هلمّوا إلى الكفاح المسلّح.

كلّ هذا كان انطلاقا من اللّقاء التّاريخي بين الشّيخين عبد الحميد بن باديس والبشير الإبراهيمي بالمدينة المنوّرة عام 1913. تعاهدا على الرّجوع إلى الوطن وإخراج الشّعب الجزائري من أزمته مع فرنسا بالوسائل التي يفهمها ويعيها والتي يجب أن يركع لها العدوّ، إنّه صوت الرّصاص ورائحة البارود.

إنّ بناء المدارس التّابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريّين بالمداشر والقرى والمدن ومعهد ابن باديس بقسنطينة علّم وربّى رجالا ونساء مزوّدين بالرّوح الوطنية والإسلامية.

كان الشّيخ أحمد حمّاني رحمة الله عليه يقول لطلبة معهد ابن باديس: “من أراد أن يَتَوَرَّس، فَلْيَتَوَرَّس” أي الالتحاق بجبال الأوراس. وعندما يبلغه أنّ أحدهم -تَأَوْرَسَ- يقول لهم: “ذاك رجل شهم. ”

أمّا الشّيخ الشّهيد العربي التّبسي فكان يُشهد له بالصّرامة والجدّية ومناصرته للثّورة والتّأييد لها ولقادتها، فيوم علم البوليس الفرنسي بذلك، كان يستدعيه ويحاول إقناعه ليدعو الثّوار للحوار مع الإدارة الفرنسية لإيقاف الحرب، فكان يقول لهم: “لا حوار معنا، بل تحاوروا مع جبهة التّحرير. ”

وكانت له علاقة وطيدة مع عبّان رمضان، وقد سلّم الشّيخ الشّهيد مبلغا نقديا من حرّ ماله قدره خمسمائة ألف فرنك للثّوّار، عند انطلاق الثّورة التّحريرية المباركة.

ومرّة كان الشّيخ الشّهيد يلقي درسا فسأله أحد الحاضرين عن السّبعة الذين ناموا سنوات طِوالا –يقصد أصحاب الكهف- فقال له الشّيخ أعرف سبعة مليون نيام وأنت منهم. يدعوه ليُفيق من نومه ويلتحق بالثّورة التّحريرية للجهاد.

ويوم اندلعت الحرب العالمية الثّانية بدأ الألمان يلقون الأسلحة بالمضلاّت على جبال النّمامشة ليستعملها الجزائريّون مستقبلا ضدّ فرنسا؛ فأسرعت الإدارة الفرنسية تأمر سكّان المنطقة بتسليم كلّ الأسلحة لها. فاتّصل السّكّان بالشّيخ العربي التّبسي يسألونه هل يلبّون أوامرها، فقال لهم الشّيخ سلّموا لها القليل واحتفظوا بالكثير ليوم قريب. ولمّا بلغ الخبر الإدارة الفرنسية لفّقوا له تهمة التّخابر مع الألمان ضدّهم وسجنوه بسجن “لامبيز” ثمّ أطلقوا سراحه لعدم ثبوت الأدّلة.

وحسب ما ورد إليّ عن خبر في جلسة من ثقة أنّ العقيد عميروش كان يُرسل أعوانه مرّة إلى قرية معيّنة، ومرّة يتحاشى القرية بالمنطقة التي كان مسؤولا عليها طبعا، فسأله أحدهم: لماذا تبعثنا مرّة هناك، وتُصرفنا عن الأخرى؟ فقال له: القرية التي أُرسلكم إليها نقوم بواجبنا نحو رجالاتها ونسائها لنحرّضهم على الثّورة والجهاد ضدّ فرنسا، أمّا القرية التي لا أُرسلكم إليها فقد كفتنا بذلك جمعية العلماء.

أمّا في تلمسان ومناطقها فقد خطب الشّيخ محمّد السّعيد الزّمّوشي خطبة العيد بساحة مقبرة الشّيخ السّنوسي متّكئًا على سيف من خشب صُنع له بطلب منه فقال لهم: “إنّ زمن العصا قد ولّى، وسيحلّ محلّه ما يجب أن يفهمه العدوّ..” ليبيّن للحاضرين الاستعداد للثّورة.

ويوم جاء الشّيخ العربي التّبسّي إلى قرية عين غرابة عام 1955 خطب الحاضرين قائلا لهم: “يا جبال تلمسان هُبّي، فإنّ جبال الأوراس تفتح لك ذراعيها..” هذه الجبال التي خاطبها الشّيخ الشّهيد العربي التّبسي بهذه العبارات هي التي احتضنت قادة الثّورة التّحريرية.

وفي هذه المنطقة الجبلية يحلو للثّوّار المرور منها والاختباء فيها لكون سكّانها رجالا ونساء تعاهدوا أن يحموهم من جنود فرنسا وقد تغنّوا قائلين: “لو يضّربوني بالشّوك والقندول ما انفوطي عليك يا ديغول.. أي رغم الشّوك –وهو نوع آخر من الشّوك يُؤكل- لن ننتخب على المجرم شارل ديغول.

وإلى هذه المنطقة التي كانت مبعدة، وصلت جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين وقامت ببناء مدرسة دار القرآن بمساعدة أهلها، وكان افتتاحها يوم 28 سبتنبر 1952 بحضور الشّيوخ محمّد السّعيد الزّمّوشي وعبد الوهّاب بن منصور ومحمّد الصّالح رمضان، وقد عيّن فيها الشّيخ مصباح حويذق معلّما وجد نفسه مع سكّان القرية. وممّن تخرّجوا من هذه المدرسة الشّهيد محمّد لوّاج المدعو الرّائد فرّاج، والشّيخ محمّد بولنوار…

فقد التحق محمّد لوّاج بمدرسة دار الآداب بمدينة الحنايا بتلمسان. ثمّ التقى برفيق النّضال بن علي دغين المدعو بالعقيد لطفي الذي درس بمدرسة دار الحديث التّابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريّين ويستشهدا في يوم واحد بجبل الجرف ببشّار في معركة غير متكافئة بين العدو الفرنسي.

ومرّة ونحن جلوس مع المجاهد جيلالي الواد المدعو صالح انْهاري رحمة الله عليه قال لنا إنّ جمعية العلماء علّمتنا معنى الوطنية، والانتماء إليها.

كما لا ننسى الشّيخ عمّار مطاطلة من مدينة القل، الذي لبّى دعوة جمعية العلماء المسلمين ليلتحق بمدرسة سبدو. ليقوم بالتّربية والتعليم نهارا للصّغار، وباللّيل للكبار يدعوهم للمشاركة في الثّورة التّحريرية.

وفي سنة 1955 بدأ عمله الثّوري في منطقة سبدو، فقام بأعمال تتطلّب منه التّحرّك عبر عدّة جهات من ولاية تلمسان، وكانت السّلطات الاستدمارية تراقبه؛ وبعد اندلاع الثّورة تأكّدت فرنسا أنّ الشّيخ عمّار مطاطلة كان له عمل سرّي يصبّ في مصبّ الثّورة التّحريرية، فقامت السّلطات الفرنسية بوضعه تحت الإقامة الجبرية.

وإن أنس فلا أنسى الطّالبة فاطمة بكّارة تلميذة الشّيخ عمّار مطاطلة –وغيرها- قالت إنّها كانت تقوم بتوعية نساء المنطقة في الحمّام والأعراس وتجمع منهنّ المال من أجل الثّورة التّحريرية.

وكما لا يخفى عليكم أنّ السّلطة الفرنسية كانت تتتبّع تحرّكات كلّ من تشمّ فيه رائحة جمعية العلماء ولكن الشّيخ العربي التّبسّي كان يحرّض الشّعب الجزائري في كلّ المناسبات على الثّورة ضدّ فرنسا، وهو الذي أعلن كرهه لفرنسا ما دام حيّا، وسيحمل كرهه لفرنسا معه إلى قبره. –وأنا على مذهبه-

وعلى الرّغم من محاولة إقناعه بالخروج من الجزائر بعد أن أصبح موقفه واضحا معاديا للاستدمار، كان يردّ عليهم دائما: إذا كنّا سنخرج كلّنا خوفا من الموت فمن يبقى مع الشّعب؟ بل كان يقول: لو كنتُ في صحّتي وشبابي ما زدت يوما واحدا في المدينة، ولأسرعت إلى الجبل فأحمل السّلاح وأقاتل مع المجاهدين.

يئست فرنسا من الشّيخ العربي التّبسّي ومن تصرّفاته وحقده لفرنسا فقامت فرقة القبعات الحمر باختطافه ليلا في 17 أبريل 1957 من عقر داره إلى الشّرطة لاستجوابه واستنطاقه، وطلبت منه دعوة الثّوّار بالعودة إلى منازلهم، فكان الشّيخ يرفض مطالبهم الباطلة التي لا أساس لها. فتكفّل بتعذيبه جنود سنغاليون بقيادة قائد فرقة القبعات الحمر “لاقيارد” والشّيخ بين أيديهم صامت صابر محتسب لا يتكلّم إلى أن نفذ صبر “لاقايارد”.

وبعد عدّة أيّام من التّعذيب جاء يوم الشّهادة حيث صُنع للشّيخ خزّان كبير وملىء بزيت السّيّارات والشّاحنات العسكرية والزّفت وأوقدت النّيران من تحته حتّى الغليان والجنود السّنغاليون يقومون بتعذيبه دونما رحمة وهو صابر محتسب، ثمّ طلب منهم لاقايارد حمل الشّيخ العربي؛ فحمله أربعة من الجنود السّنغاليين وأوثقوا يديه ورجليه ثمّ رفعوه شاقوليا على الخزّان المملوء بالزّيت المغلي طالبين منه تهدئة الثّوّار والشّعب، وكان الشّيخ يردّد بهدوء: “لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله” ثمّ أدخلوا قدميه في الخزّان فأُغمي عليه، ثمّ أنزل شيئا فشيئا إلى أن أُدخل بكامله، فاحترق وذاب جسمه وتلاشى في الزّيت المغلي، فنال الشّهادة رحمة الله عليه ولا يُعرف قبره إلى يومنا هذا.

وكما بدأت مقالي بكلمة الدّكتور أبو القاسم سعد الله، أختمه بأبيات لشاعر الثّورة التّحريرية الجزائرية الأستاذ مفدي زكريا حيث قال في إلياذته:

وفـي الدّار جمعـية العلمـــاء *** تغـذّي العـقول بوحي السّماء
وتهدي النّفوس الصّراط السّوي *** وتغرس فيها معاني الإباء
تواكـب نجم الشّمــال اندفاعا *** وتغــمـــر أكوانـــه بالسّنــاء
ويعضد بــاديس فيها البشيـر *** فــتزخر بالخلّص الأصفـياء
وتغزو الضّلالات في التّائهين *** مع الوهم في موكب الأغبياء
وترسي جذور الأصالة في الشّعب *** تمحــو بها وصمة الدّخلاء
وتبنـي المدارس عرض البلاد *** فيعلي ابن باديس صرح البناء
ويرتاع مستعـمـــر مستبــد *** وتخـشى الخفافـيش نبع الضّيــاء
ويرهـب ظلّ الأسـود ابن آوى *** ويؤذي المنافــق صدق النّداء
كذا عبّــــد العـلمـــاء الثّنايا *** بوحــي السّماء ووحـــي الدّمـــاء

شغلنا الورى

وملأنا الدّنى

بشعر نرتّله كالصّلاة

تسابيحه من حنايا الجزائر.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

فضفضة .. وبشائر

د. حسن خليفة كلما تعمّق وعيُنا واتسع إدراكنا أمكن لنا أن نرى بوضوح تام في …