الرئيسية | قضايا و آراء | ما بعد العلمانية -02/ عبد القادر قلاتي

ما بعد العلمانية -02/ عبد القادر قلاتي

لقد شكَّل مصطلح “ما بعد العلمانية“، نقطة تحوّل في مسار الجدل بين الدين والعلمانية في الغرب الحداثي، فعندما طرح هابر ماس هذا المصطلح عام 2004، وفي جلسة جمعته مع الكاردينال الكاثوليكي “راتسنغر” (الذي صار بعد ذلك بابا الفاتيكان) كانت الفكرة تقوم على توظيف معادلة جديدة في سياق هذا الجدل، وهي أن المشكلة ليست في الدين، وإنمّا المشكلة الحقيقية في النسق الفكري الذي يرسم حدود العلم وتطوره.

لقد أسس هذا اللقاء لعلاقة جديدة بين العلمانية والدين، وهو ما أضفى على مصطلح هابرماس “ما بعد العلمانية” شهرة واهتماماً كبيرا، في الأوساط العلمية والبحثية، حيث حسم هابرماس  قضية إشكالية في الفكر السياسي والاجتماعي الغربي، وذلك بتأكيده على استمرار وجود تأثير الدين في المجتمعات المعاصرة، كما أزال غشاوة الإصرار على إبعاد المنطق الديني عن التأثير في النّظرية السياسية الحديثة.

لا شك أنّ مصطلح “ما بعد العلمانية” سيأخذ السياق الطبيعي في عمليات التّحول التي يشهدها العصر، حيث يمكن له أن يفتح آفاقاً جديدة للقراءة والتّنظير، بعيداً عن تلك الروح الدغمائية التي فرضتها مفردات الحداثة وفتنتها الطاغية، فـ”ما بعد العلمانية” لا يعني إلاّ فتح مجال الحرية الفكرية، لإعادة النّظر فيما اعتبر من سلّمات الحداثة التي صنعت القطيعة مع التراث الديني، وأدخلت الإنسان المعاصر إلى عالم من الفوضى الفكرية جعلته في خصام دائم مع الدين.

وإذا كان الأمر كذلك في الغرب، فما بال أقوام عندنا يصرون على علمنة واقعنا الثقافي والسياسي، ومحاولة بناء الدولة والمجتمع وفق هذه المعادلة، دون النّظر لمسار تشكل العلمانية في الغرب، والسعي الحثيث لإبطال أيّ نموذج حضاري بديل، ولعلّ الوضع السياسي الذي نعيشه اليوم هو نتاج هذه الروح الدغمائية المتطرفة، التي فرضت منطق العلمنة دون النّظر للخصوصيات الثقافية والحضارية للبلاد العربية والإسلامية، فإذا قال الغرب بمقولة “ما بعد العلمانية“، ويقصد مجاله التداولي، أليس من حقنا أن نقول بها، بل ونبشر بها؟.

 

 

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الجزائر: تحليل جيو حضاري للأحداث/ بقلم أحمد سريرات

 أدوات قراءة الحراك غير كافية لم يسبق أن عاش الجزائريون حالة استثنائية من الأمل العظيم …