الرئيسية | حديث في السياسة | هل سياسة في التعليم والتكوين؟/ التهامي مجوري

هل سياسة في التعليم والتكوين؟/ التهامي مجوري

من المشكلات التي يعاني منها تلاميذ الثانويات عندما يحصلون على الباكلوريا، هي مشكلة الاختيار في التسجيل بالجامعة، بحيث أن بعض التلاميذ يسجلون في فروع ما يوجهون إليها أو يختارونها وفق استمارة الاختيارات، ثم في وسط العام يتوقفون عن الدراسة، ويعقدون العزم على أن يسجلوا في الدخول الجامعي المقبل في تخصص آخر، أو الاشتراك في الباكلويا مرة ثانية.

وأسباب هذا التوقف عن الدراسة وتغيير كثيرة جدا، منها أن التلميذ انتقل إلى جو جديد يختلف عن المتوسطة والثانوية في الأشكال والمضامين، أو يكون له تصور خاطئ للتخصص الذي اختاره أو اختير له، فيفاجأ بما لم يعرف، أو يرى في الواقع أنه اختار الأدنى عن العلى…، وقبل ذلك وبعده التلميذ في هذه المرحلة لا يزال في مرحلة الاضطراب النفسي، وأسباب أخرى اجتماعية متعلقة بطبيعة الأسرة الجزائرية التي تعلق الآمال على الطفل بمجرد أن يبلغ سن الرشد، لا سيما إذا كان هو المولود الأول الذي ترشحه الأسرة إلى منصب الأبوة المبكرة.

وإنما السبب الرئيس في تقديري هو غياب سياسة التوجيه، إذ لا توجد في بلادنا محاضن للتوجيه رسمية ولا شعبية، صحيح أن هناك بطاقة توجيه يتسلمها التلميذ عندما يقوز بالباكلوريا وهناك بطاقات للإختيارات، حيث يوجه التلميذ توجيها أوليا حسب المعدل المحصل عليه، أو يسمح له باختيار 10 تخصصات مرتبة وفق الأولوية بالنسبة إليه، ولكن الاختيار بالنسبة للمعنيين، إذا  تجاوز الاختيار الأول أو الثاني وربما الثالث، يصبح اختيارا مفروضا، ولا يعبر عن رغبة حرة وإنما يعبر عن استجابة لملء الاستمارة.

وما يبدو من الإدارة أنها لا تمتلك سياسة جادة مبنية على تصور كامل للمسألة العلمية وعلاقتها بالتنمية، وإنما قامت بالتوجيه وفرض الاختيار بهذه الكثافة، استجابة لتصور قاصر للمسألة، وإيهام الناس بتمكينهم من الاختيار الحر، وترتيب للتخصصات وفق رؤية لا علاقة لها بالتنمية، وكذلك تصورات التلاميذ وأولياءهم، فهم يفضلون الطب والعلوم الطبيعية والتكنولوجيا على العلوم الإنسانية، وما ذلك إلا لقصور في وضع المسألة العلمية في إطارها التنموي الاجتماعي العام.

فالتعليم الجامعي في الحقيقة ليس هو كل شيء، وحاجة المجتمع منه –لا سيما الغالي- ضئيلة، وهو حسب الحاجة الاجتماعية لا يمثل الكثير، والذي يمثل الثقل هو المدارس العليا والمعاهد ومراكز التكوين، لتخريج الخبراء والتقنيين والعمالة التخصصة.

ذلك أن حركة التنمية في المجتمع تحتاج إلى الخبراء، والتقنيين، والعمال المتخصصين، وإطارات التربية والتعليم والتكوين، اكثر بكثير من الأكاديممين والباحثين والدارسين.

وذلك ليس لعدم أهمية تلك النخبة التي لا ينبغي أن يخلو منها مجتمع، وإنما لأن العملية التنموية تحتاج الكم الهائل من العناصر المباشرة للتنمية، أكثر من الكم الذي تحتاجه من العناصر غير المباشرة

فمن حيث المبدأ لا يشعر الجزائري أن هناك سياسة واضحة في هذا المجال؛ لأن السياسة الواضحة المطلوبة، تعمل على الترويج للتخصصات التي تضمن التوظف بعد التخرج، وهذا الضمان تفرضه حاجة المجتمع وحركة التنمية، كما تحرص على التعريف بمراكز التكوين والمعاهد، كما ترغب في الالتحاق بالتخصصات عبر التعريف بأهميتها في المجتمعات، ولا تكتفي بتوجيه الحاصلين على الباكلوريا إلى التخصصات وفق معدلات النجاح: النقطة الأعلى طب والتي تليها اتصالات مثلا وتكنولوجيا… وآخرها علم الإجتماع وعلم النفس والأدب واللغات…إلخ.

إن التلاميذ وأوليائهم لا يقدرون –في عمومهم- لا يقدرون على التفاضل بين التخصصات إلا بقدر تصوراتهم لها وفق ما توارثوا عن الأجيال، وربما الآن أضحوا أفضل بقليل حيث بدأوا يفكرون في مصائر أولادهم، فيوجهونهم إلى التخصصات اليت من وراءها مكاسب مادية مهمة، وهذا وحده لا يكفي في حركة مجتمع؛ لأن حاجة المجتمع ليست بالضرورة هي حاجات الأفراد المنعزلة على المصلحة العامة، ثم إن توجهات الناس وميولاتهم وقدراتهم المتفاوتة، تقتضي أن يكون المجال مفتوحا على مصراعيه، ودعوات تشجيعية للإلتحاق بجميع التخصصات وفق سياسة مدروسة متناغمة مع حركة التنمية، وتطور المجتمع وحاجاته.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

ماذا يراد بالمجتمع السعودي؟/التهامي مجوري

إن ما يحدث في المملكة العربية السعودية الشقيقة من اهتزازات – على مستوى التحول الثقافي …