الرئيسية | في رحاب الشريعة | تسمعني وأسمعك قيمة إنسانية يغفل عنها المتنازعون/ محمد مكركب

تسمعني وأسمعك قيمة إنسانية يغفل عنها المتنازعون/ محمد مكركب

يتكلم الناس عن الحوار وهو نفسه قيمة إنسانية، ولكنهم يغفلون كثيرا من حكمه وأسراره، ومنه هذه القيمة:[تسمعني وأسمعك] مشكل كبير أن آلاف المتنازعين لا يتخلقون بهذه القيمة، لماذا نرفض نقد الناس ونصحهم، ولماذا لا نستجيب لبعضنا ونسمع ونناقش ونحاور، ونتبادل العتاب الأخوي، ولو كان مصبوغا بلون من العصبية واللوم والغضب. لماذا يُعْتَبَرُ نقدك أخيك عدوانية ويرفضه من البداية دون أدنى تفكير؟ ثم إذا كان هو متحضرا وسمعك بصدر رحب وأريحية إنسانية، وخلق قرآني، لماذا تريد أن يَسْمَعك ويستجيب لك بما تراه أنت وحدك وفق معلوماتك، فإن لم يكن لك ذلك اعتبرته متمردا وحاصرته بالتهم وربما طوعت لك نفسك أن تعتدي عليه بما هو متاح لك من المال أو السلطة أو الإرجاف الخوارجي؟ لماذا ثم لماذا؟ إن أصحاب النفوس الزكية والعقول الواعية يسمعون بنية الفهم وإرادة الخير، فإذا سمعوا أجابوا بغير حقد ولا نية سوء، ويمدحون من ينتقدهم ولا تضيق صدورهم من النقد والنصح واللوم والعتاب، بل يعتبرون ذلك من علامات الصحة ومنطق الصواب وذلك من سلوك أولي الألباب. ومنهم الذي كان يفري فريه رضي الله عنه، وكان يقول: [لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نقبلها]  فما هو روح الشورى وهي قيمة إنسانية مفروضة على المؤمنين، إن روح الشورى [أن تسمعني وأسمعك] وأن لا تضيق بنقدي ولومي إياك، ولا أضيق من لومك وعتابك، وأن رأيي قد لا يكون هو الصواب دائما، قد تكون أنت على حق وصواب، وقد أكون على باطل وخطأ، وقد يكون العكس تماما. فإذا سألت أي مؤمن هل تستجيب لله سبحانه وتعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، كان جوابه: نعم، وهل في ذلك شك؟ وتقول له: ألم يأمرنا ربنا بالصبر الجميل والصفح الجميل والشورى والأخوة والغفران والتبين والتثبت وعدم اتهام الناس وقبول النصيحة؟ يقول لك: نعم، ونحن كذلك؟ تقول له: لماذا هذه الحروب النفسية بل والحروب الأهلية؟ بل والحروب العسكرية، بين المسلمين؟ لماذا لا نعمل بقيمة [تسمعني وأسمعك] ونتحاور بالعقل والحكمة؟ حينها يقول: لا، هذه مسألة أخرى؟ لماذا؟ إنه اتباع الهوى المؤدي إلى الطغيان ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾[المائدة:7] ألا فاذكروا العهد الذي عاهدكم به حين بايعتم رسوله محمداً على السمع والطاعة حين قلتم له: سمعْنا ما أمرتَنا به ونهيتنا عنه، وأطعْناك فيه فلا نعصيك في معروف، فاتّقوا الله بالمحافظة على هذه العهود فإن الله عليم بخفيّات ما تضمرونه فمُجازيكم، لماذا تستعملون العنف بدل الحكمة؟ فلا الحاكم يقبل النصح والنقد، ولا الناصح يقبل الحوار بالحلم والصبر. لماذا غرق الكفار في الكفر حتى ماتوا عليه؟ السبب أنهم كانوا لا يسمعون من يدعوهم إلى الحق؟﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾[هود:20] هذا حال الكفار الذين كانوا يقولون لأتباعهم: لا تسمعوا للقرآن وأكثروا فيه اللغو بالتهريج والإرجاف والتكذيب، يقول الله تعالى:﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [سورة:ق:36/37] فما هو مصير من يَسُدُّ أذنيه عن سماع القرآن وعن سماع النصح والدعوة إلى العمل بشريعة القرآن؟ ما هو مصيره يوم القيامة؟ اسمع الخبر الصادق من كلام الله تعالى:﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾[سورة الملك:10].

لماذا يخبرنا ربنا تبارك وتعالى عن هؤلاء الكفار والذين كان مصيرهم إلى النار، ذلك ليتعظ السامع إن كان يسمع  ويدرك السبب الذي من أجله استحقوا عذاب النار؟ لأنهم كانوا لا يسمعون، كانوا شر الدواب التي تدب على الأرض لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل. يقول الله عز وجل:﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللهِ﴾[الأحقاف:26].

لو راجع الناس نفوسهم وأحوالهم وقضاياهم ومشاكلهم ونزاعهم لوجدوا أكبر سبب هو أنهم هجروا هذه القيم الإنسانية:[السمع والاستماع وقبول النقد والنصح والحوار والشورى] كان النبي عليه الصلاة والسلام إذا كلمه نساؤه يجلس معهن ويسمع لهن، وأمره ربه تعالى أن يحاورهن بالعقل بالحكمة، ويأتيه الحباب بن المنذر يوم بدر ليشير برأي يعزز التموقع في ميدان المعركة، ويسمع له ويقبل منه ويعمل برأيه، ويشير سلمان الفارسي يوم الأحزاب بحفر الخندق كوسيلة دفاعية ويقبل رأيه، ويعرض جمع من شباب الصحابة رأيهم بالخروج إلى حرب المشركين يوم أحد، ويخرج الرسول والصحابة إلى أحد. وفي فضيلة السمع والاستماع والحكمة وفنون الحوار، ولنتعلم من رسول الله حتى في الصبر على محاورة غير المسلمين. يأتيه عتبة بن ربيعة ويملي عليه عروضا وهو يستمع ليعلم الناس الرفق في الإسلام واللياقة السياسية والآداب الإنسانية، قال عتبة:(يا محمد أنت خير أم قصي بن كلاب؟ أنت خير أم هاشم؟) وقال كلاما كثيرا، والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت، فلما فرغ قال:[أقد فرغت يا أبا الوليد؟]  قال: نعم. (قال فاسمع مني) تدبر هذه اللطافة وهذا الحلم والدقة في إرسال الكلام إرسالا موزونا، لم يُسَفِّه كلام خصمه، ولا أنكر عليه بالعنف، ولا غضب لنفسه، إنما قال وبكل حكمة: فاسمع مني. والمعنى قد سمعتك ولم أقاطعك، فاسمع مني. قال عتبة: يا بن أخي أسمع. فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم:﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ إلى قوله تعالى:﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ﴾[سورة فصلت:1/13] فقام عتبة بن ربيعة وناشده الله والرحم ليسكتن، ورجع إلى أهله، وهو متأثر بصدق كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وبأدب الاستقبال، فحسن المعاملة وحكمة الحوار تلين القلوب وتشرح الصدور وتمزق سراب الكبر، فكاد عتبة أن يسلم لولا رفقة الشر وبطانة السوء، ولنعلم أن قيمة السمع والاستجابة تتكامل وتتجاوب مع حسن الخطاب والحكمة في الحوار، ولذلك أمر الله تعالى موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام بأن يقولا لفرعون قولا لينا:﴿اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾[سورة طه:43/44] والاستدلال بأمر الله تعالى لموسى وأخيه هارون عليهما الصلاة والسلام بأن يقولا للطاغي قولا لينا معناه إذا قلنا للمُخَاطَب المنصوح عليك أن تسمع لأخيك باحترام، وحسن نية والتزام، ولا تظن به إلا خيرا، وجب علينا أيضا أن نقول للمخاطِب المتكلم عليك أن تنصح وتنتقد وتأمر وتنهى باللين والرفق والحكمة، فإذا التقت الحكمة مع حسن النية أثمرت التفاهم والاتفاق، وكمل التكامل وزال الفراق والشقاق.

إذا كان الأمر للمؤمنين أن يقولوا لغيرهم قولا لينا فكيف بالمؤمنين مع بعضهم، فأين عقول الكثير من الخلفاء والأمراء والملوك والسلاطين عبر التاريخ الطويل كم قتلوا بعضهم وكم سَجنوا وكمْ شَرَّدُوا بسبب نقد أو نصيحة أو رأي لم ينسجم مع هواهم، لماذا لا نتعلم أن تسمعني بحسن نية، وأسمعك بحسن نية، فإن وافقتني كان ذلك، وإن لم توافق صبرنا على بعضنا وتسير الأمور بتوفيق الله سبحانه، فالاختلاف في الرأي ليس باب عداوة، وإنما دعوة إلى مراجع وتقويم. ألم يقرؤوا قول الله تعالى:﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾[سورة النساء:114] لا خير في كثير مما يتناجى به هؤلاء الذين يُسِرون الحديث، من جماعة ابن أَبَيْرق، الذين أرادوا مساعدته على اتهام اليهودي وَبَهْتِهِ، ومن مَاثَلَهُم من الناس، ولن يكون الخير في نجوى الناس، إلا إذا تناولت أحاديثُهُم ذكر الله، أو أمرا بصدقة، أو أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر.

ووجه الاستدلال بهذه الآية في موضوع قيمة [تسمعني وأسمعك] هي اللجوء إلى الصراحة والإعلان عما في الخواطر من أفكار ووجهات نظر، صراحة الأحباب، بدلا من النجوى وما يدبر بليل، وقديما قيل:[الصراحة راحة]. وليعلم الذين لا يسمعون النصح والنقد، أو لا يقولون قولا لينا، أو يدبرون المكائد سرا، فإن الله تعالى قال:﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾[الزخرف:80] أيظن هؤلاء المشركون أننا لا نسمع ما يبيتون في سرهم، وما يجول في خواطرهم، وما يدبرون وما يكيدون. إنهم مخطئون في هذا الظن فإننا نعلم ما هم عليه، والملائكة المكلفون بهم يكتبون أيضا أعمالهم صغيرها وكبيرها، فليحذر الذين يدبرون المكائد لإخوانهم بالغدر والاتهام ماذا يقولون لربهم يوم القيامة؟.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

في ذكـرى مــولد خيــر البريــة/ د. يوسف جمعة سلامة

 تهفو نفوس المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها دوماً إلى شهر ربيع الأول من كل عام، …