الرئيسية | في رحاب الشريعة | ما قل و دل | كيف نشأ النحو؟/ محمد الصالح الصديق

كيف نشأ النحو؟/ محمد الصالح الصديق

سألني طالب، زارني في البيت مع طائفة من زملائه في كلية الحقوق، كيف نشأ علم النحو؟ فقلت له: لم يكن للنحو أثر في الجاهلية ولكنه حدث في الإسلام بحدوث الحضارة والعمران، واختلاط العرب بالأعاجم من الفرس واليونان والقبط، وغيرهم، فدخل الفساد لسانهم فخافوا التحريف والالتباس من تغيير أحوال القراءات بتغيير الحركات، فوضعوا علم النحو، وهو أول علم وضعوه من علوم اللغة، وضعه أبو الأسود الدؤلي الذي توفي سنة 76هـ بإيعاز من الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، أما سبب ذلك فيذكر أهل العلم والتاريخ أن عليا رضي الله عنه سمع أعرابيا يقرأ قوله تعالى:{لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِؤُونَ}: يقرأه: {الخاطئين} مع أنه مرفوع بالواو والنائبة عن الضمة، لأنه فاعل، فأسف لهذا اللحن الفاحش فأوغر إلى أبي الأسود الدؤلي أن يضع علم النحو.

وروى أبو الأسود عن نفسه، قال: دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فوجدت في يده ورقة، فقلت: ما هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: إني تأملت كلام العرب فوجدته قد فسد بمخالطة هذه الحمراء –يعني الأعاجم- فأردت أن أضع شيئا يرجعون إليه، ويعتمدون عليه، ثم ألقى إلي الرقعة وفيها مكتوب “الكلام كله اسم وفعل وحرف، فالإسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبئ به، والحرف ما أفاد المعنى” وقال لي: انح هذا النحو وأضف إليه ما وقع إليك، وأعلم يا أبا الأسود أن الأسماء ثلاثة: ظاهر ومضمر، واسم لا ظاهر ولا مضمر، وإنما يتفاضل الناس –يا أبا الأسود –فيما ليس بظاهر ولا مضمر، وأراد بذلك الاسم المبهم”.

قال:”ثم وضعت بأبي العطف والنعت، ثم بأبي التعجب والاستفهام، إلى أن وصلت إلى باب إن وأخواتها ما خلا لكن، فلما عرضتها على علي عليه السلام أمرني بضم لكن إليها، وكنت كلما وضعت بابا من أبواب النحو عرضته عليه إلى أن حصلت ما فيه الكفاية، فقال لي: ما أحسن هذا النحو الذي نحوت، فلذلك سمي النحو.

ويروي في سبب وضع النحو روايات أخرى، منها أنا أبا الأسود سمع رجلا يقرأ في سورة التوبة:{ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} بكسر اللام فاستعظم ذلك وكان سببا في وضعه النحو، روايات في الموضوع ولكن الإجماع على أن أبا الأسود واضع النحو، وإذا كان علي كرم الله وجهه قد خاف من وقوع الفساد في اللسان العربي فوضع النحو، فإن الجهل بهذا النحو في هذا العصر، قد فشا، ولم يعد هناك من يعرف النحو إلا النادر.

ولا أذكر قط أنني استمعت إلى صحفي إذاعي أو تلفزيوني دون أن يقشعر بدني من الأخطاء الفاحشة التي ترتكب.

عن المحرر

شاهد أيضاً

فلسفة أرسطو طاليس/ محمد الصالح الصديق

كنا نتحدث عن الفلاسفة القدامى، ولما ذكر “أرسطو طاليس”ـ سألني أحدهم عنه، وقال: على ما …