الرئيسية | على بصيرة | شباب مصر على خطى شباب الجزائر

شباب مصر على خطى شباب الجزائر

بقلم: د. عبد الرزاق قسوم

 

يا شباب مصر، يا أبناء أرض الكنانة!

لقد تحركتم فحركتم الضمائر الراكدة، واستيقظتم فأيقظتم المشاعر الكاسدة، وإن لكم في الجزائر لعبرة، وإن لكم في نبتها الخصيب لبذرة.

إنه لشرف للجزائر، أن تتخذ قدوة في منهجية المطالبة بالحقوق بسلمية، ولكن في عزم وحزم، وإصرار، ودون تمرد أو عقوق.

فقد أخفق الربيع العربي في مقصده ومبتغاه وتحول –يا للمصيبة- إلى صقيع غربي في مطلبه ومرماه… فما كان خصوبة وازدهارا، استحال قحطا وقفارا. لقد سقطت أوراق أشجاره، وذبلت ملامح أزهاره، وتكلست عظام إنسانه، بجميع أعماره، فحل ليله محل نهاره، بأن من حق مصر، ومن حق السودان، وليبيا، وتونس، وكل الشعوب المطالبة بحقوقها في التغيير، وحسن المصير، وفقه التدبير أن تستلهم من الجزائر، سلمية التحرير وحرية التعبير، ووحدة الوطن، وعمق الإخاء، ونبل المسير.

يكفي الجزائر فخرا، أنها قدمت للعالم كله- وبشهادة إخواننا المصريين- أروع مثل في شبابها الرياضي في الميدان فأبانوا عن لياقة، ولباقة والتزام بأخلاق الرياضة، وقيم الإيمان… وها هي الجزائر- من خلال شيبها، وشبابها- وكهولها- تقدم للجمعة الثانية والثلاثين صورة للحراك السلمي، بالحراك العلمي، وكل ذلك في سلمية، وعلاقات أخوية، وانضباط وتسامحية.

أفلا يحق لشباب مصر، وأبناء الكنانة أن يأخذوا الجزائر قدوة، ويتخذوا حراكها جذوة.

إن مما حبا الله به الحراك الجزائري أنه خلا من ” أي توجه أيديولوجي” – بالمفهوم السياسي للتنظيم، ويحاول أن يتخلص من بقايا العصابة الإتباعية، لأي نظام خارجي أو ريجيم.

ليس في الحراك الشعبي الجزائري، في معظم أتباعه، أية عمالة لعدو الأمس أو أعداء اليوم، بل إن الوفاء للثوابت الوطنية، من انتماء عميق للوحدة الوطنية هو الجامع المشترك الأعظم للحراكيين.

إن ما نريده لمصر الشقيقة، ولكل الأشقاء، أن يقتدوا بالجزائر أحرارها وحرائرها، في التلاحم بين الحاكم والمحكوم، والظالم والمظلوم، فلا اعتقالات تعسفية، ولا اعتداءات بدنية أو معنوية، بل إن الجيش الجزائري قد أعلن، بعظمة لسان قادته، أنه يرافق الحراك، ويحميه من كل هلاك أو انتهاك.

فما لحكام مصر الشقيقة يغرقون في الاعتقالات الجماعية، ليضيفوا إلى آلاف المسجونين، آلافا أخرى من المتظاهرين؟

كان الأولى بحكام مصر الشقيقة أن يستلهموا من الجزائر، منهج المصالحة الوطنية التي أشاعت في البلاد، وبين العباد جوا من المحبة، والأخوة، والتصالح والوداد، وحَرِيٌّ بشباب مصر، أن يأخذ العبرة من شباب الجزائر، فيقدموا بالحراك صورة نموذجية للمواطن المظلوم، كي يعرب عن الهموم، بالشعار الواضح المفهوم، وبالسلوك السلمي المعلوم.

ليس من طبعنا التدخل في الشؤون الداخلية للشعوب الشقيقة أو الصديقة، ونكتفي بالرمزية في التعبير عن الحقيقة، لذلك نبدي حق النصح لهؤلاء الأشقاء، حكاما ومحكومين، أن حذار، فإن الحرب أولها كلام، وأن النار بالعودين تُذكى فما يبدأ صغيرا يوشك أن يتحول مع الأيام إلى خطير، لذلك وجب حسن الإصغاء للشعوب، والاستجابة لكل ما هو مرغوب، حتى وإن دعت الحاجة إلى التضحية بالمناصب، والمكاسب، وما تحويه الحسابات والجيوب.

إن البقاء لن يكون إلا للأوطان، وإن الحكام- مهما طالت عهداتهم- فإلى زوال.. فليخلد كل واحد في صحائف التاريخ جميل الذكر، وكما يقول أمير الشعراء أحمد شوقي:

نصحت ونحن مختلفون دارا

              ولكن كلنا في الهم شرق

فيا أشقاءنا في مصر ويا أشقاءنا في ليبيا! ويا أشقاءنا في كل مكان!

حذار مما يدور في أوطانكم من محن ومن فتن! حصنوا أوطانكم بالعدل، فإن العدل أقوى جيش، وإن الأمن أهنأ عيش.

﴿ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ[ سورة الأنعام- الآية: 82].

حمى الله مصر، وحمى الله الجزائر، وحمى كل بلد شقيق من أي مكروه..فليأخذ الجميع العبرة، حتى لا نستيقظ على صوت الهزيمة والندامة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

خطاب إلى ابن باديس : في عيد نوفمبر النفيس/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

عبد الحميد، يا ابن باديس! يا إمامنا وشيخنا الرئيس! أطل علينا من برجك الخالد المجيد، …