الرئيسية | قضايا و آراء | الدين والتديّن/ عبد القادر قلاتي

الدين والتديّن/ عبد القادر قلاتي

في كتابه الموسوم بـ”الدين والعلمانية في سياق تاريخي”، وفي فصل عن التديّن عالج المفكر العربي الفلسطيني عزمي بشارة قضية هامة في السجال الدائر بين العلمنة والدين وضمن عنوان جانبي كتب بشارة: “يوجد تديّن من دون إيمان.. لكن لا دين من دون تديّن” والنّاظر في العبارة قد يشكل عليه معنى التديّن من غير إيمان ولكن عبارة “لا دين من دون تديّن” توضح الفرق بين الدين كحقيقة مطلقة، والتديّن كممارسة خاصة تستقي مفاهيمها من الدين كظاهرة اجتماعية، ولعلّ التاريخ يفسر الكثير من ظواهر التديّن التي بنيت على أشكال ومراسم خالية من الإيمان بالدين نفسه، وإنّما تمارس وفق آليات من تحقيق المصالح الدنيوية والشخصية، وهذا نجده عند الكثير من الجماعات الدينية التي أخرجت الدين من وظيفته الأساسية إلى حالة من التوظيف السلطوي النفعيّ البعيد عن الحقيقة الدينية الغيبية التي تعد بالجزاء في العالم الآخر، فهذه الجماعات تشكّل سلطة دنيوية تجعل من الفرد عبداً لها بدل العبادة لله خالق البشر، المعنيّ بمطلق العبودية، ولذا القول بالتديّن دون إيمان قول صحيح ومظاهر ذلك كثيرة ومنتشرة سواء في الأديان السماوية أو الأديان الأرضية.

أمّا العبارة الأكثر وضوحاً والتي تجيب وتردّ على الكثير من المقولات العلمانية، فهي عبارة: “لا دين من دون تديّن”، وبالرغم من عدم تصور ذلك إلاّ أنّ تيار العلمنة في سياق جدله مع الدين والمتدينين، يُصرّ على إبعاد التديّن بكلّ أشكاله ومظاهره، والإبقاء على الدين خالياً من أيّ ممارسة ظاهرة، والعجيب عند القوم هو انخراطهم في التنظير لقضايا المجتمع والدولة انطلاقاً من تأويل النّصوص الدينية، ومحاولة توظيفها في تكريس واقع العلمنة، وهي معادلة غريبة في مشروعاتهم الفكرية الخادمة لفكرة العلمنة، فكيف يكون للدين هذا الحضور الوظيفي الكثيف في سياق الكتابة والتنظير إذا كان خالياً من الممارسة الحقيقية لمعنى الدين في حياة البشر؟

هذه الاشكالية التي يعاني منها الفكر العربي في نسخته العلمانية مردها إلى قناعة فكرية استحوذت على مجمل التنظير الفكري، وهي أنّ النهوض الحضاري مربوط بتجاوز الدين ومفرداته، وهذا ما حصل في الغرب مع بروز الدولة الحديثة، ومن هنا فرضت هذه المغالطة نفسها، وهي عين الجدل العقيم بين التيارات العلمانية والدينية، وما لم تحسم هذه الإشكالية فإنّها ستظلّ تشكل إعاقة حقيقية في عملية النهوض الحضاري، وما أظنّها تحسم بالقناعات الفكرية والمعرفية، وإنّما بفرض الواقع…

عن المحرر

شاهد أيضاً

من حرية البلد إلى حرية الجسد/ أ. د. ليلى محمد بلخير

(جميلة بوحيرد) رمز بطولي للمرأة الجزائرية خاصة والمرأة العربية عامة، تحضر في رواية فوضى الحواس …