الرئيسية | قضايا و آراء | ثقافة الجن والسحر والعين/ عبد العزيز كحيل

ثقافة الجن والسحر والعين/ عبد العزيز كحيل

لا أقول إنه خلل في العقيدة لكنه من غير شك خلل في حياتنا الاجتماعية يستدعي الدراسة الموضوعية والعلاج المناسب.

  • الجنّ يضرب مسلمة في باريس!!

منذ سنوات عُرضت عليّ هذه المسألة الغريبة العجيبة: فتاة باريسية من أصل جزائري حافظة للقرآن الكريم، محافظة على الصلوات والأذكار، ترتدي اللباس الشرعي، قال لي أهلها إن جنّا ضربها وسكنها وفعل بها الأفاعيل فأجبتُ على الفور وأنا أضحك: سبحان الله لماذا ضربها وهي مسلمة ملتزمة وترك صوفي مارصو (الممثلة الفاتنة الفاجرة التي تعيش هي الأخرى في باريس وكانت آنذاك في أوج فجورها)؟ هل يُعقل هذا؟ فأجابوني أن بعض “الشيوخ” هم الذين شخصوا الإصابة فأحسست بعمق المشكلة التي استولت على العقول والقلوب رغم إسلامنا وقرآن ربنا وسنة نبينا ورغم انتشار العلم على جميع المستويات.
هذا جزء كبير من مأساتنا، هكذا يغيب العقل ونسيء إلى الإسلام ونصنع التخلف والجهل والانحطاط…إنها ثقافة المسّ والعين والسحر!!!

* المشكلة بين الإيمان بالغيب والخرافة:
الإيمان بالغيب شيء والخرافة والدجل شيء آخر…وجود هذه الأشياء ثابت بالقرآن والسنة، المشكلة تكمن في أمريْن اثنيْن:
–  نحن مطالبون بالإيمان بالغيب الذي أخبر به الوحي، أما التعامل فمع عالم الشهادة، هو ميدان التكاليف، تعاملنا مع البشر وليس مع الجن.
–  المبالغة في عالم الجن والسحر والعين بشكل يخالف الهدي الرباني وواقع البشر، ويكفي أن نسأل كيف ينجو الكفار من هذه الآفات بينما يبدو أن جميع المسلمين مصابون بها؟ أيُعقل هذا؟ المشكلة هي “ثقافة الجن والسحر والعين” التي خرّبت عقول كثير من المسلمين (ومنهم نسبة كبرى من المثقفين وخاصة المثقفات) وجعلت للدجل والشعوذة سوقا رائجة- وباسم الرقية مع الأسف !!!-
الواقع شاهد أن هذه الأمور أصبحت كبش فداء للفاشلين في حياتهم، بدل أن يسألوا الله من فضله ويعالجوا سلبيات حياتهم بوعي وعقلانية تجدهم “يمسحون الموس” في العين التي جعلت الطالب لا ينجح في دراسته والفتاة التي سبّب لها السحر العنوسة والمريض الذي طال سقمه لأن جنّا مسّه بل سكن في جسده !!!
حين أدق ناقوس الخطر فإني لا أكذب شيئا مذكورا في الوحي وإنما أريد أن نرجع إلى العقلانية الإيمانية لنعطي كل أمر حجمه الطبيعي دون مبالغات ولا غلوّ، الصحابة والتابعون والفاتحون نصروا الإسلام وشيّدوا حضارته بالتعامل مع عالم الواقع، ونموذج سليمان عليه السلام اختيار رباني فريد خاص بذلك النبي الكريم {وَهَبْ لِي مُلْكاً لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي}، ولا وجود إطلاقا لما يسمى خاتم سليمان، وأما عصا موسى فقد كانت أداة معجزة أنفذت أمر الله ولم تكن أداة خرافة.

* يسمونها “الرقية الشرعية”!!! :

يعني هناك رقية غير شرعية؟ في نهاية المطاف أعتقد أن الأمر كذلك لأن انتشار حكايات الإصابة بالمسّ والسحر والعين يتمّ على يد معظم الرقاة، وهذا شيء غير شرعي كما بينت في المنشورات السابقة، والتشخيص الخاطئ يؤدي إلى العلاج الخاطئ وبالتالي إلى استفحال الأمراض النفسية…لأنها في الغالب أمراض نفسية كما يؤكد الواقع.

أتدرون من هو الراقي حقا؟ إنه طبيب نفسي يخشى الله، إذا جاءه المريض فهو لا يهوّل أمره ولا يقحمه في متاهات الجنّ والسحر والعين وإنما يهوّن عليه بكلام طيب ولمسة حانية، وقبل ذلك يصغي إليه، يستمع إليه وهو يشكو حاله، يفهمه، يخفف عنه، يبث فيه الأمل، يجعله يتجاوز ما به من مخاوف وهواجس وضيق نفسي سببُه في الغالب أمور موضوعية كالبطالة والعنوسة والعزوبة المتقدمة والفشل في مشروعات معينة أو في الحياة كلها… هذا الشخص تجده بطبيعة الحال متضايقا حزينا منعزلا، نومُه كوابيس، حياتُه ضنك… ما دخل الجن والسحر والعين في هذا؟ وحتى إذا افترضنا جدلا أن الراقي قد شخّص حالة من هذه الإصابات – وهذا ممكن لكن في حالات قليلة– فهل العلاج هو التهويل و”الحوار مع الجن” والدخول في عالم الغيب؟ هذا ما يزيد المريض إرهاقا من غير شك.

وفي جميع الحالات لا تتعلق القضية بتلاوة القرآن كله على المريض وبطرق مرعبة وصوت غليظ وإنما بانتهاج أحسن الطرق التي تطمئن إليها النفس الإنسانية: التلاوة القليلة العذبة، الدعاء المأثور، وخاصة الطمأنة ورسم والابتسامة ونقل المصاب إلى ساحات الراحة النفسية والثقة بالله وبالنفس وانتهاج الكلام الإيماني العقلاني وفتح أبواب الأمل وتوصية المريض بملازمة الطهارة والمصحف والذكر والمحافظة على الصلاة إلى جانب ممارسة الرياضة ودخول معترك العمل والنشاط…هذا أفضل من شغل الناس بجنّ جاء من إثيوبيا ويتكلم باليابانية وجنّ عاشق وسحر مدفون في قبر وربط عن الزواج !!! ونحو هذا من الخزعبلات التي تستهدف الإثارة ولا يجني منها المريض سوى مزيد من الأمراض والعُقد النفسية.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

وثبة التحوُّل وعلاقتها بالخصوصية الحضارية/ د . إبراهيم نويري

هناك تيار عريض من الناس في أمتنا – بما فيهم الكثير من المثقفين – يقع …