الرئيسية | قضايا و آراء | هنيئا لكم أيها المبتلون المحتسبون../ د. الطيب برغوث

هنيئا لكم أيها المبتلون المحتسبون../ د. الطيب برغوث

تذكرت هذا الحديث النبوي الشريف عن مراتب الناس في الابتلاء، وعن دور الابتلاء في رفع مقامات الناس في الدنيا والآخرة، وأنا أسمع خبر وفاة عبد الله مرسي، نجل الرئيس المصري الراحل محمد مرسي رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جنانه مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وهو في مقتبل حياته، إذ لم يتجاوز الرابعة والعشرين ربيعا بعد.

والحديث عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال فيه: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ الناس أشد بلاءً؟ قال:” الأنبياء، ثم الأمْثَلُ فالأمثل، يُبتلَى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زِيدَ صلابةً، وإن كان في دينه رقَّةٌ خُفِّف عنه، ولا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض ما له خطيئة“(صحيح الترمذي).

فالمبتلون الصابرون المحتسبون أجرهم عند الله تعالى، وهم يخوضون معارك ومكابدات الصلاح والاستقامة الذاتية، والإصلاح الاجتماعي، والتطلع إلى وضع أفضل لمجتمعاتهم وأمتهم والإنسانية، لهم مقامات عظيمة في الدنيا والآخرة، لأن الابتلاءات التي تحكمها موازين الصدق والإخلاص وتحري الصواب في الأفعال والمواقف، ترفع منسوب الوعي واليقين عند الإنسان، وتصلب عوده، وتثري خبرته بسنن الله تعالى في الحياة، وتنمي إيمانه وتقواه، وتزكي نفسه وسلوكه، وتدفع به إلى مقامات الإحسان التي تزيل الخوف من غير الله من قلبه، وتعمر قلبه بالخوف من الله والحب له، والثقة فيه، والتوكل عليه.

الابتلاء بالمحن خاصة، مطهر عظيم للفكر والنفس والسلوك، لأنه يعمق القرب من الله تعالى، ويقوي الثقة واليقين فيه، ويعزز الاعتماد عليه، قال النبي عليه الصلاة والسلام كذلك:” ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه، وولده، وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة“(رواه الترمذي).

وأسرة الراحل الرئيس محمد مورسي رحمه الله تعالى، أسرة مبتلاة، ولكنها صبورة محتسبة شامخة معتزة بابتلائها وفخورة به، كما نرى في هذه الكلمة الحزينة القوية المؤثرة جدا لنجله عبد الله قبل وفاته رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته، وهو يخاطب أباه بعد استشهاده في ساحة المحكمة:” مر شهر على فراقك يا قرة العين كأنه اليوم دُفن قلبي يا أبي يوم دُفنت، وتفاصيل كثيرة دُفِنت بجوار أبي، كضحكتك تلك التي تمحي كل أحزاني، ونظرتك المليئة بالحنان التي تزيل أوجاعي، وحديثك لي الذي كنت أنسى به هم الدنيا وما فيها، وحضنك الدافئ الذي يزيل كل جراحي وأوجاعي.

والله يا أبي لا يشفِي صدري ويجبر روحي المكسورة ويذهب حزني إلا أن ألحق بك على دربك وطريقك، فلم تعد لدي رغبة في الحياة من بعدك يا أبي، فارقت الحياة فكيف لي أن أعيش بدون وجودك فيها، كنت أصبر نفسي بأنك يوماً ستعود ونجتمع مرة أخري. ألف كلمة وكلمة لا تزال عالقة كالغصة لم أخبرك عنها قبل رحيلك، فقدانك يا أبي موت على قيد الحياة، برغم كونك رحلت من الدنيا إلّا أنّك لم ترحل مني، لا زلت تسكنني، ولا زلت أراك في كل مكان، وأسمع صوتك طوال الوقت يا أبي، عزاؤنا الوحيد يا أبي أنك شهيد وحي عند ربك ترزق، نحسبك كذلك ولا نزكيك على الله. وإلى لقاء يا أبي تحت ظل عدالة قدسية الأحكام والميزان.

رحمة الله عليك ورضوانه يا أبي، سلام الله عليك يا أبي طبت وطاب مثواك. اللهم اجمعني به في جنتك وعلى حوض نبيك المصطفى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم “.

إنها حزينة فعلا، مؤثرة فعلا، مبكية فعلا، مثيرة للأشجان والمواجع فعلا. إنها صادرة من قلب مكلوم، ومن نفس مفجوعة، ولكنها في الوقت نفسه قوية معتزة محتسبة فخورة بأبوة وأمومة وأخوة هذه الأسرة المبتلاة، وفخورة بالخط الفكري والدعوي الذي سارت فيه هذه الأسرة وخدمته وتمحنت به. وهذه سمة الأوفياء والصادقين المخلصين الشجعان بلا شك.

إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع يا عبد الله ويا آل مرسي، على ما أصابكم في طريق الدعوة والإصلاح، ولكن عزاءكم أن الله تعالى رفع قدركم، وجعل آلافا مؤلفة من الناس لا تربطهم بكم علاقات عائلية أو قرابية أو مصلحية.. تتعاطف معكم، وتدعو لكم، وتعتز بكم، وتتخذكم مثالا يحتذى ويقتدى به في مواجهة المحن والابتلاءات، فمصابكم رُفعت به مقاماتكم إن شاء الله تعالى، وهذا تكريم لكم من الله تعالى، وأي تكريم، فهنيئا لكم هذا المقام أيها المبتلون المحتسبون الفائزون، فقد قال النبي عليه الصلاة والسلام:” ما مِن مُصِيبَةٍ تُصِيبُ المُسْلِمَ إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بها عنْه، حتَّى الشَّوْكَةِ يُشاكُها“(صحيح البخاري).

اللهم تغمد هذا الشاب ووالده بواسع رحمتك، وألحقهما بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا في عليين، وأفرغ على أم آل مرسي وعلى أسرتها صبرا، واشدد أزرها، وقو يقينها واحمها من كل مكروه، واجعل منها مثالا يحتذى ويقتدى به. اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، ووفقنا لنمضي على طريق الاستقامة والصلاح والإصلاح ما استطعنا إلى ذلك سبيلا. آمين.

عن المحرر

شاهد أيضاً

ولتحيا ثقافة الصخب والشهب ؟!/ جمال نصر الله

أتذكر أنني مرة دخلت مقر جمعية الجاحظية بعد أن قرأت إعلانا على صفحات الجرائد خاصا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *