الرئيسية | في رحاب الشريعة | ما قل و دل | أيهما خير، الجاهل الغني أم العالم الفقير؟/ محمد الصالح الصديق

أيهما خير، الجاهل الغني أم العالم الفقير؟/ محمد الصالح الصديق

كان عندي في البيت زائر كريم، خفيف الروح، لطيف المعاشرة، حلو الحديث، مهذب الأخلاق، ترفُّ دأبا على ثغره ابتسامة مشرقة، وكان يمازحني ويقول: سأحاول عند الممات أن ألطف الجو مع قابض الأرواح حتى يهون علي الموت.

فبينما كنا نتجاذب أطراف الحديث في قضايا الحديث في قضايا الساعة، عن الذين يملكون المال ويظنون أنهم بما لهم يستطيعون أن يملكوا كل شيء، ساق هذه الأبيات:

من كان يملك درهمين تعلّمت   

شفتاه أنواع العلوم فقالا

إن الدراهم في المواطن كلها    

تكسو الرجال، مهابة وجلالا

فهي العلوم لمن أراد فصاحة     

وهي اللسان لمن أراد مقالا

ثم سألني هذا السؤال:

تمنى أحدهم أن يكون جاهلا وغنيا، لا عالما وفقيرا، عملا بقول هذا الشاعر، فهل هو مصيب في رأيه أم مخطئ؟ فقلت له: لا جدال في أن المال يكسي صاحبه مظهرا يدعو الناس إلى احترامه، ويدفعهم إلى التقرب منه، ويجعلهم يلتفون حوله، وينقادون له، ويطيعون أوامره، فإذا تكلم أمنوا له، وإذا أشار أطاعوه، وإذا أخطأ التمسوا له عذرا، وإذا كذب صدقوه، ولكن ذلك لا يتجاوز اعتقاد العامة، وبسطاء الناس السطحيين .

أما العقلاء الذين يدركون الحسن من القبيح، والجيد من الرديء، والسمين من الغث، بما وهبهم الله من العقل والذكاء، وحسن الطوية، وكرم الأخلاق، والاستقامة، بقطع النظر عن حالهم من اليسر والعسر، فإنهم يعلمون أن المال ليس إلا حلية قد تلبسها اليوم وتخلعها غدا، وأن العلم هو الزينة الدائمة، والجمال الذي يزداد يوما بعد يوم إشراقة وبهاء.

إن المال في واقعه الحقيقي قصر جميل مشيد بالرمل، على شاطئ البحر قد تسوّ به الموجة في لحظة من الزمان، فلا تبقى إلا صورته في الذاكرة، تثير الهموم والأحزان، وتكدر صفو الحياة في كل آن.

وأما العالم فعلمه في صدره، لا يستطيع أحد أن يسلبه منه، بينما المال معرض للنهب والسرقة، وزد على ذلك أنه بالعلم تؤسس الحضارات، ويقوم العمران، وتتسع دائرة التمدن، وتزداد مصادر الغنى.

وما بلغ أهل هذا العصر هذا التطور العجيب المدهش في مختلف المجالات إلا بفضل العلم الذي يضيء عقول أهل الصناعة، فأثمرت ضروبا من الاختراعات جعلت العصر الأخير غرة في جبين الزمان.

على أن العلم والمال سيظلان جنبا إلى جنب في تعاون وتكامل متى نضج العقل، واستقام على الطريق القويم.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

مولود قاسم ينصح طالبا/ محمد الصالح الصديق

كنت ذات يوم مع الأخ مولود قاسم في مكتبه بوزارة الشؤون الدينية والتعليم الأصلي، فاستأذن …