الرئيسية | أقلام القراء | لا يقضى على الفساد إلا بإصلاح العباد…/ بقلم الأستاذ: محمد العلمي السائحي

لا يقضى على الفساد إلا بإصلاح العباد…/ بقلم الأستاذ: محمد العلمي السائحي

يدور الحديث هذه الأيام، عن عزم الحكومة على محاربة الفساد، والناس مختلفون حول صدق نية الحكومة في عزمها هذا، فمن مصدق بذلك ومكذب، والمصدق يبني تصديقه على أن الفساد بلغ حدا بات يشكل خطرا يتهدد استقرار البلاد وأمنها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ومن ثمة فهناك ضرورة ماسة لمحاربته والقضاء عليه، فضلا عن هبوط أسعار النفط، وانعدام وجود مصادر أخرى للدخل لتعويض النقص الطارئ على المداخيل البترولية، كما أن تغول المال الفاسد بات يهدد الطابع الديمقراطي للنظام الجمهوري في الجزائر، كما كشفت عن ذلك الانتخابات التشريعية السابقة، التي وظف فيها هذا المال لشراء المراتب الأولى في قوائم الترشيح، أما المكذبين، فيبنون تكذيبهم على أنه سبق للسلطة التصريح بعزمها على محاربة الفساد، بل شكلت لجانا وهيئات رسمية لذلك، ولكن الأمر لم يفضي إلى شيء مطلقا، فلا وزير الطاقة السابق توبع في قضية الرشوة المتهم بتقاضيها في الصفقة المعقودة مع الشركة الإيطالية إيني وسوناطراك، ولا المسؤولين الذين تعاملوا مع بنك الخليفة وتسببوا في ضياع أموال الدولة حوسبوا على ذلك، ولا الأموال التي هربت إلى الخارج تم استرجاعها.

وفي هذه القضية نجد أن كلي الطرفين يلتقيان حول رغبة واحدة وهي ضرورة محاربة الفساد الذي خرب البلاد، وأهلك العباد، غير أن الخوف كل الخوف أن تكون محاربة الفساد ذريعة لتصفية الحسابات، لأن ذلك لن يفضي إلى القضاء على الفساد بقدر ما يزيده تفاقما وتمكنا، ولعل من المهم التنبيه إلى أن محاربة الفساد لا يكفي فيها القضاء على المفسدين أنفسهم، إذ يمكن أن يحل محلهم غيرهم، ومن ثمة فإن الحاجة ماسة إلى تركيز الجهد في محاربة الفساد على تتبع أسبابه المؤدية إليه، والعوامل المؤثرة فيه، والقضاء عليها، وأهم شيء يركز عليه هو إعادة نفخ الحياة في الضمير الذي مات وما عاد يؤدي دوره المنوط به، إن الذي يسرق ويزوِّر ويغش، ويختلس، ويرتشي، ما كان ليقوم بذلك لو كان له الضمير الحي الذي يراقبه ويحاسبه ويهديه سواء السبيل، وما كان المفسد ليستمرئ  فساده، لو أنه علم أن المال الذي يجمعه بأساليبه غير المشروعة المحرمة دينيا، والممنوعة قانونيا، يؤخذ منه ويرد إلى الخزينة العامة ولا يجني منه إلا الفضيحة والسجن، وما كان المفسد ليعيث في الأرض فسادا، لو استقر في ذهنه أن العقوبة التي يتعرض لها إذا افتضح أمره، وثبت جرمه، لا تكون على قدر الجرم المرتكب فقط، وإنما تكون على قدر المنصب الذي يتولاه والذي أساء إليه ولم يحفظ حرمته.

إن قضية الفساد هي قضية أخلاقية، قبل أن تكون سياسية أو قانونية، ومن ثمة فإن محاربة الفساد تتطلب منا تقويم أخلاقنا، وتصحيح قيمنا، وذلك يستدعي مساهمة لا قطاع القضاء والأمن وحده، بل يستدعي تدخل وزارة التربية ووزارة الثقافة ووزارة الشؤون الدينية ليسهم كل قطاع بدوره في إعادة بناء الضمير الجزائري، بما يجعل الجزائري حريصا كل الحرص، على عدم الخروج عن الدين، أو التحايل على القانون، أو الإساءة إلى الوطن.

نعم ليس من الممكن أبدا القضاء على الفساد، دون العمل على إصلاح حال العباد، حيث أن إصلاحهم، هو الذي يوقظ ضمائرهم التي ستتكفل بجعلهم يتحرجون من مقارفة الصغائر، فكيف بالكبائر.

إن محاربة الفساد ينبغي أن تتم على جبهتين، الأولى محاربته في الحاضر، وذلك عن طريق ملاحقة رجاله وتسليمهم إلى القضاء ليقضي فيهم بحكمه، ويصادر الأموال التي نهبوها وجمعوها بأساليبهم الملتوية وإعادتها إلى الخزينة العمومية، والثانية أن يحارب في المستقبل، وذلك عن طريق محاربة أسبابه في مناهجنا التعليمية والتربوية والثقافية بحيث ينشأ لدينا جيل يتحرج من شبهة الفساد ويفر من الفساد فرار الفريسة من الأسد الكاسر، ذلك هو ما يقضي على الفساد فيريح منه البلاد والعباد…

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

همجية الاستعمار وممارسات الخونة في رواية “كاف الريح” هل تحول رواية نوار ياسين لفيلم ثوري؟/ د-وليد بوعدي

عند آخر حرف قرأته في رواية الكاتب الجزائري نوار ياسين المعنونة بـ”كاف الريح”- نشر دار …