الرئيسية | قضايا و آراء | هلاّ اتّضحت الرّسالة؟ عن الرّئيس المظلوم/ أ. محمّد بن حامد بومشرة السّنوسي.

هلاّ اتّضحت الرّسالة؟ عن الرّئيس المظلوم/ أ. محمّد بن حامد بومشرة السّنوسي.

الآن وقد رحل الرّجل إلى عالَم غير عالَمنا، إلى عالَم سنلجه حتما يوما ما؛ إمّا بالرّجل اليمنى أو الرّجل اليسرى. فإنّنا اليوم نعزّي أنفسنا مرّتين يوم أُقيل أو استقال، ويوم رحل إلى الرّفيق الأعلى.

كم من مرّة حاولت أن أكتب عن هذا الرّجل الرّاحل الشّاذلي بن جديد رحمة الله عليه، لكن لا أجرؤ، خوفا من السّياسة الملعونة عندنا في الجزائر ولعدم توفّر المعلومات عنه، ولعدم بلوغ الدّيمقراطية سنّ الرّشد عند العرب فأتراجع. وإنّي على علم ويقين أنّ القارئ قد يخالفني أو يوافقني في طرحي هذا الذي أراه صحيحا.

كنت أتمنّى مصافحته فقط، لكنّ هذا مستحيل لأنّ الرّئيس المظلوم كما يحلو اليوم للإعلام أن يسمّيه،اختفى عن أنظارنا والتزم الصّمت الطّويل صمت الحكماء، فخفت أن أحدّث نفسي بمصافحته فيُوشى بي فأتّهم بتهمتين إمّا أنّني إرهابي أو أنّي أسعى إلى قلب النّظام..

واليوم وقد سالت الأقلام وسُجّل الكلام، وذرفت الدّموع على رجل بل قائد مثالي في الثّورة التّحريرية وفي البناء والتّشييد وفي وضع الأسس المتينة للدّيمقراطية بالجزائر. هذا الرّجل الذي كان يسعى باللّقمة إلى الأفواه، وكان غيره يسعون بالأصبع نحو عينيه، باسم الدّيمقراطية التي حاول تطبيقها بحذافيرها. فعادت عليه بالويلات، بمعنى آخر قدّم لهم الدّيمقراطية ليسبّوه ويعلنوا الحرب عليه. بئست الدّيمقراطية هذه عند العرب.

إنّ الرّاحل رحمه الله تعالى على الرّغم من تكوينه العسكري ثمّ اختياره ليكون رئيسا ثالثا للجزائر يعلم علم اليقين ما فيها من مشاكل سياسية واجتماعية وتنوّع الأفكار الإيديولوجية المتضاربة، إلاّ أنّه نهج النّهج السّليم العقلاني، معاملا أفراد شعبه معاملة الأبوّة ومع أقرانه بالأخوّة، فطمع فيه الطّامعون لمّا عمل على تحسين المعيشة، وتعميم اللّغة العربية واستعمالها إداريا، والتّنفيس على الإسلاميّين، وبناء المساجد في كلّ حيّ بل في كلّ مؤسّسة وحتّى العسكريّة منها. والحفاظ على ثوابت الأمّة الجزائرية في دينها الإسلام ولغتها العربية وتاريخها العريق… والعمل بالقرآن العظيم في الشّؤون الأسرية والأمور الاجتماعية، لأنّه أقسم بالله تعالى على احترامه أمام الشّعب يوم عُيّن رئيسا، وعليه أغضب المستفيدين.

أحيّي فيه رحمة الله عليه ردّ الاعتبار للرّئيس الأسبق أحمد بن بلّة غفر الله له، وإطلاق سراحه من الإقامة الجبرية حين كان ذكر اسمه أو التّحدّث عنه من الممنوعات بل من المحرّمات، لأنّه مواطن غير شريف في زعمهم. وفي رمشة عين صار زعيما وبطلا، وما لنا وما لهم، ونحن شعب فينا الكبير وفينا الصّغير ومنّا القاصر عن السّياسة.

فشعر رحمة الله عليه بالمسؤولية المُلقاة على عاتقه ليشرع في نشر الأمن والأمان وتعميم التّعليم الأساسي بالمدرسة الجزائرية، التي أغضبت ذئابا مسعورة بالدّاخل والخارج، فتجنّدوا لتشويه صورته أمام الرّأي العام والخاص، فاختلقوا له نكتا لتنقص من شأنه، وبدؤوا الاصطياد في الماء الذي عكّروه والرّصد لأخطائه وهذا من أعمال الجبناء.

لا ننسى أنّ الوزارات في عهده عرفت نشاطات واسعة، حيث كان الرّجل المناسب في مكانه المناسب، انطلاقا من مقولة الرّاحل هوّاري بومدين: “دولة لا تزول بزوال الرّجال.”

فبالأمس ردّدوا بأنّ الجيش والشّعب معك يا الشّاذلي، إنّها بطانة السّوء لكن سرعان ما صنعوا له الخامس أكتوبر، ليذهب جزء من الشّعب ضحيّته، وانقلبوا على أعقابهم فردّدوا: “مات الملك يحيا الملك.”

هم الورثة لبطانة السّوء التي سعت سعيا حثيثا ومستميتا للانقلاب على وزيره للتّربية والتّعليم الأساسي التي صيّروها وزارة للتّربية الوطنية؟

أحيّي فيه رحمة الله عليه حكمته في صمته الطّويل بعدما أُقيل أو استقال، ورغم ما قيل فيه وما صُنع به. لو كان غيره لاستقال أكثر من مرّة لعدّة أسباب، أراها مقنعة منها أنّ الذين كانوا ينادونه بأنّهم معه تركوه في أوحال السّيّاسة ونعّتوه بأقبح النّعوت وسمّوا عهدته بالعشرية السّوداء، هم الذين يأكلون من الغلّة ما يأكلون ثمّ يسبّون الملّة من أين نبتت. كما جاء في المثل الشّعبي عندنا: “أنّهم مع كلّ عريس يحلقون.”

وهذا الذي يحدث في العالم العربي مع حكّامهم، إذا ما اعتلى الحاكم السّلطة يُبعد عن الشّعب وتُوضع له الخطوط الحمراء أو السّيلان، ثمّ يَشون إليه بالكذب أكثر من الصّدق، فيسخط على شعبه بقوانين جائرة ليجعل من نفسه العدوّ رقم واحد من حيث لا يدري.

فيكيدون له ويكيد لهم وتقطّع شعرة معاوية ويُقال له: “اذهب أنت وربّك فقاتلا إنّا ههنا قاعدون.” ليصير لقمة سائغة تُمضغ بين فكّي أعداء الدّاخل والخارج، وهذا ما حدث للرّئيس الرّاحل رحمة الله تعالى عليه لمّا استقال أو أُقيل لم يتحرّك الشّعب وراءه للدّفاع عنه، ألأنّها كانت استقالة جماعية منه ومن شعبه؟

فماذا يصنع الحاكم بشعب إذا ما انتخبَه ثمّ يُترك مع (الأغوال) لا والله، على الشّعوب أن تدرك إذا ما انتخبت حاكما بالفعل، لابدّ لها أن تقف إلى جانبه وتمدّه بالعون والدّعاء وأن تحميه. وعلى الحاكم من جهته أن يشعر بالمسؤولية أمام الله تعالى ثمّ أمام شعبه.

لنفرض أنّه استقال، وإنّه لغريب فعلا أن يستقيل حكم عربي، فكم من مرّة سمعنا عنه أنّه ابتَعد عن الرّئاسة لمدّة ثمّ يحتالون عليه ليعيدوه؟ معلّلين له بتحسين الوضع. فكان الطّبّاخون يعيدون الطّبخة فيشمّ روائح كريهة فيَهمّ بالرّحيل حتّى لا تُلصق فيه الرّوائح النّتنة التي بدأ ريحها يتعدّى إلى الشّارع. وإنّها لشجاعة ما بعدها شجاعة عندما استقال الرّئيس زروال وبكلّ شجاعة لا تُوصف.

فهلاّ اتّضحت الرّسالة؟ كيف لا يمرض الرّاحل بِداء خبيث وقد عاش الخامس أكتوبر، الذي تلته سلسلة من التّقتيل والتّنكيل بأبناء الوطن الواحد، لأنّه كان يحسّ بالمسؤولية..

ولنفرض أنّه أُقيل، ما يُسمى بالانقلاب الأبيض فقد أُقيل الرّئيس الرّاحل الأسبق أحمد بن بلّة في انقلاب أسوَد. فهذا ما كُتب على الحكم في الجزائر.

فكما لكلّ عالِم هفوة فكذلك لكلّ رئيس أو زعيم، وكلّ الرّؤساء أو الزّعماء من بني آدم لهم مالهم وعليهم ما عليهم. وقد توفي الشّاذلي بن جديد في اليوم السّادس من أكتوبر، فهلاّ اتّضحت الرّسالة؟

فإنّ يوم توفّي الرّاحل الشّاذلي بن جديد، خطر ببالي رحيل المظلوم في بلاده، العسكري سعد الدّين الشّاذلي يوم تنحى بل طُرد وخُلع جلاّده حسني مبارك الذي لم ينصفه وأجلاه ولم يُوفه حقّه، كما قرأت من خلال يوم وفاة العسكري الشّاذلي بن جديد هو يوم من أيّام الأسبوع الأوّل لشهر أكتوبر الذي حدث فيه ما حدث سنة ثمان وثمانين وتسعمائة وألف.

ليس من الصّدفة أنّ الرّجلين تشابها في الاسم والرّتبة والظّلم من ذوي القربى، ويوم وفاتهما بالغصّة كان اليوم له علاقة مباشرة، فأمّا سعد الدّين الشّاذلي  فيوم وفاته أُعلن عن رحيل آخر فرعون عصره ثمّ أودع السّجن العسكري:

وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة٭٭٭على المرء من وقع الحسام المهنّد.

فهلاّ اتّضحت الرّسالة؟ ونحن نودّع تباعا وطنيّين حقّا أكلت بطانة السّوء من لحومهم ونهشت، بالأمس القريب ودّعنا سماحة الشّيخ عبد الرّحمن شيبان، وما إن جفّت دموعنا ودّعنا المناضل عبد الحميد مهري، ليلتحق به الرّاحل أحمد بن بلّة، وما إن نسينا مآسينا يأتي دور الرّئيس الشّاذلي بن جديد رحمة الله عليه ليلتحق بالرّفيق الأعلى ثمّ يُعلّق له العرجون الذي حُرم منه عيّانا لسنوات.

فهلاّ اتّضحت الرّسالة؟ أَكَتب الله تعالى للجزائر وشعبها أن تعيش أحزانا منذ العهد القديم، وهذا الشّعب الأبيّ يبقى شعبا عظيما رغم ما فُعل به، يبقى وفيا للرّاحل الشّاذلي بن جديد، وللوطنيّين الأحياء منهم والأموات.

وبالمناسبة الأليمة أسأل الله عزّ وجلّ أن يبارك في الوطنيّين الأحياء ويمدّ في أعمارهم لصالح البلاد والعباد.

فلعلّ الرّسالة وصلت، فهلاّ اتّضحت للحاكم المقبل أن يعيد الاعتبار للشّعب الأبيّ الذي هرم وتفاقمت عليه الأزمات تلو الأزمات؟

رحم الله تعالى الشّاذلي بن جديد، وعليه أتقدّم بالتّعازي الخالصة لعائلة الفقيد وكلّ من أحبّوه وإلى الشّعب الجزائري الأبر، سائلا المولى عزّ وجلّ أن يتغمّد الفقيد برحماته وأن يسكنه فسيح جنانه وأن يلهم أهله الصّبر والسّلوان: “إنّا لله وإنّا إليه راجعون.”

 

تلمسان: 22 ذي القعدة 1433 هجرية، الموافق لـ: 08 أكتوبر 2012.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

شارع محمد الخامس…في فحص باب عَزُّونْ…/ فوزي سعد الله

كان جزءا لا يتجزأ من تلك الحقول والجنان المتصاعدة المتسلقة للروابي كثيفة الأشجار المطلة على …