الرئيسية | قضايا و آراء | الحروب والتوترات الـمُضِرة وآثارها على رحلات الحج والعمرة/ محمد مكركب

الحروب والتوترات الـمُضِرة وآثارها على رحلات الحج والعمرة/ محمد مكركب

 

كان الحجاج الآفاقيون في القديم، يخافون قطاع الطرق، ويُهَدَّدون من قبل اللصوص، حتى صار الفقهاء يقولون: إن أمن الطريق شرط من شروط الاستطاعة، في وجوب الحج. وفي العصر الحديث صارت بعض الشعوب المسلمة تُهَدَّدُ بالحصار، وقطع العلاقات، ومن العجائب أن نسمع بأن عددا من دول المسلمين، يقاطعون دولة مسلمة؟ إن قطع العلاقات بين الشعوب المسلمة، حصار سياسي، وهجران ديني، لا يجوز شرعا، ولا أدبا. فالدولة الـمقاطَعة، التي تُمْنَع من الرحلات الجوية، والبحرية، يتأثر حجاجها بالصعوبات، والعراقيل التي تعوقهم في الوصول إلى بيت الله الحرام.

وكلامنا من هذا الجانب، وهو أن لا تنعكس الحسابات السياسية بين الحكام على الشعائر الدينية وحقوق الشعوب، في حرية التنقل في أرض الله تعالى، خاصة لأداء شعيرة الحج إلى بيت الله تعالى.

ونحن في أشهر الحج ندعو إخواننا المشرفين على خدمة الحجاج، في مكة، والمدينة، أن يسخروا جهودهم، في التسهيل  لكل مسلم، جاء بجواز سفر دولته، ووفق قانون بلده، ووفق القانون الدولي، ليزور بيت الله الحرام، وبناء على المعاهدات والاتفاقيات، أن تهيأ له الطريق والخدمات، إخلاصا لله رب العلمين. قال الله تعالى:﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ﴾(المائدة:97) فقد شاء لله تعالى، أن يكون بيته بالمسجد الحرام، بمكة المكرمة، محجا لجميع بني آدم، فكل مؤمن مستطيع له الحق، بأن يحج البيت الحرام، ولا يحق، ولا يجوز لأي أحد أن يمنعه، عن زيارة أول بيت وضع للناس، دائما أقول: إذا توفرت للشخص المسلم الوثائق المشروعة.

وبمناسبة الدعوة إلى أمن الطريق أمام الحجاج في القارات الخمس، أقول للذين يديرون الحروب الأهلية في بعض البلدان العربية: لقد فتنتم الأمة، وزدتم عليها غمة بعد غمة، واستمراركم في التنازع لا يحقق ذرة من نفع، ولكن يزيد الظلمة ظلمة. كُفُّوا أيديكم وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، ودعوا الناس يعبدون ربهم، فإن الحروب الأهلية سببها تحريش الشيطان، شيطان الجان، وشيطان الإنسان، دعوها فإنها منتنة، نتانة الخزي والعار، لكل طرف غرار، وتوبوا إلى العزيز الغفار.

فمنذ حوالي أربعة آلاف سنة، أمر الله تعالى إبراهيم، وابنه إسماعيل عليهما السلام، برفع القواعد من البيت، وأن يطهراه للطائفين والقائمين، والركع السجود، وأمر الله  إبراهيم أن ينادي في الناس بالحج. قال الله تعال:﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾(الحج:27).

فلا يليق بالدول الإسلامية أن تقاطع بعضها، وتضعف بعضها، وتقوي عدو الله وعدوها. ففي الوقت الذي يجب أن يستيقظ المسلمون [ الحكام، والعلماء] من غفلتهم التي أغرقتهم في تقاليد الاستبداد السياسي والأنانية المذهبية، ومن غفلتهم التي أنهكت قواهم في التنازع والتدابر والتقاطع، منذ عقود، فلم يكفهم ذلك، وانتقلوا إلى شنآن جديد، ليزيدوا المصائب مصيبة فوق مصيبة، وليزيدوا الفتن بينهم في مشاكل جاهلية غريبة، فراح بعضهم يتفنن في مقاطعة إخوانه، وإدخال الحزن على شعب من شعوب المسلمين، وتقديم خدمة مجانية لعدو الإسلام والمسلمين.

فيا أيها الحكام، والرؤساء، ويا أيها الملوك والأمراء، لا يجوز لأي دولة مسلمة أن تقاطع دولة مسلمة أخرى، فلو كانت المقاطعة لدول كافرة، لكان لهم ألف مسوغ، وألف عذر، ولكن المسلم يقاطع المسلم، وباسم السياسة الشرعية، فلن يكون هذا من المعقول، فكيف يكون من المقبول؟ إن أخاك، سيظل أخاك، فإن أخطأ معك فهو أخوك، لا تبدله بالدنيا، ولا تشمت به الأعداء. ففي الحديث الشريف:[ الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ] هل علمتم ما معنى [وَلَا يَخْذُلُهُ] يا من فرقتم بين شعوبكم، ومزقتم الوطن العربي الإسلامي الكبير الذي كان يجمعكم، إن من سبقوكم بنفس الاستبداد والتعصب الأعمى، ضيعوا الأندلس، وأجزاء غالية من أراضي الأمة الإسلامية، بتفرقهم ومحاربة بعضهم، وها أنتم الآن على نفس التقليد وراءهم.

إن السبب الذي دعاني وأوجب علي كتابة هذه الكلمات، هو ما وَصَلَنا من أسئلة واستفسارات، من إخواننا المسلمين والمسلمات، من جميع القارات، من أوروبا وأمريكا، ومن بعض الدول العربية، عن مضايقات الحجاج، من قبل أنظمة بعض الدول، وأحيانا حتى من قبل بعض الدول المسلمة العربية. وهذا عجيب، وإيذاء المسلم للمسلم غريب. فالحجاج الذين يريدون السفر إلى مكة المكرمة، قاصدين حج البيت، كما أمر رب البيت جل وعلا. وهم يريدون السفر بسياراتهم، أو حافلاتهم، أو أي وسيلة نقل، فلا ينبغي، ولا يجوز منعهم إذا توفرت لديهم الوثائق المطلوبة وفق إجراءات بلدهم، والبلد المشرف على خدمة الحجاج، كاحترام، الوثائق، والموعد، والعدد، والطريقة.

فلا يجوز [ أن يمنع الحجاج، أو يفرض عليهم إتاوات، أو مكوس، أو رسوم للدخول والخروج من قبل البلدان التي يمرون عليها، ولا المطالبة بتأمينات خاصة، لا على المراكب، ولا على الأشخاص.

بل إن الآداب الإسلامية توجب علينا نحن معشر المسلمين، أن قافلة الحجاج عندما تدخل بلدا مسلما، تقابل بالترحيب، والضيافة، والتكريم، لا بالوجوم، والضرائب، والرسوم].

تَفْرِضُ علينا شريعتُنا من ديننا، وهي الشريعة العالمية الإلزامية، أن الحجاج إذا كملت شروط سفرهم، إلى الحج، فإنهم لا يطلب منهم، إلا وثائقهم، والالتزام بآداب السفر. ومن آداب السفر إلى الحج، التزام الحجاج بالخضوع للإجراءات الإدارية، والأمنية، المتعارف عليها. والحجاج الذين نتكلم عنهم هم المسالمون الذين يريدون الحج، حقا، وصدقا. بلا تشويش، ولا تحريش، الذين لا يفتنون الحجاج الآخرين، بفتاوى تحريضية، أو زرع أفكار عصبية. إنهم الحجاج الذين يريدون الحج المبرور. وربنا تبارك وتعالى قال:﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبابِ﴾[سورة البقرة:197].

﴿وَلا فُسُوقَ﴾ يعنِي أن الحاج يجتنب جميع المعاصِي. وأخطرها، إيذاء الحجاج، أو الناس الذين يتعامل معهم في رحلة الحج كلها. وجاء في الأثر:[ الدين المعاملة]  مثلما يحب الحاج أن يُكْرَم ، ويحسن إليه، فعليه أن يعمل بالقاعدة الأدبية [ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ – أَوْ قَالَ: لِجَارِهِ – مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ] (مسلم. كتاب الإيمان. رقم:71) وفي الحديث أيضا:[ وخالق الناس بخلق حسن].

﴿وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ﴾: قال ابن مسعود، وابن عباس، وعطاء:[ الجدال هنا أن تماري مسلما، حتى تغضبه، فينتهي إلى السباب. وقال قتادة: الجدال (أي الجدال المنهي عنه هو السباب). وقال ابن زيد ومالك بن أنس: الجدال هنا أن يختلف الناس: أيهم صادف موقف إبراهيم عليه السلام].

أما الحوار العلمي من أجل التعلم والتعليم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتناصح، والإرشاد، بحسن نية وإخلاص، وعن علم، وبيان مهمة تكليف، فلا يدخل في الجدال الممنوع. والله أعلم.

إن الحاج الذي وفقه الله لزيارة البيت أن يحمد الله تبارك وتعالى، وأن يكون في كل رحلة حجه، وكأنه في مسجد من مساجد الله، على أرض الله، خاصة، ثم خاصة، بعد الإحرام بالحج. فليتحل الحاج وهو محرم، بالوقار، والتواضع، والحياء، والصبر. وليكن من عباد الرحمن. هل علمتم من هم عباد الرحمن؟﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً﴾ وفي الجامع لأحكام القرآن ﴿يَمْشُونَ﴾ عبارة عن عيشهم ومدة حياتهم وتصرفاتهم، لاسيما في ذلك الانتقال في الأرض، وهو معاشرة الناس وخلطتهم. قوله تعالى:﴿هَوْنًا﴾ الهون مصدر الهين وهو من السكينة والوقار. وفي التفسير: يمشون على الأرض حلماء متواضعين، يمشون في اقتصاد. والقصد والتؤدة وحسن السمت من أخلاق النبوة. وقال صلى الله عليه وسلم: [أَيُّها النَّاسُ عَلَيْكُمْ بالسَّكِينةِ، فَإنَّ البرَّ لَيْسَ فِي الإِيضَاع].

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

من معاني العيد في فكر الإمام محمد البشير الإبراهيمي/ د. إبراهيم نويري

يُعدُّ الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله تعالى من أبرز أدباء الجزائر وعلمائها وخطبائها ومصلحيها …