الرئيسية | قضايا و آراء | لا نهضة بدون قيادة …

لا نهضة بدون قيادة …

بقلم الأستاذ: محمد العلمي السائحي

 

إن الكثير من الناس في عالمنا العربي والإسلامي، يتساءلون عن الأسباب التي جعلت أمتنا تقع أسيرة لحالة التخلف المقيت، مع توفرها على كل أدوات النهوض ووسائله، وذلك راجع إلى اعتقادهم الخاطئ أن النهضة تتوقف على الشروط المادية فحسب، في حين أن لها شروطا أخرى هي أجل من ذلك وأعظم.

 شروط القيادة ومؤهلاتها:

وهي التي يستحيل أن تقوم للنهضة قائمة بدونها، ونجد في مقدمتها القيادة الراشدة، ذلك أن النهضة تحتاج إلى من يرسم لها أهدافها وغاياتها، وهذه الأهداف والغايات يحتاج إنجازها إلى التخطيط الدقيق الذي يتم من خلاله توزيع الجهد وفقا لاحتياجات كل مرحلة، ويمكن من خلاله التنسيق بين الجهود المبذولة وجعلها تتكامل ولا تتضارب وتتعارض، كما أنها تحتاج إلى الحشد وإقناع المجتمع بضرورة الانخراط في العمل من أجل تحقيق النهضة المطلوبة بحماسة واندفاع، خلاصة القول أن المجتمع لكي يتحرر من التخلف الذي يرسف فيه وينهض ويحقق ما يصبو إليه من تطور وتقدم وازدهار، يحتاج إلى قيادة ولابد لهذه القيادة أن تكون مدركة لطبيعة دورها، وتتوفر على جميع الشروط العقلية والأخلاقية التي تخولها حق قيادة المجتمع نحو ما يرمي إلى بلوغه من أهداف وغايات تفضي به في نهاية المطاف إلى بلوغ النهضة المرغوبة.

حاجة المجتمع الإنساني إلى القيادة:

ويشهد لحاجة المجتمع الإنساني إلى القيادة الراشدة، ما ورد من أثر عن رسول الله الذي مفاده أنه عليه الصلاة والسلام، كان يأمر أصحابه إذا خرجوا لسفر أن يؤمروا أحدهم عليهم حتى ولو كانوا ثلاثة، ويشهد لأهمية القيادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمضى ثلاثة عشر عاما وهو يربي أصحابه في مكة ويعدهم  لقيادة الأمة، وتبليغ الرسالة، وما أن تحولوا إلى المدينة وتهيأت لهم الظروف المواتية، حتى تفتقت مواهبهم القيادية، واستطاعوا أن يحملوا الأمانة، ويبلغوا الرسالة، ويؤسسوا مجتمعا فاق كل المجتمعات المعاصرة له آنذاك تنظيما وانسجاما، ورفعوا للإنسانية صرح حضارة لم يعهد التاريخ لها مثيلا، ما زالت علومها ومعارفها تشع علينا إلى اليوم.

تخير القادة وانتقاؤهم:

ويتأكد لنا ضرورة التفات الأمة لبناء القيادة فيها وتهيئة أسبابها لأبنائها، أن رسول الله عليه الصلاة والسلام ما كان يتخذ من السن مقياسا لتولية أصحابه القيادة وتكليفهم بالمهام، بل كان يقدم على ذلك ما يحوزه الفرد من قدرات، وما يتوفر عليه من مؤهلات، يدل على ذلك أنه رفض تولية أبي ذر الغفاري رضي الله عنه الإمارة، وقال له: عليه الصلاة والسلام، معللا رفضه: إن فيك ضعفا.

وهذا دليل على أنه صلى الله عليه وسلم كان ينخل أصحابه واحدا واحدا، ويتعرف على ما يتمتعون به من قدرات، وما يحوزونه من كفاءات، فيسند لهم المهام والمأموريات تبعا لم يتبين له من مؤهلات لديهم، وهذا ما يجعلنا نتفهم إسناده قيادة جيش مؤتة لأسامة بن زيد وتأميره على جيش يضم كبار الصحابة من أمثال عمر بن الخطاب نفسه، وهذا يتأكد لنا من تمكن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من حل مشكلة الاستخلاف بعد وفاة الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، وتمكنهما من التغلب على المرتدين ومانعي الزكاة، وتصديهما لتهديدات فارس والروم بل وتمكنهما من تغلبهم على هاتين القوتين العظيمتين في عصرهما ذلك.

التربية على القيادة والإعداد لها:

ونظرا للدور البالغ الأهمية الذي تضطلع به القيادة في المجتمع الإنساني، عمدت الأمم منذ القدم إلى الاهتمام بحسن بتربية وتنشئة قياداتها في مختلف المجالات، حيث أن القيادة لا تقتصر على المجال السياسي والعسكري فحسب، بل الحاجة ماسة إليها في جميع المجالات الأخرى، فنحن نحتاج إليها في الصناعة والزراعة والتربية والصحة والثقافة، كما أن القيادة لا تعتمد على الاستعدادات الفطرية فحسب، بل هي في حاجة إلى صقل تلك الاستعدادات وتنميتها، عن طريق التعليم والتهذيب والتدريب وتهيئة الأفراد من الناحية النفسية والذهنية للاضطلاع بمهام القيادة في مجالهم، يشهد لذلك أن الملوك قد اعتادوا على تهيئة ولاة العهود من بعدهم لتولي زمام الحكم وذلك من خلال إخضاعهم لنظام تعليمي وتربوي صارم يهدف إلى تدريبهم على كيفية مواجهة مختلف المواقف وكيف ينبغي التصرف فيها، فيتلقون تدريبات عسكرية صارمة، لأن قيادة القوات المسلحة ستكون من مسؤولياتهم عند تولي الملك، ويدرسون السياسة والاقتصاد والقانون  والتاريخ لأنهم بعد توليهم الحكم مدعوون للمساهمة في تسيير هذه المجالات، كما يدربون على أخلاقيات القيادة ولا يتسامح معهم في ذلك قط، ذلك أن القائد يجب عليه أن يعي أنه القدوة بالنسبة لمن هم أدنى منه منزلة، وهذا ما يقتضيه أن يتحلى بالكثير من الخصال والشيم: كالشجاعة والنجدة والإقدام والصبر والحزم والوفاء والغيرة على الدين والعرف وحسن تقدير المسئولية، وقد ضرب لنا القادة المسلمون أروع الأمثلة في ذلك، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه في عام الرمادة كان لا يأكل حتى يأكل غيره من المسلمين، وعلي بن أبي طالب ألزم نفسه بلبس الخشن من الثياب وأكل ما جَشُبَ من الطعام منذ توليه الخلافة، وكان غيرهم من القادة المسلمين يتقدمون الصفوف ويخوضون المعارك، وقد زخر عصرهم والعصر الذي تقدمه بقادة عظماء عز نظيرهم.

القادة الرجال أنفع للمجتمع من الذهب والمال:

يدل على ذلك ما رواه الحاكم في المستدرك حيث قال: (حدثنا أبو بكر بن إسحاق أنا بشر بن موسى ثنا عبد الله بن يزيد المقري ثنا حيوة بن شريح أخبرني أبو صخر أن زيد بن أسلم حدثه عن أبيه عن عمر رضي الله عنه: أنه قال لأصحابه: تمنوا فقال بعضهم: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبا أنفقه في سبيل الله وأتصدق، وقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة زبرجدا وجوهرا فأنفقه في سبيل الله وأتصدق، ثم قال عمر تمنوا فقالوا: ما ندري يا أمير المؤمنين، فقال عمر: أتمنى لو أنها مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة وحذيفة بن اليمان).

فعمر تمنى لو أن لديه من الرجال أمثال هؤلاء القادة الذين وسموا عصرهم بطابعهم فهم أغلى وأهم من الذهب والياقوت والجوهر والزبرجد، لأن القيادة الراشدة هي التي تولد الثروة وتصنعها وتوجدها ولو من عدم، أما الثروة فلا تصنع القيادة إذا عدم الاستعداد لدى الفرد، وختاما لموضوعنا هذا، يكفي أن نقول أن اليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا ما كانت لتبلغ ما بلغته من تطور وازدهار اقتصادي إلا بفضل قيادتها الرشيدة ولتركيزها على الاستثمار في الإنسان على وجه الخصوص، والله هو وحده ولي التوفيق وهو يهدي السبيل…

عن المحرر

شاهد أيضاً

خذوا العبرة من بلماضي/ جمال نصر الله

  ليس سرا أن نقول بأن ما حققه بلماضي للجزائر والجزائريين يعتبر درسا تاريخيا لجميع …