الرئيسية | حوار | الدكتور عز الدين بن زغيبة في حوار مع البصائر/ أ. د. حسن خليفة

الدكتور عز الدين بن زغيبة في حوار مع البصائر/ أ. د. حسن خليفة

الدكتور عز الدين بن زغيبة من الطيور الجزائرية المهاجرة؛ حيث يقيم في دولة الإمارات العربية المتحدة منذ وقت غير قصير، وقد كان له دور مهمّ في مجالات ثقافية وعلمية وتدريبية من خلال عمله في مركز “جمعة الماجد” للثقافة والتراث. وفي سياق سعي البصائر للتقارب والتحاور مع الكوادر الجزائرية الموجودة هنا وهناك في أوطان شتى عربية وغربية نقدّم هذا الحوارالمطوّل المفيد مع الأستاذ عز الدين حاولنا فيه الإحاطة بكثير من القضايا ذات الصلة بمسار ومسيرة الأستاذ بن زغيبة، وبالأخص ما يتعلق بمركز “جمعة الماجد” الذي هو أحد المراكز الرائدة في العالم العربي يُستفاد منه في النهوض الثقافي والفكري وما يجب أن تقوم به القيادات الثقافية الحقيقية الفاعلة ….وإلى الحوار

 

  • – أنت أحد طلبة جامعة الأمير عبد القادر..وقد يسّر الله لك نجاحا طيبا في حياتك العلمية والمهنية هل يمكن أن نعرف ـ على وجه التدقيق ـ بمَ أفادتكم جامعة الأمير الإسلامية؛ خاصة وأن سهام الباطل تتجه إلينا بين حين وآخر، في أنها خرّجت “إرهابيين” ومثقفين ينتمون إلى قرون ماضية؟
  • إن فضل جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية علي وعلى زملائي من الدفعة الأولى كفضل القمر على الماشي في الليلة الظلماء، حيث ينير له الطريق الذي يوصله إلى مقصده دون ضياع ولا عناء ويهديه إلى سبيل الرشاد حيث تتداخل سبل الغي المتعددة والمتنوعة، وإنني لفخور أن جعل الله تحصيلي الأول لعلوم الشريعة في هذه الجامعة وثناها الله لي بجامعة الزيتونة، حيث نهلت العلم صافيا من صدور الرجال وتلاميذ فحول الأئمة الأعلام، وإنه لمن عظيم النعم أن أسلك في طلب العلم ما سلكه العلامة ابن باديس رحلة وسندا؛ من قسنطينة إلى تونس، والسند الزيتوني العاشوري في التحصيل، وأسأل الله العظيم أن يرزقنا بمثل ما رزقه من حب وإخلاص لدينه ووطنه ووفاء لإخوانه وشعبه.

3 – اشتغلت على مدار سنوات في مركز ثقافي علمي كبير وهو مركز “جمعة الماجد” ..هل يمكن أن نعرف المزيد عن المركز وأنشطته بشكل مختصر مفيد ؟

  • مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث هيئة علمية ثقافية وقفية ذات نفع عــــام تأسس رسمياً سنة 1411هـ ، الموافق 1991م، بدعم كامل من معالي جمعة الماجد. وتعود بداية المركز مع ميلاد فكرته لدى مؤسسه إلى عام 1988م، إذ بدأ العمل باقتناء الأوعية الثقافية بمختلف أشكالها، ومن ثم حفظها لفهرستها وتصنيفها، وفي عام 1993م بدأت مرحلة تقديم الخدمات المكتبية للباحثين وطلاب الجامعات.

ومنذ ذلك الوقت والمركز ينمو ويزدهر يومًا بعد يوم، بدءًا من وضع هيكله التنظيمي ونظامه الأساس ولائحة نظامه الداخلي، مرورًا باختيار الكفاءات العلمية المتخصصة في المجال الثقافي، وانتهاءً بخدماته التي يقدمها لقاصديه من داخل الدولة وخارجها.

لما بذرت البذرة الأولى لهذا الصرح العلمي قبل ثمانية وعشرين عامًا لم يكن مؤسسه (معالي جمعة الماجد) يتوقع بأن المركز سيصل إلى هذا المستوى الذي وصل إليه اليوم، ليس ذلك في العدد الهائل من الكتب والمخطوطات والوثائق التي تم جمعها، بل الأمر يتعلق بالأعمال التي تم إنجازها لإنقاذ الكتاب – مخطوطًا ومطبوعًا؛ فهو وعاء العلم، وأثر فحول الرجال، وسر الحضارة، والنور الذي تبصر به الإنسانية طريقها،

أما رسالة المركز فهي: تعبئة الطاقات والقدرات في جمع الأوعية الثقافية والفكرية والتراثية المتنوعة، وتقديمها للباحث بكل يسر وسهولة.

ومنذ أن وضعت اللبنات الأولى لهــذا الصرح الثقافي كانت نصب عينيه أهداف سامية يعمل جاهدا ًعلى تحقيقها، منها

– السعي إلى جمع التراث الإنساني وحفظه.

– إتاحة  مكتبة تحوي مختلف العلوم والمعارف والثقافات،  وتيسير البحث العلمي المنظم.

– التعاون الثقافي وتبادل الخبرات مع الهيئات الثقافية ومراكز البحث داخل الدولة وخارجها.

– الإسهام في نشر المؤلفات العلمية وإجراء الدراسات والبحوث التي تخدم الثقافة الإنسانية.

وبغية الوصـــول إلي أهدافه ســلك المركز سبلا ً كفيلة بتحقيقهــا فعمد إلى اقتناء أوعية الفكر الإنساني بأشكالها المتنوعة ومعالجتها وتنظيمها وحفظها وإتاحتها للباحثين، وعقد الندوات والمحاضرات والمؤتمرات والدورات التدريبية وسعى جاهدا ً لبناء علاقات التعــاون الثقافي وتعزيزها، وتبادل الخبرات مع المنظمات والهيئات المحلية والإقليمية والدولية.

مرتكزا ًعلى منظومة من القيم الإنســانية المتمثلة في بناء العقل الإنســاني، ونشر المعرفة، مؤطرة بالتواصل والخـــــدمة والعطـــاء، يمكن الحديث عن أنشطة المركز بشكل مختصر جدا  كما يأتي:

1 – الترميم:

أنشئ قسم الحفظ والمعالجة والترميم في المركز سنة 1992م، ويقوم القسم بتعقيم المخطوطات والوثائق والمطبوعات، وترميمها، وحفظها، والقيام بعمليات التجليد العربي الإسلامي، والتجليد الفني الحديث، واستخراج الألياف السيليولوزية النقية التي تستخدم في عملية الترميم.

كما عمل المركز على تطوير عدد من الأجهزة المتخصصة في أعمال الترميم، وقام بإهدائها إلى أكثر من 40 جهة ومؤسسة ثقافية في 23 دولة حول العالم.

ومن هذه الأجهزة:

– جهاز الماجد للتعقيم.

– جهاز الماجد للمعالجات الأولية.

– جهاز الماجد للعلاج الكيميائي.

– جهاز الماجد للترميم الآلي.

– جهاز الماجد للتدعيم الحراري.

– خط إنتاج الألياف السليولوزية الورقية.

وقد حصل المركز على صلاحية استخدام هذه الألياف في عمليات ترميم المخطوطات بالتعاون مع اليونسكو.

2 – المخطوطات:

مكتبة المخطوطات في المركز تحتوي على نحو 850000 عنوان مخطوط؛ ما بين أصلي، ومصور من خزائن المخطوطات في العالم العامة والخاصة، ويعمل المركز على فهرسة هذه المخطوطات وفق منهج متخصص؛ بغية تقريبها للباحثين والدارسين.

3- المطبوعات:

مكتبة المطبوعات والوسائط تحتوي على نحو 400.000 عنوان في نحو 1.800.592 مادة تشمل الكتب، والرسائل الجامعية، والدوريات والصحف، والوسائل الرقمية التي تتنوع بين القديم والحديث، ومن الرسائل الجامعية وحدها أكثر من 25.000 رسالة، ومن الدوريات نحو 7.000 عنوان في نحو نصف مليون عدد، وتضم مكتبة المركز  مكتبات خاصة لعلماء ومفكرين، بلغ عددها 117 مكتبة، وقام المركز بفهرستها وفق قواعد الفهرسة الأنجلو- أمريكية AACR2 .

4 – الثقافة الوطنية:

قام المركز بإنشاء مكتبة متخصصة تضم الوثائق والمراجع التي يحتاج إليها كل باحث في الموضوعات المتعلقة بدولة الإمارات، والخليج العربي، منها مكتبة خاصة بالوثائق المتعلقة بالخليج والوطن العربي تحتوي على نحو 4 ملايين وثيقة أصلية ومصورة، ونحو 11.315 كتاب في 14.686 مجلد يتعلق بالإمارات خاصة والخليج العربي عامة، ومكتبة خاصة بشعراء الإمارات، ومكتبة خاصة بالنخيل، بالإضافة إلى معرض رواد الإمارات، ومعرض الإمارات في ذاكرة الزمن.

5 – الدراسات والنشر:

تبنى المركز منذ نشأته إصدار الكتب والمؤلفات المتميزة، فبلغت إصداراته 132 كتابا، حتى الآن، كما عني بنشر الموضوعات الثقافية والتراثية من خلال مجلته (آفاق الثقافة والتراث) وهي مجلة فصلية علمية ثقافية تراثية محكمة.

6 – الاتفاقيات:

بادر المركز إلى التواصل مع الجهات الثقافية حول العالم، وكان من ثمرة تلك المبادرات توقيع أكثر من 100 اتفاقية مع جهات ثقافية عربية وأجنبية، حيث حققت تلك الاتفاقيات فوائد عديدة، وأسهمت في نقل الثقافة ومصادر التراث وانتشارها. ومن أبرز الجهات التي عقد معها المركز اتفاقيات تعاون ثقافي:

– منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو).

– المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو).

– الإدارة المركزية لمكتبة الأزهر الشريف في مصر.

– مكتبة قونية المركزية في تركيا.

 

7 – الدورات التدريبية، والمحاضرات:

يعمل المركز على التواصل المباشر مع جمهور عريض من المثقفين والباحثين والمهتمين من خلال عقد المحاضرات والدورات التدريبية المتخصصة، فينظم سنوياً عشرات الدورات وورش العمل في مجال ترميم المخطوطات، وتحقيق المخطوطات، وفهرسة المطبوعات، والأرشفة الإلكترونية، وتطوير الذات وغيرها من الموضوعات الإدارية .

8 – المعمل الرقمي:

قام المركز بإنشاء معمل رقمي في عام 2001م ، مهمته تحويل الأوعية الثقافية بجميع أنواعها إلى صيغة رقمية؛ للاستفادة منها باستخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة، وفي هذا المعمل يجري تصوير المخطوطات والوثائق، والكتب والمجلات النادرة، وتحويل أنواع الميكروفيلم وأشرطة الفيديو وأشرطة الكاسيت إلى أنواع  رقمية حديثة، ويتم تحويل نحو   40000 صفحة يومياً من الصيغة  الورقية إلى الرقمية.

9خدمات الباحثين:

يقدم المركز خدماته للباحثين عبر قنوات عديدة، فيمكن للباحث القدوم شخصياً إلى المركز، والاطلاع على قواعد البيانات للمخطوطات والمطبوعات، حيث يقوم بطلب ما يحتاجه منها، فتجلب له في قاعة مخصصة، ويسمح له بتصوير ما يحتاجه وفق قواعد التصوير المتعارف عليها بين المكتبات والمراكز، وكذلك يقوم المركز بتوصيل المصورات الرقمية إلى باحثين خارج الإمارات بالوسائل التقنية الحديثة وفق ما يسمح به قانون الملكية الفكرية، كما يمكن للباحث التواصل مع المركز عبر البريد الإلكتروني، أو الهاتف للاستفسار عن الكتب والمخطوطات والموضوعات وطلب ما يحتاجه منها.

  • – من ضمن إنجازات المركز المجلة العلمية الباذخة التي يصدرها بانتظام وأنت مسؤول عنها منذ وقت طويل …هل يمكن أن نعرف منك عن المجلة في سيرورتها الطويلة، أهدافها، ماحققته حتى الآن ..كتّابها، طرق تعاملها مع الكتاب أسلوب تواصلها واستكتابها الخ ..

 

  • هي مجلة فصلية ثقافية تراثية، تصدر عن قسم الدراسات والنشر بالمركز، تهتم بالقضايا الفكرية والثقافية المعاصرة والقضايا التراثية العلمية، صدر العدد الأول منها بداية عام 1992م, ومجموع ما صدر منها حتى الآن 106 عددًا. وتتميّز مجلة آفاق الثقافة والتراث بغزارة موضوعاتها وجديتها من جهة وشموليتها للجوانب الثقافية والتراثية المتنوعة من جهة أخرى، فهي تشمل أبحاث شرعية وفكرية ولغوية وأدبية وتاريخية وفلسفية ودراسات مقارنة، والتعريف بالمخطوطات والتراث العلمي العربي، وكذا التعريف بخزائن المخطوطات في جميع أنحاء العالم، أضف إلى ذلك نشر نصوص محققة لمخطوطات صغيرة من قبل الباحثين والدارسين.

وتستقطب المجلة أقلامًا علمية جادة مشهودًا لها بالجدة والرصانة والتبحر العلمي، وتناقش المجلة على صفحاتها موضوعات معاصرة حساسة، كما استطاعت أن توظف التراث لخدمة الحاضر؛ بحيث تقدم للقارئ رؤية مستقبلية مرتكزة على جذور حضارية.

وللمجلة شروط علمية وفنية تضبط عملية النشر على صفحاتها، فلا يقبل أي نص لا تتوافر فيه تلك الشروط والضوابط.

كما حرصت المجلة أن يحتوي كل عدد من أعدادها على أقلام مشرقية وأخرى مغاربية، مع تخصيص مساحة للكتاب غير العرب إذا توافرت لدينا نصوصا منهم ترسيخا لمبدأ التنوع في الطرح ومناهج التفكير، ومجلتنا من المجلات القلائل في العالم الإسلامي التي لم تتخلف في الصدور عن موعدها منذ 27 عاما.

كما تصدر عن المجلة مجموعة من الكتب تحت مسمى ( سلسلة مجلة آفاق الثقافة والتراث ). وهي عبارة عن سلسلة من البحوث والدراسات الصغيرة الحجم بحيث لا يتجاوز عدد صفحاتها 200 صفحة، وتخضع لنفس الشروط التي تخضع لها البحوث المنشورة في المجلة، وقد بلغ عدد الكتب المنشورة تحت هذه السلسلة حتى الآن 10 كتب.

  • – تتابع شؤون الوطن منذ زمن وتكتب عن ذلك بين وقت وآخر ..كيف تبدو لك الأوضاع في بلدنا الجزائر بصفة عامة وفي الشؤون ذات الصلة بالجامعة والبحث العلمي والثقافي بصفة خاصة؟
  • إن الأوضاع في الجزائر قبل 2019 كانت بادية للجميع أنها تتجه نحو التدهور على جميع المستويات وفي جميع المجالات وهي النتيجة الحتمية عند استشراء الفساد وعدم وجود رادع له ولا رقيب ولا حسيب بل حتى نية محاربته لم يكن لها وجود أصلا فأصبحت آليات الفساد هي الحاكمة والمعيار في تسيير الحياة الوطنية بجميع تفاصيلها ولعل أكبر قطاع تضرر من ذلك هو قطاع التعليم والبحث العلمي الذي تطور الفساد فيه من المال إلى المعلومة فظهرت السرقات العلمية بألوان متعددة وفقد معها البحث العلمي حيويته وجودته وفقد الأستاذ والطالب على حد سواء لذة العلم والبحث فيه وصناعته وأصبحت الشهادات هي الغاية وليست المعلومة وانصرف ثلة من الأساتذة إلى المكاسب والمناصب وضاع بينهما العلم والطالب.

الأمر يحتاج إلى هيكلة جديدة من الجذور لقطاع التعليم العالي والبحث العلمي وأن يكون على وفق ما تحتاجه البلاد وليس ما يحتاجه غيرها.

  • – هل تتابع حركة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ثقافيا وفكريا: ملتقياتها، مجلاتها وصحفها ما رأيك بصراحة في كل ذلك ؟
  • إن الحقيقة التي لا يختلف فيها اثنان أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين هي كلمة طيبة سرت في أنفاس الشعب الجزائري فكانت كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء فمن ألسنة قادتها انبجست أول صيحة بحرية الجزائر وبأيدي رجالها وضعت أول لبنة في مسار نهضتها.

وهو المعنى الذي تفجرت منه أهداف الجمعية التي حددها منشور الجمعيّة الذي نشره الشّيخ عبد الحميد ابن باديس في جريدة البصائر؛ العدد 160 الصادر في السابع من أبريل 1939.

حيث جعل تلك الأهداف منصبة على ” التربية والتّعليم، وتطهير الإسلام من البدع والخرافات التي علقت به والعودة به إلى معينه الصافي، وإيقاد شعلة الحماسة في القلوب بعد أن بذل الاحتلال جهده في إطفائها حتى تنهار مقاومة الجزائريّين، وإحياء الثقافة العربية ونشرها بعد أن عمل المستعمر على وأدها، والمحافظة على الشخصية الجزائرية بمقوماتها الحضارية والدينية والتاريخية، ومقاومة سياسة الاحتلال الرامية إلى القضاء عليها”.

وهذه الأهداف ترجع في جملتها إلى معنى العلم والفكر والثقافة وتوعية أفراد المجتمع بمعاني شعار الجمعية ” الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا “.

هذه المعاني هي التي يسعى خلف الجمعية لإعادة تركيزها في نفوس الجزائريين بعدما خفتت جذوتها فيهم وإعادة بناء الشخصية الجزائرية على أصولها وهو الدور الذي تسعى مكونات الجمعية البشرية ووسائلها الإعلامية والفكرية والثقافية أن تقوم به الآن، وهو دور جسيم وحاسم في بناء التفكير الجماعي وبناء الواجهة الثقافية الوطنية التي تطل بها الجزائر على العالم وتقوي بها خط الدفاع الأول في معركة التدافع الحضاري التي يشهدها العالم بمناهج ووسائل غير مسبوقة.

وبناء عليه فإننا نثني على أعمال القائمين على العمل الفكري والثقافي والتوعوي بالجمعية ونحيي جهودهم المخلصة والصادقة في تطوير هذا الجانب والنهوض به إلى المستوى المطلوب.

 

 

  • – يشهد الشارع الجزائري منذ أكثر من أربعة أشهر حراكا شعبيا سلميا واسعا …كمثقف كيف تنظر إلى ذلك وكيف تقرأ حركة الشارع الجزائري؟ وماذا  يمكن أن تستنتج منها كمراقب مهتم؟ وكيف تتصوّر مآلاتها ..؟
  • في واقع الأمر لا يوجد إنسان لا يهتم بأمر وطنه إلا عديم الضمير أو ميت القلب وبخاصة عندما يكون الوطن في مثل الظروف التي تعيشها الجزائر والتي لا يختلف اثنان في وصفها بالصعبة والدقيقة والمعقدة وبخاصة عندما يكتشف الناس أن من استؤمنوا عليها من السياسيين والاقتصاديين كانوا هم خونتها ولصوصها بفظاعة غير مسبوقة مما يترك في النفس جرحا عميقا.

ولكن الحمد لله هناك ثلاثة عناصر هي كالبلسم يلوذ به الإنسان لإدراك ضياء الصبح المتنفس والأمل المنشود والمعقود وهذه العناصر هي:

1 – رجال من آل فرعون كانوا يخفون وفاءهم لوطنهم ولإخوانهم الذين سبقوهم بالشهادة إلى الدار الآخرة، كما يخفون سخطهم على الأوضاع التي آل إليها وطنهم منتظرين الفرصة السانحة للإصلاح.

2 – جيش موحد ومتماسك صلب وقوي صارم وفي للشهداء ومخلص لوطنه وقيمه البديسية النفمبرية.

3 – شعب واع وبضمير حي مدرك لكل الحيثيات والملابسات يصعب الضحك عليه.

والذي أتوقعه أن الجزائر في آلام الطلق الأخير من ميلاد فجر جديد فيه يغاث الناس وفيه يعصرون ويومها يفرح الجزائريون بنصر الله ويفرح الشهداء الذين هم أحياء عند ربهم يرزقون، ومن فرح الشعب يفرح الوطن كما أنه من بكاء الشعب يبكي الوطن.

  • – التواصل البيني في المجالات الثقافية والفكرية بين أقطار العالم العربي ضعيف للغاية فيما نقدّر. ما هي أسباب هذا الضعف مع أن المشترك العام كبير وعريض بين أقطار العرب والمسلمين ؟
  • إن ضعف التواصل البيني الثقافي والفكري بين الأقطار العربية هو ذو شقين الأول هو ضعف التواصل بين الدول العربية المشرقية والدول العربية المغاربية وهذه ظاهرة قديمة وليست بنت اليوم وقد اشتكى منها العلماء في مرات عديدة وهناك الآن مساع ومبادرات في عديد من الدول العربية تقوم بها جمعيات ثقافية ومؤسسات علمية ونخب فكرية لتحقيق التواصل العلمي والثقافي بين تلك الدول.

أما ضعفه بين الدول العربية المتجاورة فهذا ليس له حالة مستقرة ولا معيار ثابت وإنما تحكمه السياسة وتقلباتها وهذه هي آفة العلم والفكر والثقافة أن تكون حرباء تتلون بألوان السياسة وتتلبس بأحوالها.

  • – سافرت إلى الهند وبعض البلدان الإسلامية الأخرى وكتبت عن بعض الكنوز الكبيرة التي تتوفر عليها تلك البلدان من ناحية “التراث الإسلامي ” الغزير والعزيز ..حدثنا عن ذلك بما يفيد الباحثين والمهتمين ؟
  • تجسيدًا للأهداف التي تحدثنا عليها أعلاها قام المركز بشد الرحال إلى مكتبات كثيرة حول العالم، وكانت رحلات ميمونة، وبعثات عديدة موفقة، قاد بعضها مؤسسه السيد جمعة الماجد بنفسه، فبعض الرحلات كان قصيرًا، وبعضها كان طويلاً، ومما يندرج في هذا الباب مشاريع إنقاذ التراث الإسلامي والإنساني التي نفذها المركز في: موريتانيا والمغرب وتونس والجزائر وليبيا ومصر والسودان وسوريا ولبنان والعراق وفلسطين واليمن وعمان والأردن والبحرين والكويت وجيبوتي والنيجر وأذربيجان وتركمانستان وطاجاكستان والبوسنا والهرسك وروسيا وأندونيسيا وإيران، والهند ومالي، وغيرها من الدول التي وصلها مندوبو المركز للبحث عن المخطوطات، وقد بلغ عدد تلك الدول نحو 40 دولة، وبلغ عدد الجهات التي تمت زيارتها في هاته الدول 817 جهة (مكتبات عامة ومكتبات خاصة وجامعات ومعاهد وكليات ومدارس ومساجد ومراكز بحث والأرشيفات الوطنية ومراكز الوثائق، وغيرها من المؤسسات)، سواء عثرت فيها على المخطوطات أم لم تعثر.

وقد شرفني الله عز وجل بأن كان لي نصيب في هذه المهمة النبيلة المتعلقة بحفظ التراث الإسلامي وصيانته ورقمنته في دول عديدة منها؛ اليمن، الهند، طاجيكستان، تركمانستان، ليبيا، وغيرها، ولعل أبرز مشاريع حفظ التراث التي قمت بها ولا أزال والتي تعد أكبر مشاريع المركز في الخارج حجما وكما وكيفا هي التي كانت بدولة الهند.

هذا المشروع الذي يسّر الله الكريم بفضله لنا الاطلاع على التراث الإسلامي ومعاينته عن قرب والتعامل معه في بلاد الهند منذ سنة 2003م، وحتى اليوم ولا نزال مستمرين في ذلك متبعين طريقة المسح الشامل ولاية بولاية، انطلاقًا من آخر نقطة في الجنوب بولاية تامل نادو والاتجاه نحو الشمال إلى آخر نقطة في كشمير؛ وذلك من خلال زيارة لأكثر من 170 موقعًا محتملاً لوجود المخطوطات, في نحو 100 مدينة وقرية  في عشر ولايات هي: – تامل نادو، كيرالا، كرناتك، أندرا برادتش، تيلنغانا، مهاراشترا، أوترابرادتش، فجرات، دلهي، بيهار –  ضمّت بين جنباتها عددًا كبيرًا من المكتبات الجامعية والمكتبات العامّة والخاصّة ومراكز بحث وزوايا، متعرفين على ما أودع بها من مخطوطات ونوادر المطبوعات الهنديّة، التي أفنى فحول الرجال أعمارهم في نظم أفكارها، ورسم عباراتها، وكانت النتيجة أن 85% من هذه المواقع توجد بها مخطوطات, وبعضها بكميات كبيرة مثل مركز المخطوطات الشرقية بحيدر أباد 29000 مخطوط, مكتبة خودابخش بمدينة باتنا 22000 مخطوط، وهي من أجود المجموعات بالهند بها نوادر فريدة جدًا مثل: مخطوط غزو المغول للهند، وكتاب الحشائش في الطب المترجم من اليونانية للعربية، وكتاب تعليقات شاه ولي الله الدهلوي على البخاري بخط يده، مكتبة رضا رنمبفور بمدينة رامبفور 20000 مخطوط، وهي مجموعة رائعة جدًا؛ لأنها مكتبة ملوك، المكتبة المركزية بجامعة علي كر بمدينة علي كر 14500 مخطوط، متحف سلارجنغ بحيدر أباد 10000 مخطوط، المكتبة المحمدية بمدراس 8000 مخطوط، مكتبة الجامعة العثمانية بحيدر أباد 6000 مخطوط، مكتبة الشبلي النعماني بندوة العلماء بمدينة لكناؤو 4500 مخطوط، مكتبة جامعة همدرد بمدينة دلهي 4000 مخطوط، وغيرها من المكتبات ذات العدد المتوسط.

        ولم يكن عمل فريق المركز – الذي تشرفت بقيادته – في هذه المكتبات مقتصرا على الرقمنة فقط بل يقوم بتكشيف أولي لكل المخطوطات، ويتضمن هذا التكشيف عنوان المخطوط واسم المؤلف وتاريخ النسخ وعدد الأوراق ورقمه في القرص وملاحظات حول المخطوط، وتسلم نسخة منه لكل مكتبة حتى يكون مرجعًا لها في المستقبل.

وإلى جانب هذا يقوم فريق المركز في المكتبات المتضررة كثيرًا بعملية فرز المخطوطات وإعادة ترتيبها وتنظيفها وتخليصها من الزوائد والدشت وجمع المتفرق منها ما أمكن، وكذلك ضم القطع المتناثرة من المخطوط الواحد لبعضها البعض, وكذا أجزاؤه.

كما يقوم المركز بتجهيز معظم المكتبات بأجهزة كمبيوتر لاستخدامها من قبل الباحثين في قراءة المخطوطات المصورة بدلاً من استعمال الأصول، وتم تزويد بعض المكتبات بالأثاث اللازم لعملها، وتم تجهيز دائرة المعارف العثمانية التابعة للجامعة العثمانية بحيدر أباد بمطبعة لتيسير أمر طباعة الكتب التي تصدر عنها.

ونفس العمل تقريبا قمنا به في طاجيكستان وتركمانستان التي حصلت على تكريم من رئيسها بوسام الدولة ” مخدزم قلي “.

10 – النخبة في العالم  الإسلامي كله تعاني ولا تكاد تجد لها سبيلا إلى تحقيق أشواقها وأهدافها …وتبدو مهمّشة غير ذات أثر واقعي (فعلي) في الحياة الواقعية سياسيا، وثقافيا، وفكريا، واقتصاديا…إلام تعزو ذلك ؟.وهل ثمة إمكانية لتدارك هذا الوضع المقلوب؟

  • إن النخبة المهمشة في العالم الإسلامي والعالم الثالث هي النخبة الحاملة للعلوم والقيم التي ترفض الفساد طريقا لتسيير الدولة ومؤسساتها كما ترفض أن تكون وسيلة في يد غيرها يستغلها لتحقيق مصالحه لأن هذه النخبة لا يعنيها الكرسي كثيرا ولا تراه هدفا ولا مطلبا في حياتها وإنما كل الذي يشغل بالها هو مصلحة البلاد والبحث عن السبل الكفيلة بتطويره والعمل على تحقيق ازدهاره وربما أن كل همها هو البحث عن كيفية نقل تجاربها وخبراتها التي اكتسبتها في الدول المتقدمة إلى وطنها وهو ما يصطدم عادة بالعراقيل الإدارية والاقتصادية المفتعلة والمتعمدة لثني أولئك عن عزمهم وردهم من حيث أتوا لأن وجود مثل هؤلاء في مؤسسات الدولة يعري المدلسين والمنتحلين والفاسدين.

حتى بلاد الغرب ( بلاد الحضارة ) تسعى لامتصاص كل ما لديهم من أفكار وأعمال وجهود لكنها لا تمكنهم من صناعة امتداد لهم ولعلمهم مثل أن يكون لهم تلاميذ يحملون نظرياتهم بعدهم ويدافعون عنها كما تمنعهم أن تكون لهم مدارس علمية نظرية تسند إليهم، والأخطر من هذا أنها تفرض عليهم الشراكة في اختراعاتهم حتى لا تنسب إليهم تلك الاختراعات أو تحمل أسماءهم وإنما تنسب للفريق أو المؤسسة التي ينتمون إليها ولا مانع عندهم أن يكون هو رئيس هذا الفريق لأن المهم عندهم أن لا يكون هذا الاختراع أو الابتكار أو الاكتشاف يحمل السمة العربية أو الإسلامية، وهذا أصعب شيء على النفس.

يجب على الدول العربية والإسلامية أن تبذل كل ما في وسعها وفي جميع المجالات لاستقطاب واسترجاع علمائها وكفاءات أدمغتها المنتشرة في أصقاع العالم واستثمارها في صناعة النهضة المنشودة وتحقيق الوثبة المطلوبة.

11 – كلمة مفيدة عن تجربتك في بلد شقيق وهو الإمارات العربية المتحدة في مجال البحث والثقافة والتراث ؟

  • عندما أتحدث عن دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة فإنني أتحدث عن وطني الثاني، ولا أجد نفسي إلا شاكرا لأهلها الذين لقينا منهم كل الحب والتقدير والاحترام، ولا يمكنني أن أنساها ما أحياني الله|؛ لأنها مسقط رأس بعض أولادي وقد سكن أديم أرضها بضعة مني، فأهلها إخوتي ما يفرحهم يفرحني وما يحزنهم يحزنني.

والإمارات بعد الله عز وجل مكنتني من استثمار التفكير والإبداع وتوظيف طاقتي في خدمة ديني وأمتي وحضارتها وتراثها، ويسرت لي كل السبل إلى ذلك ومدتني بكل الوسائل المادية والمعنوية لتحقيق تلك الأهداف، حفظها الله وشعبها الكريم وجزاها الله عنا وعن المسلمين كل خير.

12 – كلمة أخيرة .

  • إن صقل الأجيال وبناء الأمم وصناعة عظمائها، وبناء الأوطان وازدهارها لا يكون إلا بالعلم وسامي القيم وحب الوطن والوفاء للشهداء وحمل الأمانة وصيانة الوديعة.

إنها عناصر مهمة في حياة المواطن الصالح الصادق فلذلك يجب أن نربي أبناءنا عليها وأن نزرع الهمة في شبابنا ليستدرك ما فاته منها، والله لا يضيع أجر من أحسن عملا.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الباحث في الآثار الإسلامية ومدير المركز الجامعي بتسمسيلت، الدكتور عبد القادر دحدوح في حوار مع جريدة البصائر/ حاورته: فاطمة طاهي

  المعالم الحضارية الاسلامية من النظرة التقليدية إلى كنز يُستثمر فيه للتنمية الاقتصادية والسياحية. “ينبغي …