الرئيسية | في رحاب الشريعة | مناسك الحج بين الشعائر والهدي والجوابر/ محمد مكركب

مناسك الحج بين الشعائر والهدي والجوابر/ محمد مكركب

قال الله تعالى:﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ فما هي المناسك؟  والهدي، والفدية، ومتى وأين يكون الذكر المطلوب المأمور به في الآية؟

1 ـ المنسك والنسك: وما معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام:[لتأخذوا عني مناسككم]؟ المناسك جمع منسك، يطلق على العبادة ومكان العبادة، والمنسك: النُّسْكُ والنُّسُك إطلاقا: العِبادة وَالطاعة، وكل ما يُتقرب بِهِ إِلى اللهِ تعالى. والنسِيكة: الذَّبِيحَةُ، والمَنْسِكُ، مكان التعبد وطريقة التعبد، وفي لسان العرب: قال ابن الأَثير: قَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ المَناسِك والنُّسُك والنَّسِيكة فِي الْحَدِيثِ،  فالمَنَاسك جَمْعُ مَنْسَك ومَنْسِك، بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا، وَهُوَ المُتَعَبَّد وَيَقَعُ عَلَى الْمَصْدَرِ وَالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ. قال تعالى خبرا عن إبراهيم وإسماعيل:﴿وَأَرِنا مَناسِكَنا﴾[البقرة:128] أي أرنا متعبداتنا، وتطلق المناسك على أعمال الحج، وتطلق على الذبح ومكان الذبح، والعبادة ومكان العبادة. والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم. فلما دعا إبراهيم ربه قائلا: ﴿وَأَرِنا مَناسِكَنا﴾ أرسل الله إليه جبريل عليه السلام فحج به، وبين له كيف يحج. (القرطبي.2/128) والرسول محمد خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام علم الصحابة ومن وراء الصحابة كل الأمة مناسك الحج، من إحرام وطواف وسعي ووقوف وإفاضة ورمي الجمرات ونحر الهدي وكل ذلك رواه الصحابة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.

2 ـ الهدي من الأنعام الذي يذبح لله: 1 ـ  هدي الإحصار، إذا أحرم الحاج أو المعتمر ثم منعه مانع قبل الوصول إلى الحرم، أو قبل الوصول إلى عرفات، أي قبل إتمام حجه وجب عليه أن يذبح هديا في المكان الذي أُحْصِر فيه إذا كان معه الهدي ويتحلل، فالمحصر بِعَدُوٍّ يحل حيث أحصر وينحر هديه إن كان معه هدي، ويحلق رأسه ويتحلل. قال تعالى:﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:196] والإحصار هو المنع بكل العوائق، بأي عذر كان، كمن أحصر بعدو، أو جور سلطان، أو مرض، أو حرب، بما يحبسه عن مواصلة الحج أو العمرة.﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ والمطالب بالهدي هو من ساقه معه. قال القرطبي:(وَكَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَقُولُ: لَيْسَ عَلَى مَنْ صُدَّ عَنِ الْبَيْتِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ هَدْي إِلَّا أَنْ يَكُونَ سَاقَهُ مَعَهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ).(2/373). ويجوز الاشتراك في البدنة (الناقة أو البعير) والبقرة، بين سبعة. عملا بالحديث، عن جابر رضي الله عنه، قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلين بالحج:[فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر، كل سبعة منا في بدنة] (مسلم:1318).

هل ينفع المحرمَ الاشتراطُ في الحج؟ نعم، جاء الحديث. (ودعاء الاشتراط بمثابة الاستثناء) وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على ضباعة بنت عبد المطلب فقال:[ ما يمنعك، يا عمتاه من الحج؟] فقالت: أنا امرأة سقيمة، وأنا أخاف الحبس، قال: [فأحرمي واشترطي، أن محلك، حيث حُبِسْت]( ابن ماجة:2936).

2 ـ هدي التمتع، قال الله تعالى:﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾[البقرة:196] فالذي يحج متمتعا يحرم في الميقات بالعمرة، يقول:{لبيك بعمرة} ويصير واجبه أنه معتمر، فيؤدي أركان العمرة  وواجباتها وسننها فإذا وصل إلى الحرم طاف وسعى وحلق وتحلل، وانتظر حتى يحرم بالحج من مكة، ولذلك وجب عليه الهدي يذبحه يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة، مقابل التمتع، فإن لم يجد الهدي يصوم عشرة أيام بما فصله الله في الآية.

3 ـ هدي القرآن، لمن دخل الحج قارنا، يحرم في الميقات بالحج والعمرة قائلا:{لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ مَعًا} فيترتب عليه هدي واجب يذبحه يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة. وهو أيضا، أي القارن، إذا لم يجد الهدي يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة أيام إذا رجع.﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ﴾.

4 ـ  هدي التطوع للحاج المفرد: فالحاج المفرد لا يجب عليه هدي، وإنما يستحب له أن يتطوع بأن يسوق معه الهدي، أو يشتري  من عرفات، فقد روى القرطبي في تفسيره. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه، حين أقبل من اليمن مهلا بالحج: [بم أهللت] قال قلت: لبيك اللهم بإهلال كإهلال نبيك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[فإني أهللت بالحج وسقت الهدي] (2/370) فالمعنى أمره أن يبقى على إحرامه كرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يوم النحر.

3 ـ فدية الأذى: قال الله تعالى:﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾[البقرة:196] فمن كان محرما، وحَلَّقَ لِهَوَامٍّ في رأسه، أو لمرض، وجب عليه فدية، وهي: إما الصيام ثلاثة أيام، أو الصدقة وهي: إطعام ستة مساكين، أو النسك، أي: ذبح شاة في سن الهدي سليمة من العيوب كسلامة الأضحية، وكذلك جزاء من قص أظفاره لسبب، أو لبس ثيابا لعلة، أو غطى رأسه لمرض، ومن تطيب بطيب. ففي القوانين الفقهية لابن جزي: {فَمن لبس مخيطا (أي ثيابا مفصلة على البدن) أَو غطى رَأسه أَو حلق شعره أَو فعل غير ذَلِك عمدا أَو خطأ أَو جهلا فَعَلَيهِ الْفِدْيَة إما صِيَام ثَلَاثَة أَيَّام أَو إطْعَام سِتَّة مَسَاكِين مدين لكل مِسْكين بِمد النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَو ذبح شَاة يتَصَدَّق بهَا وَتُسَمى نسكا فالنسك أحد خِصَال الْفِدْيَة وَهِي على التَّخْيِير مَعَ الْعسر واليسر فِي أَي مَكَان شَاءَ} (1/93).

4 ـ متى يأكل الحاج من الهدي؟:  قال ابن جزي في القوانين الفقهية:{يَأْكُل صَاحب الْهَدَايَا مِنْهَا كلهَا إِلَّا من أَرْبَعَة: جَزَاء الصَّيْد، ونسك الْأَذَى، وَنذر الْمَسَاكِين، وهدي التَّطَوُّع إِذا عطب قبل مَحَله، فَإِن أكل من هَذِه الْأَرْبَعَة فَعَلَيهِ بدل الْبَهِيمَة، وَقيل بدل مَا أكل من لَحمهَا وفَاقا لَهما وَمَا سوى ذَلِك فَهُوَ مُخَيّر بَين أَن يَأْكُل أَو يتَصَدَّق}(1/94).

5 ـ  الذكر بعد الإفاضة من عرفات: قال الله تعالى:﴿فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ﴾[البقرة:198] فاذكروا الله عند المشعر الحرام اذكروه بِالدعاء والتلبِية عند الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ. وَيُسَمَّى المشعر الحرام {جَمْعًا} لِأَنه يَجْمَعُ فيه بين الْمغرب وَالْعِشَاء، ويسمى{مزدلفة} وَوُصِفَ هذا المكان بِالْحَرَامِ لِحُرْمَتِهِ. فبعد الإفاضة من عرفات لا يصلي الحجاج المغرب إلا مع العشاء في مزدلفة، وهذه هي السنة في الظروف العادية، لكن من أدركه نصف الليل قبل أن يأتي المزدلفة صلاهما حيث كان. ومن أسرع فأتى المزدلفة قبل مغيب الشفق فينتظر حتى يحل وقت العشاء ويجمع بين العشاء والمغرب، بأذان واحد وإقامتين، والجمع بين المغرب والعشاء تصلى المغرب ثلاث ركعات كما هي في كل الأحوال، والعشاء قصرا ركعتين، وكمال الواجب والسنة أن يبيت الحاج بمزدلفة حتى يصلي صلاة الصبح بها، ومن خرج بعد نصف الليل منها فاته أجر ولا شيء عليه، ومن لم يحط بها رحاله فعليه دم، ولم يقف بها مطلقا فعليه دم. وأن من أدرك الوقوف بها قبل طلوع شمس يوم العيد فقد أدرك واجب منسك مزدلفة، وأما ركن عرفة وهو الحج فمن أدركها قبل أن يطلع الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه، والله تعالى أعلم وهو العليم الحكيم.

6 ـ الذكر بعد قضاء المناسك: قال الله تعالى:﴿فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّار﴾[البقرة:200/201] فإذا قضيتم مناسككم أي: شعائر الحج، أي أعمال الحج، من وقوف ورمي ونحر وطواف. فإذا قضيتم بمعنى إذا أديتم وفرغتم من المناسك. وذِكْر الله بالتكبير والحمد والتسبيح والشكر. بإخلاص، وحب، وخوف، وطمع، ورجاء. قال الله تعالى:﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ . وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾[الأعراف: 55/56] وفي الأثر{خَيْرُ الذِّكْرِ الْخَفِيُّ وَخَيْرُ الرِّزْقِ مَا يَكْفِي} قال الله تعالى:﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ﴾[الأعراف:205].

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

شخصية المسلم بين لسان كتابه وحب نبيه واحترام أمته/ محمد مكركب

بسم الله الرحمن الرحيم:﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ …