الرئيسية | أقلام القراء | الأقصى يمنح المسلمين فرصة لرفع رؤوسهم/ بقلم: الأستاذ محمد الحسن أكـــيـــلال

الأقصى يمنح المسلمين فرصة لرفع رؤوسهم/ بقلم: الأستاذ محمد الحسن أكـــيـــلال

 

 

لقد تأكد الصليبيون والصهاينة أن المسلمين على كثرتهم وغنى وثراء الكثيرين منهم لا تهتز لهم قصبة، ولا يرفع لهم بنان خشية نعتهم بالإرهابيين، إنه الهوان الذي لا هوان بعده والذلة التي لا ذلة بعدها. ليس أمرّ من أن يحفر المرء قبره بيده، وحال العرب خاصة، هم من حفروا قبورهم بأيديهم، منهم من تصرف بإرادته ومنهم من أكره، المهم أنهم كانوا جميعا مشاركين في حفر قبورهم هذه بأيديهم ومعاولهم وباستشارة بعضهم لأصدقائهم وحلفائهم الغربيين الذين هم على كثرتهم وكثرة آرائهم شكلوا رأيا عاما صاخبا إلى درجة أنه أصم آذان أولئك الذين بقيت فيهم البقية الباقية من الشعور الإنساني النبيل الذي يفرقهم عن البهيمية والحيوانية التي صنعتها شهوانية العولمة والنفطية والاستهلاكية، إنه التهافت على الكسب السريع دون حتى البحث عن المصدر هل هو الحرام أم الحلال.

إن النخوة والأنفة والكرامة لم تعد لها في الشعور الجمعي العام للأغلبية في هذا العالم العربي مكانة، لقد حذفت من القاموس المتداول بين الأفراد والجماعات، وأصبح الذي يحترم ليس لأخلاقه ونبله وشهامته، بل لثروته وشطارته في الكسب والارتزاق.

هذه هي الحال، وهذا هو الوضع الذي استغلته دولة الكيان الصهيوني خلال الخمسين سنة الماضية لتوسع ذهنياتنا ونفسياتنا تجريفا وتحريفا على كل الأبعاد بكل الأدوات والوسائل إلى أن استقام لها كل شيء، وأصبحت الآن تنتظر منا التوسل إليها بكل عزيز وغال عليها أن تقبلنا إخوة لها أو على الأقل أصدقاء وحلفاء ضد إخوة أشقاء لنا في الدين والملة.

في الأسبوع الماضي كان رئيس حكومة تل أبيب في باريس وفق برنامج ثري جدا للزيارة إلى بلد الحرية والمساواة والأخوة، أراد بالبرنامج أن يصطاد أكثر من عصفور بحجر واحد، فهو أراد أن يلغي نهائيا في أجندة الرئاسة الفرنسية الجديدة حتى مجرد التفكير في المؤتمر الدولي للسلام الذي برمجه سلفه “فرانسوا هولاند” لأنه اشتم من “ماكرون” رائحة الانتهازية والطموح لتزعم الاتحاد الأوروبي بعد غياب بريطانيا وعدم قدرة ألمانيا على التخلص من أوزار ماضيها وعقوبتها من طرف الدول المنتصرة، فهو، أي “ماكرون”، الذي بدأ الحملة بالجزائر بتصريح لمح فيه إلى إمكانية تصحيح العلاقات بين البلدين على أساس الاعتراف بالجرائم الاستعمارية والاعتذار عنها، ولكنه بعد الانتخاب بدأ عهدته بزيارة المغرب الأقصى، لأنه مأمور ككل الساسة الفرنسيين منذ ما بعد “شارل ديغول”، وللعلم فإن المغرب الأقصى هي الخلوة التي يفضلها الصهاينة لتحقيق مآربهم، وأفضل مثال على ذلك أولى اللقاءات السرية التي مهدت لزيارة “السادات” للقدس وتوقيع معاهدة “كامب ديفيد”، حيث كان الوزير المستشار “حسن التهامي” يلتقي بوزير الدفاع الصهيوني “موشي دايان” لوضع البرنامج والخطة.

ولتمرير ما أراد “نتانياهو” في باريس حرص على طلب الاعتذار من اليهود على ما يسمى بجرائم حكومة الثورة الفرنسية عام 1789 في حق يهود فرنسا، وقد كان له ما أراد، وفي هذا رسالة واضحة إلى الجزائر التي كانت هي تنتظر الاعتذار عن جرائمها ضد الشعب الجزائري خلال قرن وربع قرن من الاحتلال الاستيطاني الذي مورست فيه كل أشكال الإبادة الجماعية والتنكيل والتعذيب ونزع الممتلكات من الجزائريين مثلما تفعل دولة الصهاينة حاليا في فلسطين بالضبط.

إنها عملية ابتزاز قذرة بامتياز قام بها “نتانياهو” ضد “ماكرون” أمام الملأ وهو صاغر، طبعا لا شك أنه يعلم أن في ذلك مصلحة له، حيث يتفادى بتلك الخطوة كثيرا من العراقيل والمعوقات التي يمكن أن يضعها أمامه اللوبي الصهيوني في فرنسا من خلال اليمين واليمين المتطرف واليسار المتطرف الشيء الذي يصعب عليه المهمة في تنفيذ برنامجه وإطالة مدة عهدته.

في الندوة الصحفية التي عقدها كل من “ماكرون” و “نتانياهو” أثناء الزيارة، تحدث السيد “ماكرون” على ضرورة استئناف مفاوضات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فكان رد  “نتانياهو” الذي أراد أن يكون حاملا لمعاني التوبيخ والإقناع في آن واحد هو: إننا كما تعلمون سيدي الرئيس لاحظنا خلال الفترة الأخيرة أن حرارة بدأت تسري في علاقاتنا بجيراننا العرب السنيين، وهذا يعني لا دخل لكم في الموضوع، لأن العرب أنفسهم لا يهمهم ما يجري في فلسطين، ولعل هذا ما دفعه بعد عودته لافتعال الحدث الأخير في المسجد الأقصى، حيث سارع إلى إغلاقه يوم الجمعة بذريعة الأمن الذي يتطلبه المكان لحماية المستوطنين الذين أصبحوا يقتحمونه كل يوم، ولتكون الخطوة القادمة تقسيمه بين المسلمين واليهود، مثلما فعلوا بمسجد الحرم الإبراهيمي في الخليل.

الاتحاد الأوروبي أيضا أدلى بدلوه حين أوفد مفوضته للسياسة الخارجية، حيث طلبت فتح المسجد ولكن ليس للمسلمين فقط، بل حتى للزوار اليهود حسب تعبيرها، وفي هذا تشجيع مبطن لحكومة تل أبيب على وضع الشروط والأدوات الخاصة بحفظ الأمن ومنها طبعا البوابات الإلكترونية التي يرفضها المصلون الفلسطينيون المسلمون.

المهم الآن، مدينة القدس في ثورة عارمة بصدور عارية يقابل بها الفلسطينيون المقدسيون جنود الاحتلال المدججين بأعتى الأسلحة الفتاكة في انتظار ردود الفعل من طرف الدولة الإسلامية حتى لا أقول العربية، لأنها لا تسمح لشعوبها بتنظيم المظاهرات خوفا من تحولها إلى ما يهدد الكراسي والمقاعد والعروش الذهبية.

الفرصة الآن سانحة أكثر من أي وقت مضى، وهذه الفرصة والحمد لله منحها المسجد الأقصى للمسلمين جميعا لاستعادة الكرامة والعزة، ليس بإعلان الحرب لأن ذلك ليس ممكنا الآن وفي ظل الظروف والأوضاع الحالية، بل على الأقل بالسماح للشعوب للتعبير عن رفضها لما يجري، ولتحريك الآلة الدبلوماسية الموحدة عبر كل العالم الإسلامي لإقناع أغلبية دول العالم التي والحمد لله وقفت وما زالت إلى جانب الحق الفلسطيني. حتى يفرض هذا العالم الظالم وحكامه الحقيقيون على حكام تل أبيب الإذعان للقوانين والمواثيق والشرعية الدولية.

عن المحرر

شاهد أيضاً

رمضان…والإيحاء بروح التضامن الاجتماعي/ د. إبراهيم نويري

الحياة التي نحياها مُترعة بالابتلاءات والنقائص والهِنات، فهي لا تخلو من تقصير في حق إخوة …