الرئيسية | في رحاب الشريعة | ما قل و دل | خاطب الناس بما يفهمون/ محمد الصالح الصديق

خاطب الناس بما يفهمون/ محمد الصالح الصديق

مراتب الكلام مستوى لا يرتقي إليه إلا الذكي الحصيف الذي يعرف درجات الناس، ويعرف كيف يخاطبهم، فلكل مقام مقال، قال أبو هلال العسكري في كتابه “الصناعتين”: لكل مقام مقال، وربما غلب سوء الرأي وقلة العقل على بعض علماء العربية فيخاطبون السوقي والمملوك والأعجمي بألفاظ نجد، ومعاني السراة “جيل الطائف” لأن العالم إذا كلمته بكلام العلية سخر منك وزرى عليك، فيجب أن تخاطب كل فريق بما يعرفون، وتتجنب ما يجهلون.

ولا ينبغي أن تخاطب العامة بلغة خاصة، ومما يذكر في هذا السياق أن امرأة جاءت إلى أبي بكر ابن داود الظاهري، وكان فصيحا بليغا، فقالت له:

ما تقول في رجل له زوجة لا هو ممسكها ولا هو مطلقها؟

فقال: اختلف في ذلك أهل العلم، فقال قائلون: تؤمر بالصبر والاحتساب، وقال قائلون: يؤمر بالإيقاف ولا يحمل على الطلاق.

فلم تفهم المرأة قوله فأعادت مسألتها فقال لها: يا هذه قد أجبتك عن مسألتك، وأرشدتك إلى طلبك، ولست بسلطان فأمضي، ولا قاض فأقضي، انصرفي.

فانصرفت المرأة ولم تفهم قوله.

إن الحكمة أن تخاطب الناس على حسب مراتبهم، باللغة التي يفهمها وعلى الدرجة التي هو فيها ذكاء وفهما واستعدادا.

زارني في أوائل التسعينيات صديق من شرق الجزائر، درسنا معا في جامع الزيتونة ثم جمعت بيننا ثورة التحرير في الصحراء سنة 1957م، وأراد أن يشتري حاجات له في متجر بالقرب من منزلي اعتدت أن أشتري عنده، فرحب به ثم أخذ زميلي يطلب حاجاته بالعربية الفصحى والتاجر ينظر إليه في شيء من الحيرة والدهشة ثم عدل عنه إلى زبون آخر يقدم حاجاته فغضب صاحبي وقال له: سلوك غير حضاري هذا الذي تسلكه، وصاحب المتجر مشغول عنه بالزبائن، فقلت له: إنك لحد الآن لم تطلب منه شيئا لأنك كلمته بغير لغتهن فكلمه بالدارجة التي هي لغته، فكلمه بها فقال له صاحب المتجر: الآن فهمتك، والآن اهتم بك.

وحضرت حفلا في منطقة القبائل خطب فيه رجلان: أحدهما تخرج من جامع الزيتونة وكان واسع العلم والمعرفة، وثانيهما تخرج من زاوية بالمنطقة وعلمه محدود، ولكن خطابه قوبل بالترحيب والتصفيق من بدايته إلى نهايته، بينما قوبل خطاب الأول بالفتور والبرودة لأنه ألقى بالعربية الفصيحة التي لم ترق إليها أفهامهم، وألقى الآخر باللغة الأمازيغية التي يتحدثون بها.

وكما أن مخاطبة الناس يجب أن تكون حسب درجاتهم، فكذلك معاملتهم يجب أن تكون حسب قدرة ومكانته. وقال صلى الله عليه وسلم: “أنزلوا الناس منازلهم”

فكل يعامل على حسب دينه وعلمه وشرفه، ولا ينبغي أن يسوى بين الخادم والمخدوم، والرئيس والمرؤوس، فإنه يورث عداوة وحقدا في النفوس.

فإيفاء الناس حقوقهم: من تعظيم العلماء وإكرام ذي الشيبة، وإجلال الكبير، هو السلوك الحضاري القويم.

عن المحرر

شاهد أيضاً

أرذل العمر/ محمد الصالح الصديق

سألني أستاذ يعنى بالدراسات الإسلامية ويتعامل مع القرآن الكريم، وله فيه محاولات تعد بمستقبل باسِم …