الرئيسية | قضايا و آراء | كيف تلومها ولا تسمعها؟ وتعاتبها ولا تعرفها؟/ محمد مكركب

كيف تلومها ولا تسمعها؟ وتعاتبها ولا تعرفها؟/ محمد مكركب

كانت ولا تزال، وستبقى جمعية العلماء، في الجزائر، مجاهدة بالعلم، مرابطة بالعزم، مجاهرة بالحق، داعية بالصدق، تشق طريقها نحو مستقبل الأمة، ولا تخشى في الله لومة لائم، وإن أصابها ما يصيب دعوات الأنبياء والمصلحين من الصد، والعتاب، أو شيء من غفوات الأحباب، وغفلات الاستلاب. وهذا طريق العظماء في المؤسسات العظيمة، يجاهدون ويصلحون، وإن بخسهم الحاسدون أشياءهم، أو تغافل عنهم إخوانهم. وكم من معاتب كان يلوم الجمعية من بعيد، ويكيل لها النقد الشديد، فلما دعي إلى البصائر، لسان حال جمعية علماء  الجزائر، صار الجندي الفاعل في نهجها، لَمَّا علم عظيم دورها، وجلال مقاصدها، في خدمة الجزائر، والعالم الإنساني.

استوقفني أحد الأساتذة الجامعيين، وأنا خارج من مقر المركز الثقافي الإسلامي، بعد إلقاء محاضرة، في:[قيم الإسلام، وسلوك المؤمنين في شهر الصيام] قال: لو سمحت؟ قلت: تفضل. قال: أين جمعية العلماء مما يجري في العالم العربي؟ قلت: فيم؟ وعمَّ؟ قال: في إصلاح ذات البين. وعن العلاقات، وحصار الشعب الفلاني، والقضية كذا وكذا. قلت: لا شك أنك حضرت المحاضرة؟ قال: لا، قرأت الإعلان منذ يومين، ولكن هذا وصولي الآن، وكنت أتمنى الحضور؟ قلت: لو حضرت، وتساءلت عما يحيرك من المسائل، لسمعت الجواب العملي. وكان بالإمكان أن يكون البيان من خلال تساؤلك عبر المباشر. كما أعلنا ذلك من قبل عبر وسائل الإعلام. قال: فاتني ذلك؟ قلت: أتقرأ جريدة البصائر؟ قال: لا. قلت: هل اطلعت على صفحة الجمعية في شبكة التواصل؟ قال: لا. قلت هل قرأت كتابي:[سياسة الائتلاف لإقامة وحدة المسلمين] الطبعة الأولى.سنة:2010م، أو الطبعة الثانية، سنة :2014م؟ قال:لا. قلت: كيف تلومني ولا تسمعني؟ وتعاتبني ولا تعرفني؟ عيب على جزائري لا يعرف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وعيب عليه أن لا يطلع على لسان حالها، ثم يلومها دون أن يعلم رسالتها، ونشاطها.

والله تعالى قص علينا قصص الأولين، ليعلمنا قيمة العلم والعلماء، وكيف نجلس إلى العلماء ونستفتي العلماء، ونستشير العلماء. أنزل إلينا أخبارا وقصصا، وفي ذلك عبر، وعظات، ونصائح وتوجيهات، وحكم بالغات. قال الله تعالى:﴿وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾(النساء:83).

لقد وَجَدْتُ ذكر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين خارج الجزائر، في أوروبا، وأمريكا، والشعوب العربية أكثر، بينما قد تجد جزائريا يقول لك أين هي الجمعية؟ وصدق المثل الجزائري: [لَبْعَادْ حَجُّوا، وَالْقْرَابْ مَاشَفُوهْ].

من أسباب هلاك كثير من الأقوام، في الأزمنة الغابرة، أن الملأ منهم، يتشبثون بتقاليدهم، وعاداتهم على حساب العلم، والشرع، ويسمعون للمرجفين ويتبعونهم، ويعرضون عن العلماء الربانيين ويهجرونهم. وقبل الإعراض عن العلماء والفقهاء المصلحين، يكذبون الرسل والأنبياء. قلت: وللعبرة والاعتبار يقص علينا ربنا العزيز الغفار، كيف فعل كثير من المشركين، واليهود، والنصارى، في تكذيبهم وإعراضهم عن رسل الله. قال الله تعالى:﴿ وَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾(الزخرف:30/32)

من الأمراض التي تصيب أذهان بعض الغافلين أنهم يفضلون اتِّبَاعَ الأشخاص ويربطون مصيرهم بأكابرهم ومشايخهم وزعمائهم، في حين أن الأصل هو اتباع المبادئ، وأن الرجال يوزنون بالمبادئ والعلوم والقيم، وليس العكس. فلما جاء خاتم النبيين بالقرآن الكريم، وهو الحق المبين﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. من القريتين: أي من مكة والطائف، ويقصدون: الوليد ابن المغيرة المخزومي، من مكة. وعروة بن مسعود الثقفي، من الطائف. وكان المنطق والأصل، أنهم يستمعون القرآن، ويعتبرون بالمعجزات، فإذا علموا الحق اتبعوه، فالغاية في الرسالة، التي تصلهم بالْمُرْسِل الذي أرسل الرسالة، وأما الرسول فإنه المبلغ، ويطاع على هذا الأساس، فالذي يتحرك بالتعصب العاطفي، أو بالحساسية المذهبية، قد يفضل الحنظل من يد الضارب على وتر مذهبه، ويرفض العسل من يد من يقوده إلى شريعة ربه ﴿وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ﴾ أي: ولما جاءهم القرآن والرسول الصادق بما معه من المعجزات، قالوا: إن ما جاءنا به سحر، وليس بوحي من عند الله، وإنا به جاحدون، فضموا إلى شركهم معاندة الحق والاستخفاف به. وكان الأنفع لهم أنهم لما علموا الحق أن يتبعوه، من أي كان، ولكن الجاهلين يرفضون الخير عنصرية، وحمية، وذلك مبلغهم من العلم. تقول لأحدهم: هذه جمعية العلماء، والعمل في إطارها توحيد واتحاد لعلماء الأمة، ومن ثم وحدة الأمة. فيقول: لولا فلان فيها لكنت معها. لأنه من التيار الفلاني؟

قلت إن ربنا عز وجل يقص علينا خبر الأولين لنتعظ، ونستيقظ من الغفلة، ونتبع الحق، بمفاتيح العلم والحكمة. ونحن في الجزائر، فتح الله علينا بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فيكون الالتفاف حولها نعمة من نعم الله علينا. وكم هي النعم التي ساقها الله عز وجل لأقوام رحمة بهم، فأعرضوا عنها، وانزلقوا في متاهات الصراع، فكان مصيرهم الضياع ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾  (النور:54). أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقول للناس جميعا: أطيعوا الله حقا لا رياء، واعملوا بما أبلغم من رسالات ربي، فإن أبيتم، وكذبتم، فإنما الواجب علىّ التبليغ، والبيان، وعليكم السمع والطاعة بالعدل والإحسان، فإن أطعتموني اهتديتم، وإن توليتم فقد فعلت ما كلفت به، وعلى الله الحساب والجزاء.

ونحن في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، نبلغ، وندعو إلى واجب اجتماع واتحاد علماء الجزائر في هذه المؤسسة العلمائية  لعلماء الجزائر، التي شهد لها التاريخ، والشرع، والواقع، بأنها المرجعية العلمية، والفكرية، والفقهية، للشعب الجزائري، ليكون علماء الجزائر قدوة، وعونا لكل إخوانهم العلماء في العالم الإسلامي، فإن دام السهو عن هذا الواجب المقدس، فنقول: اللهم اشهد فإننا قد بلغنا منذ (1996م) وإنْ فَضَّلَ من يلومني ولا يسمعني، أن يظل بعيدا مفارقا، ويكتفي باللوم والنقد والعتاب، فنتركه إلى حين تكون الكلمة لمشهد الحقيقة. كما كان مشهد الأيام الأخيرة في الأندلس، عندما بكى بكاء الثكالى، أولئك الذين لم يسمعوا نداء العلماء، عندما بكى أولئك الذين فضلوا التفرق في عنصريات الطوائف، حتى جرفتهم المجارف، وتشبثوا بزعامات الممالك، حتى طحنتهم المعارك، وظل كثير من العلماء يجتهدون فرادى بعيدين عن إخوانهم، حتى كان الذي كان، فخذلوا أنفسهم وخذلوا إخوانهم.

فمن خصوصية الدعوة الإسلامية، الشمول، والوضوح، والعموم، والإلزام بالوحدة والاتحاد. فكيف يرضى من هم القدوة في الدعوة، بتكريس دوام الفرقة؟ قال الله تعالى:﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾. ومن معاني الآية: ولا تكونوا أيها المؤمنون، وخاصة أنتم أيها العلماء الدعاة، لا تكونوا كأهل الكتاب من اليهود والنصارى، الذين تفرقوا في الدين وكانوا شيعا، تذهب كل شيعة منها مذهبا، وطريقة، يخالف الآخر، وينتهج منهجا غيره، ولذلك تعادوا، وتنازعوا، واقتتلوا. ولو كان فيهم أمة تجمعهم، وتوحدهم، وتقودهم. تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتتجه إلى غاية واحدة، لما تفرقوا ولا اختلفوا فيه، ولما تعددت مذاهبهم في أصوله وفروعه، وما قاتل بعضهم بعضا، فلا تكونوا أنتم أيها المؤمنون، مثلهم فيحل بكم ما حل بهم.

هل هو صعب على العلماء الدعاة في الجزائر ـ في مختلف المنابر الدعوية ـ أن يجتمعوا؟ كم هو جميل عندما يدعو العبد إلى الخير، وكم هو أجمل عندما يتعاون مع أهل الخير. كم هو جميل عندما يقول العالم كلمة الحق، وكم هو أجمل عندما يقولها في جماعة مع أهل الحق. كم هو جميل عندما يكون هَمُّ المثقف أن ينشئ جمعية للعلم والتربية والثقافة ليخدم بلده، وكم هو أجمل، وأعقل، عندما يقوي ويعظم جمعية أُمًّا، أصيلة في الدين، والدعوة، والتاريخ، والحاضر، والمستقبل. فتزداد قُوَّةُ الأمة وعَظَمَتُها، بجمع قوة علمائها في جمعيتها ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.

اللهم اجمع كلمة العلماء المسلمين، على نهج خاتم النبيين. آمين. والحمد لله رب العالمين.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

من معاني العيد في فكر الإمام محمد البشير الإبراهيمي/ د. إبراهيم نويري

يُعدُّ الشيخ محمد البشير الإبراهيمي رحمه الله تعالى من أبرز أدباء الجزائر وعلمائها وخطبائها ومصلحيها …