الرئيسية | المرأة و الأسرة | التربية السليمة هي الحل/ أمال السائحي

التربية السليمة هي الحل/ أمال السائحي

لقد حرصت الشريعة الإسلامية السمحاء على تربية النشء، واهتمّت ببناء شخصية الأطفال بناء سليماً؛ محصّنة إيّاهم من أشكال الانحراف وأنواع العقد السلوكيّة، وشتّى الأمراض النفسيّة الخطيرة، والعادات السيئة القبيحة، وكل ما هو مضر لهم ومضر لغيرهم..

وعلى أساس من مبادئها، وقيمها الصالحة، فإنّ بناء شخصيّة الطفل في الإسلام، ماهو في الحقيقة إلاّ عمليّة بناء للمجتمع أخلاقيا بالدرجة الأولى، وتمهيدا لإقامة حياة لها قوانين حضارية، وفقاً للمبادئ الإسلاميّة وتحقيقاً لسعادة الإنسان، وتحصيناً لمقوّمات المجتمع، وحفظاً لسلامة البشرية وخيرها.

لكننا فيما نراه ونلمسه من سلوكنا اليوم، نعجب لمخالفته لانتمائنا الحضاري والديني، وذلك يعود إلى أننا نجد أنفسنا خارج هذا الإطار تماما، لا من الناحية الأخلاقية، ولا من الناحية التنظيمية، ولا من الناحية الحضارية، وذلك في كل علاقاتنا، سواء أكانت أسرية تبدأ من الزوج والزوجة، أو الأسرة بمفهومها الشامل، في حين أننا لو لجأنا إلى القرآن والسنة، واستلهمنا سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في معالجة المشاكل الزوجية، والتربية الأسرية ككل لزال ذلك التناقض وحل محله التوافق والانسجام بين سلوكنا ومعاملاتنا مع ما يقتضيه انتماءنا الحضاري والديني.

فالعلاقة الزوجية أولا بين الرجل والمرأة ليست بالحرب السجال التي ليس لها أول من آخر… علاقة يفترض فيها أن تتأسس على التكامل الذي ينبغي أن يفضي للتعاون، غير أنه يشترط وجود مودة ورحمة تمكن للألفة التي تجعله ممكنا، وهذا يعني ضرورة توفر عناصر أربعة ولعل أهمها: الأمن النفسي للمرأة والثقة والتقدير للرجل، ثانيها: هو وجود طريقة آمنة للتحاور ولإخراج المشاعر، وكذلك للتعبير عن الغضب، أما إن اختفت أو تزعزعت تلك المقومات فإن الخلاف الأسري سيظهر، وكذلك مع فقدان الوعي الإسلامي في هذه العلاقة وارتفاع الضغوط النفسية والاقتصادية والاجتماعية ستفاقم الخلافات الزوجية يوماً بعد يوم، وهنا قد يصاحبه مع الأسف استخدام العنف، والذي هو أمر غير مستحب في ديننا الإسلامي، فقد ورد عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:”ولا يضرب خياركم” أي إن الأخيار من أمة محمد لا يستخدمون الضرب، وخاصة المبرح منه في حل خلافاتهم الزوجية، إن أغلب الدراسات تؤكد أن الرجل الذي يستخدم الضرب والمرأة التي تستسلم لعملية العنف ضدها من زوجها، فإنها عايشت علاقة أسرية في محيط أسرتها أو أسرته، كان الضرب هو لغة الحوار بين أبويها، على سبيل المثال أو أحد أفراد أسرهم، ومن هنا نقول إن عملية التنشئة تلعب الدور الأكبر في سبب حدوث العنف الأسري.

ومن الأسباب الأخرى للعنف الأسري، طريقة التربية التي تربى الفرد عليها، فالزوج الذي كان أهله عنيفين معه، عند احتدام الخلاف معه، نجده يسقط ذلك على زوجته، وكذلك الزوجة التي كانت لغة الصراخ والسب والشتائم في أسرتها هي المهيمنة، نجدها تثير الزوج، الأمر الذي قد يدفعه إلى استخدام الضرب لتأكيد سلطته، إذن نستطيع أن نقول أن الأجواء الفكرية والنفسية والعاطفية، التي ينشأ في إطارها هذا الإنسان ذكرا كان أم أنثى، هي التي تؤثر في الأسلوب الذي يعتمده للتكيف مع نفسه وأسرته ومجتمعه، وهي التي تحدد له الخطوط الحمراء التي لا يجب أن يصل إليها مهما كان …

فإذن رجل اليوم هو نتاج تلك التربية الخاطئة، تلك التربية القاسية التي بلورته، ودفعته إلى أن يكون هو السيد صاحب الأخلاق العنيفة الشديدة  … وكذلك بالنسبة للمرأة فهي منذ وعت إلا وهي تسمع تنبيهات من قبيل إنه رجل وأنت امرأة، وليس لك أن تناقشيه ولو بالحسنى، وله أن يتصرف كما يحلو له، فإن كان جيد المزاج فلها أن تحمد الله وإن كان غير ذلك ستتضخم المشاكل التي لن يكون لها من حل سوى العنف الذي  يقابله العنف من الطرف الآخر…وهذه الظاهرة التي من الممكن أن نسميها بالتربية غير الأخلاقية، أو التربية التي لا على منهج العدل والتساوي والأخوة …

فإذن اليوم لا نستطيع أن نواجه العنف الأسري الموجه ضد المرأة والطفل بالقانون وحده فحسب، خاصة إذا اعتبرنا رفع المشاكل الأسرية إلى القضاء قد يترتب عليه تفكك الأسرة وذلك يفاقم من ظاهرة الطلاق، ويزيد من ظاهرة تشرد الأطفال، كما أن ذلك قد يعزز من ظاهرة العزوف عن الزواج لدى الرجال، بسبب التخوف من العقوبات التي تطالهم إذا ما اضطروا إلى تعنيف زوجاتهم لفظيا أو ماديا.

بإمكاننا أن نقول أنه لا يوجد أفضل من إعادة النظر في التربية المعتمدة التي أخرجت لنا هذه النماذج البشرية، التي تغلب أسلوب العنف على سواه من الأساليب في تعاملاتها مع الآخر، واستبدالها بتربية تقوم على المنهج الإسلامي، فهو منهج رباني من قبل الله تعالى المهيمن على الحياة بأسرها، المحيط بكل دقائق الأمور، وتعقيدات الحياة، وهو منسجم مع الفطرة الإنسانية، وإلى جانب هذا وذاك، فإنه يلقى القَبول من طرف الأسرة المسلمة ولا تعترض عليه، فضلا عن أن هذا المنهج وضع قواعد كلية في التعامل والعلاقات والأدوار والسلوك، فقط لابد أن تكون هناك توعية تحسيسية، من طرف المسجد والجمعيات ودور الكشافة، وكل هيئة رسمية، ممكن أن تخدم هذه الشريحة بالتوعية الحقّة، والتي تكون مستنبطة من القرآن والسنة المطهرة، لتعيها النفوس المريضة فتَبلى من مرضها وتصح وتتحسن معاملاتها داخل الأسرة وخارجها، ذلك هو الحل الأنسب للحفاظ على وحدة الأسرة وتماسكها وهو السبيل الأمثل لحماية مجتمعنا من التفكك والتفسخ والانهيار لا قدر الله… وهو على أية حال أقل ضررا من أحكام قانونية تؤلب المرأة الزوجة على الرجل الزوج، والأبناء على الآباء، وذاك لعمري لن تكون نتيجته تقويض لأركان المجتمع ذاته وهو أمر يرفضه العقل السليم، ويأباه كل الإباء المنطق القويم…

عن المحرر

شاهد أيضاً

تاريخنا وغفلة أبنائنا/ أمال السائحي

إن التاريخ يتميز كما يتميز الجسد بذاكرته، وذاكرة التاريخ هي أسطورة شعوب بأكملها، ولذا قد …