الرئيسية | على بصيرة | وداعاً… يا أهرام مصر!/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

وداعاً… يا أهرام مصر!/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

عجبت لقاهرة المعز لدين الله الفاطمي، هذه المدينة الصخّابة، الخلاّبة، التي تفتح شوارعها –هذه الأيام- على ردح “المامبو السوداني”، وترقص جماهيرها على أنغام “الطمطام” السنغالي، والبينيني والغاني!

عجبا لمصر الكنانة، هذه البلدة العريقة في الإبانة عن الحضارة الفرعونية الإنسانية، والقيم العربية الإسلامية التي تعلو عن كل مظاهر الإذلال والإهانة، عجبت لها إذ تتفاعل مع كل هذا النغم النشاز، وتغلق شبابيك ونوافذ أكواخها وسجونها على الملايين من المعذبين، الذين لا يجدون رغيف العيش، ولا رائحة القرش، ومع ذلك يحلو للجميع هذا العبث من الطيش.

وإن تعجب فاعجب لمصر وعاصمتها القاهرة، إذ ترضى في ملاعبها، بجو الفرح والحبور، وتهوى اللهو واللعب، في حين تذيق أحرارها أنواع الإذلال والكرب.

هذه هي المدينة التي فتحنا آذاننا على ترانيم أذان جوامعها، وعلى أجراس ساعة جامعتها، ها هي تتمرد على تقاليدها، وتكفر بتعاويذها، وتقتل –بالسم البطيء- رموز حرية صمودها، ونهوضها وصعودها.

ففي مصر اليوم تدور حرب ضروس بين عبدة الشيطان، ونخاسي التعيس والمنحوس، وأباة الضيم، والذل، وإذلال العقول والنفوس. إن حالة مصر شبيهة بحالة البحر، كما يقول إيليا أبو ماضي، تتراقص الأمواج على سطحه، وفي عمقه حرب بين القوي والضعيف، أو على حد تعبير حافظ إبراهيم:

أنا لولا أن لي من أمتي*خاذلا ما بتّ أشكو النوبا

أمة قد فتّ في ساعدها  * بغضها الأهل وحب الغربا

وهي والأحداث تستهدفها * تعشق اللهو وتهوى الطربا

لهف نفسي على عصر العمالقة في مصر، حين كان العالم الأزهري نموذجا يحتذى في كل أنحاء العالم الإسلامي، وحين كان الأستاذ الجامعي مثلا يقتدى، في البحث العلمي العربي، وكانت مصر –يومها- تحمل مشعل الزعامة في التحرر والتحرير من ربقة التبعية، والاتباعية، فساهمت في تخفيف وطأة الشعوب المقهورة، والكشف عن نضال المقاومة المغمورة، والأعداد المغدورة، تحت راية الجيش المصري المنصورة.

ويخطئ من يعتقد بأن مصر، هي بلد الإخوان المسلمين، وإن كانوا جزء أساسيا من مكونات شعبها. كما يخطئ من يدعي أن مصر فرعونية تدير ظهرها للعرب والمسلمين، وإن كنا نعتقد أن الفرعونية أصل من أصول مصر العريقة.

وما كانت مصر قبطية كاثوليكية تكفر بكل ما هو حضارة إسلامية، وإن كنا نعترف للأقباط الكاثوليكيين بحق الهوية الحضارية العقدية.

إن مصر هي تلك الرقعة لكل هذه الطوائف، ومن حق كل الفئات المتساكنة فيها أن تتعايش في ظل الألفة الوطنية التي لا انفصام لها، وفي نطاق التعايش الحضاري الذي لا يضيق بأي عرق، أو جنس، أو دين، فمصر كما وصفها القرآن، وكما يجب أن تكون فيها كل ما يطلبه الإنسان من خير ومن أمن:{اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ }[سورة البقرة، الآية 61]، {ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ}[سورة يوسف، الآية 99].

إن نقطة الضعف فيما يحدث في مصر اليوم، هو سطو فئة أوليغارشية على الأغلبية الجماهيرية، وحرمانها من خيرات بلادها، ومنعها من أبسط حقوقها الإنسانية في الحياة من عيش كريم، وتصرف مستقيم، والحق في التنظيم، والحفاظ على استقلال الوطن من كل نفوذ أو تدخل غشيم.

ما تحتاج إليه مصر اليوم، هو أن تستعيد مكانتها الريادية في الوطن العربي، والإسلامي، وفي أفريقيا، كي تصبح كلمتها مطاعة، وسياستها مستساغة، ودبلوماسيتها جذابة ولماعة، وبذلك يستعيد المواطن المصري حقه المسلوب في الوجود، ويسترجع الجنيه المصري مكانه المعهود، بعد أن طحنه اليورو و”طحّنه” الدولار، فأبعده عن المستوى المنشود، وبريقه الموعود.

عار على مصر أن تكدس فيها عشرات الآلاف من المساجين، داخل الزنزانات دون مراعاة لأبسط الحقوق البشرية؟ ولعنة ستظل تلاحق نظام مصر طالما عشرات الآلاف من المصريين مشردون عبر العالم، محرومون من عبق وطنهم ولا ذنب لهم إلا أن يقولوا ربنا الله.

فيا حكام مصر، ويا علماءها، ويا مثقفيها، ويا فنانيها، وساسة مجدها، ألا لا يسجلن التاريخ عليكم أنكم نكثتم عهد مصر، وخنتم أمانة أبنائها، فمصر تتسع لجميع المخلصين من أبنائها، بشرط التضحية بالمصالح الذاتية والخاصة، من أجل المصلحة الوطنية العليا.

فما الذي يصير بمصر أن تقتفي آثار شقيقتها الجزائر في المصالحة بين الفرقاء، وجمع المختلفين الأعداء.

لقد تصالحت الدولة الجزائرية مع المنشقين عنها ممن حملوا السلاح ضدها، ومن رفعوا لواء المقاومة السياسية، وحتى العسكرية ضدها، ولكنهم عندما ماتوا حظوا بكل إكبار وإجلال، وتقدير، لأن الوطن يجب أن يبقى عاليا، وغاليا، وغفورا رحيما.

مات الزعيم آيت أحمد في المنفى، وكان معارضا، ومات الزعيم عباسي مدني في المنفى، وكان معارضا، وغيرهما، فحظيا بكل معاني التقدير، والتبجيل، بعد موتهما، فلماذا لا تفتح مصر، صفحة جديدة مع أبنائها المخالفين لها، وهم كثر، فتبدأ صفحة جديدة في تاريخ مصر، يكون فيها الحق لكل مواطن في التمتع بحقوقه كاملة غير منقوصة، وتطوى بذلك صفحة من الأحقاد، والضغائن، ويأخذ كل ذي حق حقه؟

إن الطريق واضح، وجليّ إلا لمن أبى، فمن أراد لمصر الخير، والأمن، والاستقلال من التبعية، فسنابل الإخاء هي ضمان الأمن والبناء، وكم يحتاج الوطن المصري إلى مثل هذه السنابل؟

أما غير هذا من سياسة القمع، والتنكيل، ونكران حق الآخر، فإن ذلك معناه اقتلاع أصول الوجود الحضاري المصري، واعتداء على القامات الهرمية الأصيلة، نقول والأسى يملأ قلوبنا: وداعا يا أهرام مصر، وداعا لا قيامة بعده!

عن المحرر

شاهد أيضاً

هذا…. أو السودان….!/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

الشعوب كالمعادن، لابد لها من حرارة المحن، وحراك الدِّمن، وعراك السنن، للكشف عن محتوى جوهرها، …