الرئيسية | حديث في السياسة | لهذا مات الرئيس محمد مرسي !!/ أ. التهامي مجوري

لهذا مات الرئيس محمد مرسي !!/ أ. التهامي مجوري

الرئيس المصري الدكتور محمد مرسي، هو الرئيس الوحيد المنتخب انتخابا شفافا ونزيها في تاريخ مصر، وهو سواء اتفقنا معه ومع توجهاته أو اختلفا، هو مرشح شريحة من الشعب، ومنتخب منها ومن غيرها، فهو بالنهاية فاز برئاسة مصر وفق قوانين مصر ومقرراتها الدستورية، ولكنه لم يمارس هذا الحق الذي منحه له الشعب إلا سنة واحدة في جو مشحون بالصراعات والأحقاد وتبادل التهم والمواقف والمواقف المضادة، التي أفضت في النهاية إلى الانقلاب عليه وهو رئيس منتخب، وإيداعه السجن لمدة فاقت الست سنوات، في عزلة تامة عن العالم، محروم من كل شيء تفضل به الله عليه، وعلى رأس هذه الأشياء، الحرية التي اعتبرها الأستاذ الإمام عبد الحميد ابن باديس رحمه الله هي الحياة، بحيث يفقد الإنسان من حياته بقدر ما يفقد من حريته.

مات مرسي في السجن في جلسة للمحاكمة، وتضاربت الآراء في سبب موته، منهم من يتهم السلطة بتدبير قتله.. ومنهم من قال إنه انفعل أثناء المحاكم من شدة الشعور بالظلم أو بمصطلحنا الجزائري “الحقرة”، فأصيب بنوبة قلبية، وهو مصاب بأمراض ومحروم من تناول الأدوية ومن الرعاية الصحية التي يكفلها القانون للسجين عموما، والسجين السياسي من باب أولى.

ولكن السلطة السياسية في النظام المصري تتعامل مع الرئيس محمد مرسي كعضو في جماعة الإخوان المسلمين، وليس كرئيس لجمهورية مصر العربية انتخبه الشعب، في حين أن السلطة كان ينبغي أن تتعامل مع ملف اسمه ملف مواطن مصري، ثم إن هذا المواطن له خصوصية رئيس دولة… هل فُعِل بمبارك ما فعل بمرسي؟

لماذا يفعلون بمرسي هذا الذي يفعلون؟ وما الجرم الذي ارتكبه حتى يكون مصيره الموت في السجن متحسرا “ميت بالقنطة” كما يقول عامتنا في الجزائر؟ لأي سبب مات مرسي بهذه الطريقة؟ ولماذا الإصرار على إهانته بهذا الشكل المخزي؟

كان يمكن أن يطلق صراح الرجل بعد “نجاح الانقلابيين في انقلابهم”، مباشرة كما فعلت السلطة العميقة مع مبارك الذي أطلق سراحه بعد استتباب الأمر إليها وضمان القضاء على الانتفاضة الشعبية.. ولكنهم لم يفعلوا؛ لأن مشكلة مرسي أنه صاحب مشروع، مهما قلنا عنه وعن ضعفه وبساطته بل وشذاجته، هو مشروع منافس لصاحب القرار في العالم !!

إن الرئيس محمد مرسي يفكر في تحرير فلسطين، ولم يخف ذلك بل قال ما يرعب العالم “لن نتخلى عن غزة”؛ لأن غزة هي الحلقة الصعبة في المسألة، حيث لم تخضع ولم تلين لمقررات الغرب والخيارات الأمريكية واليهودية والمتصهينين العرب.

وقول مرسي “لن نتخلى عن غزة” يعني أنه يعلن عن فك الارتباط والتحرر من كل الالتزامات التي أجبرت عليها مصر في ظل نظامها السابق، وإعلان الحرب على كل من يريد الضغط على غزة، ومن هؤلاء السلطة والولايات المتحدة الأمريكية واليهود والمتصهينين العرب.

إن القضية الفلسطينية اليوم لا سند لها في العالم إلا الجزائر التي لا يسعفها بعد المسافة على التأثير المباشر، ومصر التي هي على الحدود لا يسمح بأن يكون على رأس سلطتها التنفيذية من يفكر في تحرير فلسطين، فضلا عن العمل على تحريرها.

وأمر آخر لمح إليه مرسي في تصريحاته وفي مجمل أنشطته، لا يقل خطورة على الغرب من موقفه من القضية الفلسطينية وتفاعله معها، وهو تحريض الأمة على الاهتمام بأبنائها “لا تقتلوا أسود بلادكم فتأكلكم كلاب أعدائكم”، وكذلك مشروع النهضة التي عزم مرسي على إطلاقه متحديا تكالب الأعداء ولأزمة الفقر التي استبدت بالشعب المصري منذ عقود…، منذ أن كان عدده قليل من العشرات إلى أن قارب تعداده المائة مليون !!

والاهتمام بالرجال وإنزالهم منازلهم التي تليق بهم، والعزم على شق الطريق في التنمية اعتمادا على القدرات الذاتية، هو أولى خطوات التفلت المفضية إلى التحرر الحقيقي من الهيمنة الغربية التي تريد أن تبقى هي القوة الوحيدة التي تنتج أما باقي العالم فلا يحق له إلا أن يبقى مستهلكا.. إن حرية شخص في العالم وتخلصه من التبعية يكلف الغرب بطلان مشاريعه كلها.

لهذا تم الانقلاب على الرئيس محمد مرسي… ولهذا مات بتلك الصورة..

صحيح أن الأقدار بيد الله، حيث أن المرء إذا حضر أجله، لا يتقدم ولا يتأخر عن ساعته.. ولكن لو كان في النظام المصري شيء من الحياء والحشمة والإنسانية، لكان الرجل –وهو سجين- في وضع غير الذي كان عليه في السجن وكأنه مجرم حرب أو من مجرمي بارونات القتل والنهب والمخدرات…، لما كان على الوضع قابل به الناس في المحكمة، في اليوم الذي ودع فيه هذه الدنيا.

إنا لله وإنا إليه راجعون.. رحم الله محمد مرسي وجميع أحرار العالم، وألحقهم بالصالحين من أقوامهم,.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحكمة في الجدل السياسي/ التهامي مجوري

  الحكمة هي وضع الشيء في محله، قولا كان أو فعلا أو موقفا أو رأيا، …