الرئيسية | قضايا و آراء | ليس دفاعا عن الإخوان/أ. د. أحمد محمود عيساوي

ليس دفاعا عن الإخوان/أ. د. أحمد محمود عيساوي

شاءت إرادة الله تعالى أن تُلقي أسرتي عصا الترحال في بلاد الشام سنوات 1970-1975م بدمشق العامرة بالعلم والعلماء والمساجد والمدارس والكتب والمكتبات ودور الثقافة والأدب..، كما كان من أقدار الله تعالى أن تكون أول فريضة صلاة أؤديها في بداية حياتي البريئة وأنا في سن الثالثة عشرة من عمري على يد أستاذي ومعلمي في المرحلة الابتدائية (منذر) في مدرسة التربية والتعليم الخاصة بدمشق شهر ماي 1970م، وكان هذا المعلم قمة في الأدب والأخلاق والرقة والسمو والحنو والعطف والعلم والدين والخلق والشجاعة أيضا.. وكنا نحس يومها أننا بمثابة إخوته الصغار، فنشتاق لحصته التي يروي لنا –بعد نهاية الدروس- فيها ذكريات هزيمة الـ 06/من حزيران جوان المشؤوم/1967م عندما كان جنديا يؤدي واجب الخدمة الوطنية على جبهة الجولان، عندما أعلن وزير الدفاع يومها (حافظ أسد ت 2000م) سقوط القنيطرة وهضبة الجولان، وغيرها من الآلام والمآسي التي عانى منها خلال انسحاب فلول الجيش السوري المغدور.. وغيرها من البطولات والآلام.. وانقضى العام ونجحنا، ولما كنا ندرس في مدرسة دينية خاصة، فقد واصلنا الدراسة معظم فصل الصيف وفق نظام المدرسة الشرعي الديني والدنيوي المتكامل.. ولما دخل العام الدراسي 1970-1971م طلبنا أن يكون هو مدرسنا فرفضت إدارة المدرسة طلبنا متعذرة بأن أساتذة الشهادة الابتدائية أكثر خبرة ومكانة، فعدنا باكين نحو أستاذنا لنخبره الخبر السيء، فما كان منه إلاّ أن أخبرنا بضرورة الالتحاق به كل يوم في جامع (الحيواطية) المعمور بحي المجتهد بين صلاتي المغرب والعشاء ليدرسنا هناك رفقة نخبة من المعلمين المتطوعين العلوم الدينية والدنيوية أيضا، ولم نكن نسمع يومها عبارة أو مصطلح (الإخوان المسلمين)، إلاّ بعد سنتين (1972م) ويوم أن رسخت أقدامنا في حِلق العلم الشرعي والذكر عند خيرة مشايخ وعلماء الشام (حسن مرزوق حبنكة الميداني 1908-1978م) و (محمد سعيد رمضان البوطي 1929-2013م) و (عبد الحميد ياسين) و (أبو عادل شميس) و (محمد عوض ت 2015م) و (سارية) و (أسامة الرفاعي) و(علي أبو بكر) و (درويش النقاش) و (بشير الرز) و(محمد نذير البصري الجزائري).. حيث كان معلمنا يصطحبنا لتلك الحلقات، ولا يقال لنا أي شيء عن تنظيم (الإخوان المسلمين)، وكل وظيفتنا هي طلب العلم الشرعي والارتباط بالعلماء الأفاضل وأخذ العلم الشرعي وإحياء المناسبات الدينية والموالد، حتى جاءت فرصة إعادة كتابة دستور سورية سنة 1972م ووضع فيه الرئيس الراحل حافظ أسد مادة لم يتعين فيها دين رئيس الجمهورية الإسلام، فهب العلماء ومن خلفهم تلامذتهم للوقوف في وجه الطغيان والجبروت العلوي الدكتاتوري، ويومها سمعنا مصطلح (الإخوان المسلمين) لأول مرة في حياتنا، وعلمنا من خلال ما يدور ويُكتب في الصحف بأن العلماء الذين ندرس عندهم في المساجد هم من تنظيم (الإخوان المسلمين)، وأننا نحن شباب الإخوان المسلمين وإن كنا لا نملك بطاقة ولسنا أعضاء في التنظيم، ومع كل هذا فقد سررنا وسعدنا أننا نحن أولئك الشباب المتدين والواعي والحصيف والطليعي في أمته.

وعانى العلماء يومها من التعذيب والضغط والاعتقال، وزرناهم مؤازرين ومبايعين، وما زلت أذكر كيف دخلت منزل الشيخ (حسن حبنكة الميداني) يرحمه الله في حي الميدان العريق بجنوب دمشق وقبلتا يده أنا وأخي (مصطفى حي 1440هـ) ضمن مجموعة من الشباب المسلم، وصار أهلنا يخوفوننا من ارتياد حلقات المساجد والحضور إلى ركاب العلماء، ولكننا أغلقنا آذاننا وواصلنا طريق العلم والذكر والأدب والتخلق.. على تلك الموائد العلمية والأدبية واللغوية والفكرية النادرة.

وأُشهد الله أنني الآن وقد تجاوزت الستين من العمر أن تلك الجماعة التي تربينا في ركابها وعلى موائدها وأخلاقها وآدابها وحلقاتها ورحلاتها ولقاءاتها.. أنهم كانوا مثالا يُقتدى في كل خلق نبيل، وأنموذجا يُحتذى في كل سلوك إسلامي عظيم، فما من محتاج إلاّ وأعانوه، وما من فقير فينا إلاّ وساعدوه، وما من صاحب حاجة إلاّ وأخذوا بيده، وما من حاجة كانت لنا فيها رغبة أو شهوة إلاّ هذبوها فينا وصقلوها.. فعلى أيديهم أخذنا علوم اللغة والمعاجم ومحاسنها وأضدادها وأشعارها وأمثالها وحكمها، وعلى أيديهم حفظنا الدواوين الشعرية بداءً من المعلقات وانتهاء بأشعار شوقي وحافظ إبراهيم ومحمود سامي البارودي.. وعلى أيديهم وفي حلقهم تعلمنا علوم الشريعة والفقه الشافعي والحنفي والتاريخ والسياسة، والمطالعة التي صارت غذاءنا اليومي، وعلى أيديهم عرفنا بيوت الله والمكتبات والتراث والمخطوطات، وقرأنا كل ما لا يستطيع هذا الجيل أن يتخيله ولا يتخيله، فقد كنا نقرأ الكتب الكثيرة في فصل الصيف، وعلى أيديهم اندفعنا للعمل في ورشات البناء ونحن في سن الخامسة عشرة، لأن الرجل هو الذي يعمل ويكسب قوته من كد يده، وهو الذي يعين أسرته، والذي يأخذ بيد إخوته للفضيلة..

وعلى أيديهم صرنا رجالا ونحن مازلنا في شرخ الشباب.. وعلى أيديهم صرنا ناجحين في الدراسة والعمل والعبادة، وعلى أيديهم تدرجنا في سلم الرجولة والمسؤولية الأخلاقية.. وعلى أيديهم تعلمنا كيف نسترخص الحياة في سبيل مبادىء الإسلام وعزة المسلم وكرامته.. وعلى أيديهم صرنا شبابا محوريين في أحيائنا..

وتدرجت بنا الأقدار ليُسلمنا الله إلى المرحلة الجامعية في جامعة عنابة سنوات 1977-1981م بعد عودتنا إلى أرض الوطن، حيث كان أساتذتنا المصريين والسوريين والعراقيين من هذه الجماعة الطيبة، ففتحوا لنا نافذة أكثر عمقا وتجذرا من خلال دراستنا للحركة الدينية والأدبية العربية الحديثة، فمعهم عرفنا الشهيد (حسن البنا ت 1949م) ومنهجه الدعوي والإصلاحي الهادىء والسلمي، ثم أتباعه (حسن الهضيبي- سيد قطب، محمد قطب، عبد القادر عودة، عمر التلمساني..). ومعهم بدأنا نقرأ ونتفتح على تجربة الإخوان، فالفضل يعود لتلك الحركة في التأليف وطباعة الكتب ونشر الوعي وبث الفكر الإسلامي النيّر.. ومعهم عرفنا سوءات ومظالم ومخازي الأنظمة الثورية العربية الاشتراكية.. ومعهم عرفنا مخازي حكامنا، ومعهم تدرجنا في سلم الوعي والفكر والروح والخلق.. ومعهم انفتحت السبل للتمييز بين الحق والباطل.. ومعهم اكتشفنا زيف النظام الجزائري الذي كان يُعد أمثال (لويزة حنون) للمستقبل، واكتشفنا زيف الاشتراكية والثورة الزراعية والصناعية والثقافية.. وعلى أيديهم اكتشفنا زيف (الثورة الإسلامية الإيرانية سنة 1979م)، وعلى أيديهم عرفنا زيف وفساد التيارات الدينية المشبوهة..

ومعهم بدأت حركة التأليف والكتابة والتصنيف والتحقيق، ومعهم عرفنا الوعي الحقيقي من المزيف.. ومعهم تعلمنا الكرامة والصبر والعزة.. فيوم أن تعرضنا للسجن سنتي 1981-1982م كنا فخورين بسجننا، ولم نتأثر طيلة وجودنا فيه، لأننا كنا نعتبره فسحة دعوية ودينية ارتضاها الله لنا لنتعلم ونتأدب ونتخلق فيها.

وأشهد الله تعالى أنهم كانوا مثالا في الأخلاق والتربية والتواضع والعلم والتحفظ.. حيث كانوا يرشدوننا للخير وللعلم فقط، لأنهم كانوا لا يرون من سبيل للنهضة والتقدم والكرامة.. إلاّ بالعلم والفقه والوعي الشامل.. فما عرفناهم غير خلوقين مسالمين موادعين.. لا يحبون الخلاف ولا الفرقة ولا الفتنة.. كما هي عليه باقي الفرق والجماعات الإسلامية.

ثم جاءت مرحلة الدراسات الجامعية العليا في جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية سنوات 1987-1992م ووجدنا هناك الحشد الكبير من خيرة أساتذة العالم الإسلامي وعلى رأسهم مشايخنا المصريين والفلسطينيين والسوريين والعراقيين والتونسيين.. الذين جلبهم معه الشيخ محمد الغزالي ت 1996م، والذين كان فهمهم ودرسهم وعلمهم يسير في فلك الهدي والإرشاد الإخواني المتفتح، لأن جماعة (الإخوان المسلمين) هم الذين ملأوا الساحة العلمية الفكرية والأدبية والثقافية والدعوية والإعلامية والتجديدية والاجتهادية.. ثم السياسية والاجتماعية.. قبل أن تظهر حركة الطباعة في الكثير من البلاد العربية، فمعهم عرفنا نظرية الأدب الإسلامي وأدباء هذا التيار (هاشم الرفاعي، نجيب الكيلاني).. ومعهم عرفنا روائع الدعوة وطرقها ومناهجها.. إذ لم يكن في الساحة غير أسمائهم (أمين جمعة عبد العزيز، حسن الهضيبي، توفيق أحمد الشاوي، فتحي يكن، مصطفى السباعي، سعيد حوى..).

ومعهم عرف العالم الإسلام السياسي، الذي يريده أعداء الداخل والخارج أن يبقى حبيس المساجد والدعوات السلفية والصوفية والارتزاقية فقط، ومعهم عرفنا فن القيادة، وفن التوجيه، وفن الدعوة، وفن السياسة.. فهل ينكر فضلهم إلاّ جاحد أو عدو؟

وما ذنبهم الذي اقترفوه، إلاّ أنهم قبلوا باللعبة السياسية الديمقراطية الانتخابية التي ظل يدعو لها الغرب المسيحي اليهودي الكاذب، وانخرطوا فيها، ونجحوا فيها، فأي ذنب اقترفوه حتى يعاملوا بهذه المعاملة المهينة؟ أهذا مصير من يقبل بما يفرزه الصندوق أيها الغرب المحتال الكاذب؟ أهذا هو مصير من ينزل لرأيكم ويقبل باللعبة الديمقراطية؟

أهذه هي الديمقراطية التي تبشروننا بها؟ أم هذه الطريقة التي تريدون بها إفساد ما بقي صالحا من أوطاننا؟ حتى نقتتل ويُفني بعضنا بعضا؟ لقد فهمنا اللعبة وعرفنا كيد خونة الداخل، وظلمة الخارج؟

رحم الله الرئيس العالم والبروفيسور والأستاذ الجامعي والباحث المتميز الأخ العزيز (محمد مرسي) وأسكنه فسيح جناته، فهو رمز الديمقراطية والسلمية والمدنية التي سفحها الطغاة على أرض مصر العزيزة، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

ووالله لو لم أكن إخوانيا في الفكر والتوجه لوددت أن أكون إخوانيا. فإن استطعتم فاحجبوا الشمس عنا..

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

وثبة التحوُّل وعلاقتها بالخصوصية الحضارية/ د . إبراهيم نويري

هناك تيار عريض من الناس في أمتنا – بما فيهم الكثير من المثقفين – يقع …