الرئيسية | الإسلام و الغرب | ذكرياتي مع المرحوم د-تيجاني هدام 1929-2000 العميد الخامس لمسجد باريس (1989-1992)/ سعدي بزيان

ذكرياتي مع المرحوم د-تيجاني هدام 1929-2000 العميد الخامس لمسجد باريس (1989-1992)/ سعدي بزيان

كانت لي فرصة العمل في “مسجد باريس” صحبة المرحوم الشيخ عباس بن الشيخ الحسين –أول عميد لمسجد باريس يحمل الجنسية الجزائرية، وهو أحد أقطاب جمعية العلماء والصديق الحميم للشيخ محمد البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وقد تم تعيين الشيخ عباس عميدا لمسجد باريس 1982 خلفا للشيخ حمزة بوبكر الذي ظل عميدا لمسجد باريس من 1957 إلى غاية صيف 1982، وكانت مرحلة الشيخ عباس أهم المراحل التي اتسمت بالحيوية والعمل باستمرار مع الجالية الجزائري رغم الظروف التي تم فيه تعيينه إذ توالت عليه الهجومات من طرف المغاربة، مدعمين بمال:”رابطة العالم الإسلامي السعودية ولفيف من الفرنسيين المعتنقين للإسلام يتصدرهم يعقوب روتي، الذي كان يتولى إدارة مصلحة الاعتناق، وله طموح في قيادة الإسلام في فرنسا.

وكان خصما عنيدا للشيخ عباس ونجما في مؤتمر بورت مايو 1985، وكان يعقوب روتي هذا ينتمي إلى عائلة اعتنقت الإسلام قديما وكان هو شخصيا يعمل في مصلحة الاعتناق بمسجد باريس وابنه رضا يعمل معنا في مصلحة الشؤون الثقافية والإعلامية وهو متزوج بجزائرية من بجاية وهو على جانب كبير من الاختلاف إلا أن والده كان طموحا فوق إمكانياته حيث يرى في نفسه أنه قادر على أن يكون عميدا لمسجد باريس وخاصة وهو مسلم وفرنسي، والمسجد فوق التراب الفرنسي، والفرنسيون أحق من الجزائريين في تولي منصب العمادة، مع العلماء، بضاعته في الثقافة الدينية هزيلة ولا يعرف اللغة العربية الفصحى أو الدارجة، ولم يتخرج من جامعة إسلامية، وقد استبد به الغرور والحقد، ومدفوع من المغاربة ورابطة العالم الإسلامي في السعودية وقد وجد الشيخ عباس نفسه في مواجهة حلف مدجج بالدولار السعودي والعنصر المغربي وثلة من الفرنسيين المعتنقين للإسلام ومنهم تاجر اللحوم الحلالية يوسف لوكلير، وهو فرنسي الأصل معتنق للإسلام، وقد انهزم هؤلاء جميعا أمام تصميم عميد مسجد باريس الشيخ عباس الذي سرعان ما رد على هجوم هؤلاء بعقد أول مؤتمر إسلامي من نوعه في مدينة ليون في ديسمبر 1985 بعد 6 أشهر تقريبا على مؤتمر خصومه في قصر المؤتمرات في بورت مايو وقد علقت صحيفة لوبروجي اليونية على هذا المؤتمر الذي حضره حوالي 5000 شخص جاءوا من كل حدب وصوب بأنه أول مؤتمر إسلامي من نوعه ينظم في فرنسا في تاريخها، وإثر هذا المؤتمر أشرف الشيخ عباس على عدة ملتقيات في “مرسيليا وليون”  و”ليل” واستطاع أن يجعل الجالية الجزائرية التي تفاعلت معه وأبدت كامل استعدادها لتقف إلى جانبه في مواجهة العواصف التي واجهها وبقي الشيخ عباس يصارع وحقق مكاسب للجالية، وبرحيله في صيف 1989 انتهت مرحلة حاسمة استطاع الشيخ عباس خلالها كسب معركة مسجد باريس وقد خلفه المرحوم الدكتور تيجني هدام وهو طبيب وجراح عالمي وسياسي ووزير سابق، وطبيب جيش التحرير ومدير مكتب أحمد بن بلة في القاهرة، واختط لنفسه سلوكا آخر فقد آثر حب السلامة، وخف الصراع مع المغاربة، وشاءت لي الظروف أن أتعاون معه في بداية عهده، ولم أكن أعرفه سابقا غير أن سمعته الطيبة جعلتني أراه المؤهل لإدارة مسجد باريس بحكم أنه درس الطب والفلسفة في فرنسا وكان كما ذكر لي رحمه الله يصلي التراويح بالمسلمين في 47-1948 وهو طالب في باريس يحفظ القرآن حفظا جيدا وقد سنّ سنة حميدة لازالت قائمة لحد الآن وهي قراءة حزبين من القرآن الكريم كل يوم بعد صلاة العصر وكثيرا ما كان هو شخصيا يقرأ معهم ولا زال هذا الوضع وهذه السنة القائمة لحد الآن بل إنه كان يتبرع بنصيب من المال على هؤلاء القراء كل شهر وعند ختم القرآن يقيم لهم مأدبة طعام احتفالا بختم القرآن.

الفرنسيون والمحاولة الأولى لتنظيم الإسلام في فرنسا برئاسة د-هدام

كان الرئيس الفرنسي فرانسوا متيران الاشتراكي الذي وصل إلى الحكم في مايو 1981 أراد وضع حد لتشرذم الجمعيات وكل منها يغني على ليلاه، بعدا عن هموم المسلمين وخاصة وأن الديانة الإسلامية أصبحت الديانة الثانية في فرنسا قبل الديانة المسيحية البروتستانتية والأرثوذوكسية واليهودية، ومع ذلك غير مؤطرة، ولا نملك ناطقا باسمها وممثلا لها لدى الأوساط الرسمية الفرنسية فكلف ميتران وزير داخليته يومئذ وكان بييرجوكس الذي أخذ يستمع إلى الذين يزعمون أنهم ناطقون باسم الإسلام وممثلين للمسلمين، ولم يجد أمامه سوى الدكتور هدام برصيده العلمي في الثقافة الإسلامية والغربية، فوضعه على رأس تنظيم يدعى “المجلس التأملي حول الإسلام” ويرمز له بالحروف اللاتينية CORIF ولم يحقق هذا المجلس نجاحا يذكر ولكنه مع ذلك يعتبر أول هيئة تشكلت بغرض تنظيم وهيكلة مسلمي فرنسا في تنظيم قادر على أن يكون صوتا للمسلمين في هذه الديار وممثلا لها لدى الحكومة الفرنسية.

وكيف تعرفت على المرحوم د- تيجيني هدام

بعد وفاة الشيخ عباس في صيف 1989، وبعد نهاية العطلة الصيفية التحق د-هدام بمسجد باريس وكان صديقي المرحوم حسين رايس مديرا للشؤون الثقافية ولي علاقات حميمة معه، قد نظم لي ذات يوم لقاء مع د- هدام ورحب بي وألحقني فورا بالعمل معه وكنا كل صباح نلتقي في اجتماع يومي معه، وقد أسر لنا ذات يوم في مكتبه قائلا:”لا أباشر العمل رسميا إلا بعد إجراء عملية جرد وقد أتى بخبير خاص من الجزائر ليتولى ذلك وكنت أنا والمرحوم عبادة مصطفى تقدمنا له بمشروع إعلامي يتضمن إصدار نشرية خاصة ناطقة باسم مسجد باريس تحت إشراف د- رايس بصفته مسؤول الشؤون الثقافية، وأنا أتولى الإشراف على التحرير في حين يتولى المرحوم مصطفى عبادة عملية السمعي البصري إذ يشرف على تصوير وتوثيق نشاط عميد مسجد باريس، ومع الأسف فالمشروع ظل يراوح مكانه إلى أن غادر المرحوم عبادة مسجد باريس عائدا إلى الوطن واستقلت أنا وبقيت احتفظ له بذكريات حميمة وأذكر أنني ذات يوم وأنا وإياه والمرحومين حسين رايس وعبادة مصطفى قلت له سيدي العميد تسمح لي أن أوجه لك سؤالا هاما يختمر في ذهني منذ مدة وهو لماذا لم تدون نشاطك ومسارك العلمي والسياسي، والطبي في كتاب تستفيد منه الاجيال الحالية وأجيال المستقبل وأنت لاشك مؤهل لذلك، فأجابني بضحكة: نحن يا العلامة أهل المغرب العربي لا نكتب والجزائريون بالخصوص وأنا اعتقد جازما أنه كان رصيدا من المعارف والثقافات والتجارب حملها معه إلى قبره فخسرنا نحن كثيرا بسبب ذلك، وللعلم فإن مسجد باريس تولى عمادته شخصيتان من تلمسان د- المرحوم قدور بن غبريط والشيخ هدام رحمه الله.

 

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

جهود مسلمي فرنسا في نشر الثقافة العربية الإسلامية في هذه الديار

  باريس من سعدي بزيان   د- نور الدين بلحوت شاب جزائري طموح (اقتحم عالم) …