الرئيسية | بالمختصر المفيد | الداء القاتل /كمال أبوسنة

الداء القاتل /كمال أبوسنة

جاء في الحديث الذي رواه ثوبان -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:( يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها). فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال:( بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن). فقال قائل: يا رسول الله! وما الوهن؟ قال :(حب الدنيا وكراهية الموت). حديث صحيح رواه أبو داود.
لقد شرح النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ببساطة المبنى وعمق المعنى السبب الحقيقي لهوان المسلمين، وتأخرهم عن الركب، فأصبحوا أذيالا بعدما كانوا رؤوسا أصحاب ريادة، بيدهم السيادة والقيادة..!
إن حب الدنيا يُورث الخمول والتثاقل والجمود، وشدة التمسك بالفاني على حساب الباقي، فتتحول الملذات المعشوقة إلى غاية في حد ذاتها تبرر كل الوسائل، وهذه الحالة لا يمكن لصاحبها أن يحب لقاء الله عز وجل لأنه كما قال أحد الصالحين وهو يُعين سبب كراهية الموت حين سأله بعض أبناء الدنيا عن ذلك:” لأنكم عمرتم الدنيا وخربتم الآخرة فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب”. ولهذا تحدى الله اليهود عبدة العجل والذهب والفضة الذين زعموا أنهم أولياء لله من دون الناس أن يتمنوا الموت إن كانوا صادقين فقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ، وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ، قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾.[الجمعة:6-8].
إن الطمع حبل الدنيا الذي جرّت به الطامعين إلى هاويتها السحيقة، فهو داء خطير، يحتاج إلى دواء قدير، ورحم الله الإمام الشافعي حين قال:
أمتُّ مطامعي فأرحت نفسي
فإن النفس ما طمعت تهونُ
وأحييت القنوع وكان ميتـاً
ففي إحيائه عرض مصونُ
إذا طمع يحل بقلـب عبـدٍ
علته مهانة وعـلاه هـونُ
إن الصراع على الدنيا أهلك كثيرا من الناس وهم بالكيد والمكر في سبيل نيل شهواتها يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فزين لهم الشيطان أعمالهم حتى قالوا بغرور:” من أشد منا قوة؟”، ونسوا أن القوة لله جميعا، يعز من يشاء ويذل من يشاء، بيده الخير وحده، ولو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء..!
لقد تأخر المسلمون عن الركب حين تمكن من مواضع قيادة زمام أمره بعض صرعى الدنيا الذين يبيعون دينهم من أجل عرض منها قليل، فأهلكوا قبل أن يهلكوا..!
“روي عن نبي الله عيسى -على نبينا وعليه الصلاة والسلام- أنه خرج هو وصاحب له في سياحة فأصابهما الجوع وقد مرا بقرية فقال لصاحبه: انطلق فاطلب لنا طعاماً بهذه القرية، وقام هو يصلي، فانطلق الرجل وأتى بثلاثة أرغفة، فوجده مشغولاً بصلاته، فأكل رغيفاً، فلما انصرف عيسى عليه السلام من صلاته قال له: أين الرغيف الثالث؟ فقال الرجل: ما كان إلاّ رغيفان.
فانطلقا حتى مرّا بظباء، فدعا – عليه السلام – ظبياً منها، فذكاه وأكلا منه، ثم قال له: قم بإذن الله الذي يحيي الموتى، فقام يشتدّ، فقال الرجل: سبحان الله! فقال عيسى: بالذي أراك هذه الآية من صاحب الرغيف الثالث؟ قال ما كان إلاّ اثنان، فانطلقا فمرّا بنهر عظيم فأخذه بيده فمرّ به على الماء حتى قطعاه، فقال الرجل: سبحان الله؟ فقال عيسى: بالذي أراك هذه الآية من صاحب الرغيف الثالث؟ قال: ما كان إلاّ اثنان، فانطلقا حتى أتيا قرية خربة، وإذا بثلاث لبنات من ذهب. فقال الرجل: هذا مال، فقال عيسى عليه السلام: واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة لصاحب الرغيف الثالث. فقال الرجل: أنا صاحبه، فقال عيسى: هي لك كلها وفارقه.
فأقام على الأحجار الذهبية ليس معه من يحملها له، فمرّ به ثلاثة نفر، فقتلوه، وأخذوا اللبنات الذهبية، فقال اثنان منهم للواحد: انطلق إلى القرية فائتنا بطعام، واتفق الاثنان على قتله إذا رجع، وأتى هو بالطعام فوضع فيه سماً ليموتا فيختص بالذهب وحده من دونهما، فلما جاء قتلاه، وأكلا الطعام المسموم فماتا.
فمر بهم عيسى – عليه السلام – وهم حول الذهب كلهم صرعى فقال: هكذا تفعل الدنيا بأهلها، وتركهم وانصرف”.

عن المحرر

شاهد أيضاً

نعمة الشباب..!/ كمال بوسنة

النصوص القرآنية والنبوية كثيرا ما تمدح الشباب الواعي برسالته في الحياة، ولم تدفعه نزوات نفسية …