الرئيسية | قضايا و آراء | “ترمب” أول من تخور قوته -2-/ محمد الحسن أكيلال

“ترمب” أول من تخور قوته -2-/ محمد الحسن أكيلال

في هذه الأيام الثلاثة الماضية ارتفعت درجة حرارة مياه الخليج إلى درجة الغليان، فـــ “ترمب” المعتاد على إخضاع خصومه برفع الصوت وجد نفسه أمام خصوم يهزأون منه ويسخرون من جنونه غير المبرر وتمثيله الرديء جدًّا المعتمد على الديكور الذي تتقن بلاده صنعه وإعداده لتصوير أفلام الخيال العلمي، كما يعتمد على نص سيناريو هو أيضا أسوأ من الديكور لكونه مأخوذا حرفيا من كتاب ألفه صديقه وصديق صهره “كوشنر” منذ خمسة وعشرين سنة، بالضبط منذ اتفاق أوسلو الذي رفضه جملة وتفصيلا، هذا الكتاب من تأليف “نتانياهو”.

“ترمب” المسكين الذي اعتاد لعبة البزنس مع أمثاله من التجار ورجال المال والأعمال يعتقد أن السياسة أيضا مثل لعبة، أكيد أن تتقاطع وتتشابه معها في كثير من الأدوار والمقالب، ولكنها تختلف عنها كثيرا في كونها تعتمد الحوار بشكلين أو أسلوبين هما :

  • حوار الكلام.
  • حوار الرصاص.

حوار الكلام عند “ترمب” يتسم بالكثير من ألفاظ وعبارات التهديد والوعيد لشعوره المفرط بالخيلاء والجبروت لما تمتلك بلاده من أسلحة الدمار الشامل ولانفرادها بحكم العالم رغم أنف حتى أقرب المقربين من الحلفاء إليها.

لقد سبق له أن مارس اللعبة مع كوريا الشمالية، وكان يظن أن رئيسها الشاب، حديث العهد بالسياسة ومجاهلها وأدغالها، وبالتالي يسهل عليه احتواءه وإدخاله في جيبه مثلما فعل أسلافه ذات يوم مع العقيد “معمر القذافي” المرحوم المسكين الذي قتله غروره وسذاجته أو كما فعلوا بــــــ “غورباتشوف” وبعده “يلتسين” حين اتفقوا معهما لتفكيك جمهوريات الاتحاد السوفييتي العملاق.

أخفق “ترمب” مع الرئيس الشاب في كوريا الشمالي، فالشاب وراءه جيش جبار من القادة العسكريين والسياسيين الذين ما زالوا على أيديولوجيتهم الشيوعية الماركسية اللينينية، فهم تخلصوا من عقدة الفراغ الدستوري حين قرروا توريث الحكم بعد وفاة زعيمهم الكبير “كيميل سونغ”. المهم بالنسبة إليهم بقاء النظام وبناء القوة التي تقف في وجه الإمبريالية الغربية التي قسمت بلادهم إلى شطرين شمالي وجنوبي.

لم يهضم هذا الإخفاق السيد “ترمب”، يجب عليه أن يسجل نجاحا ضد دولة أخرى هي الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وخاصة وأنها تشكل فعلا خطرًا استراتيجيًا على المصالح الحيوية العليا لبلاده، إنها تقع في أدق المواقع الجغرافية حساسية واستراتيجية:

  • فهي تشرف على الخليج الفارسي العربي حيث تتجمع أضخم احتياطات البترول والغاز في العالم بعد بلاده وروسيا الاتحادية.
  • في هذا الخليج يقع مضيق “هرمز” وهو غير بعيد عن مضيق ثان في البحر الأحمر هو “باب المندب”.
  • هذه الجمهورية الإسلامية تأسست بفضل ثورة شعبية عارمة انتهت بطرد حليف أمريكا وإسرائيل الإمبراطور “الشاه محمد رضا بهلوي” بعد الإطاحة به، ثم إلقاء القبض على مجموعة كبيرة من المواطنين الأمريكيين – حوالي الأربعين – واحتفظت بهم في سجونها لمدة شهور لا أذكر عددها إلى حين تدخل الدبلوماسية الجزائرية في ذلك الوقت بقيادة المجاهد الديبلوماسي المرموق المرحوم “محمد الصديق بن يحيى” رحمه الله الذي قتلته القوات العراقية في عهد “الشاذلي بن جديد”.
  • هذه الجمهورية التي كانت ولا تزال أمريكا تعتبرها عدوا لدودًا لها عاقبتها اقتصاديا وماليا واستولت على أموالها المودعة في بنوكها منذ الأيام الأولى لانتصار الثورة الشعبية فيها، هذه الجمهورية التي طردت سفير إسرائيل وقطعت العلاقات الدبلوماسية معها وأصبحت الحاضنة والراعية للمقاومة العربية ضد دولة الكيان الصهيوني.
  • الجمهورية الإسلامية أصبحت تشكل خطرًا على الدول الخليجية العربية في نظرها هي أولا وفي نظر هذه الدول ثانيا، لذلك سعت بكل الوسائل حتى أقنعتها أخيرًا بأنها يجب أن تصبح صديقة وحليفة لدولة الكيان الصهيوني وتجعل من إيران عدوا لدودًا لها.
  • هذه الجمهورية الإسلامية تقود أمة تعدادها حوالي 80 مليون نسمة أغلبهم من المسلمين الشيعة، وفيها حضارة ودولة يفوق عمرها الــــــ 5000 سنة، و في هذا ما يجعل هذه الأمة تمتلك إرادة بناء القوة التي تدافع بها عن نفسها ضد العدو الأكبر الإمبريالية الصهيونية الصليبية؛ وبحكم المنطق والمصالح والهدف المشترك المتمثل في تحرير أرض عربية إسلامية اسمها فلسطين، فإنها تجد نفسها مجبرة على التحالف مع قوى المقاومة.

هذه الأسباب والعوامل إضافة إلى روح البزنس لدى “ترمب”، لأنه يعرف يقينا حاجة الأعراب الخليجيين إلى الحماية من إيران، ليس من إسرائيل العدو الحقيقي لها، جعلته يدفع بالبوارج وحاملات الطائرات إلى منطقة الخليج لحماية قوات الأسطول الخامس القابع منذ عقود في مملكة البحرين وفيه ما فيه من أسلحة الدمار الشامل فوق ظهر حاملة الطائرات “أبراهام لنكولن” بالإضافة إلى القواعد العسكرية في كل من الظهران في السعودية وقطر وتركيا؛ إنه يبعث بقوات جديدة قوامها 1500 رجل لحماية هذه الترسانة الرهيبة: هذه قمة التهديد لرفع حدّة التوتر في المنطقة واستفزاز إيران لتقوم بالضربة الأولى لتكون المسؤولية في إشعال حرب عالمية ثالثة مسؤوليتها ولتقوم بتدمير إيران كما فعلت مع العراق بحجة أن إيران تشكل خطرًا على المنطقة، لكي لا يكرر خطأ سلفه “جورج بوش الابن”.

المهم التوتر الآن على أشده والمحرضون لـــ “ترمب” للهجوم على إيران كثيرون في إدارته وعلى رأسهم مستشاره “بولتون” و وزير خارجيته “بومبيو” وقد استعان الرجلان بمداخلة من وزير الخارجية الأسبق “هنري كيسنجر” منذ أسبوعين.

لكن “ترمب” يبدو أنه ربما للفطرة وربما لتأثير بعض العقلاء في بلاده وخارج بلاده على تفكيره، فهو ما زال يتردد ويهدد في نفس الوقت، فهو يحتاج إلى أموال خليجية لجيبه ولخزينة بلاده، ولكنه مع ذلك خارت قواه وارتبك وحار ماذا يفعل وكيف يتصرف؟.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

لن ننكسر…/ د. عبد العزيز كحيل

رغم كل شيء لن ننكسر…هذه بلادنا ولن نتركها لمن يريد العبث بها أو الاستثمار في …