الرئيسية | قضايا و آراء | حكاية عبد الوهاب المسيري والذئاب/أ.د. ليلي محمد بلخير

حكاية عبد الوهاب المسيري والذئاب/أ.د. ليلي محمد بلخير

حكاية الذئاب الثلاثة، ليست عنواناً لصراع حقيقي دموي بين الكاتب المفكر عبد الوهاب المسيري وبين ذئاب مفترسة، ولا تمثيل مجازي لبعض البشر الأكثر ضراوة ومكراً من بعض الذئاب. إنّه يخبرنا بطريقته الطريفة المبتكرة عن ذئاب  تسكن داخل الإنسان، وتتربص به متى وجدت الفرصة وغفل عنها، انقضت عليه وافترسته، (ذئب المال، وذئب الشهرة، وذئب المعلوماتية)، ويهدف إلى نشر الوعي عند الكتاب حتى يتجنبوا عضاتهم القاتلة لمواهبهم، المهدرة لطاقاتهم، وكم من الموهوبين في الكتابة ماتوا وهم في الحياة دون أن يكتبوا، لأنّهم انشغلوا إمّا بجمع المال أو جمع المعجبين أو جمع المعلومات، هي لطيفة من لطائفه وجدتها في كتابه (رحلتي الفكرية)، يعلمنا أنّ طابع التكديس والاهتمام بالكم والوفرة، ذئاب تضيع الهدف وتبتلع صاحبه بلا هوادة، إنّه الطابع الاستهلاكي المادي يأخذ خطوطاً وألواناً، في مثلث رأسه الشهرة وطرفيه المال والمعلومات، وكأن الحياة سوقا كبيرا، تقوم قائمتها على قانوني الإنتاج والاستهلاك، والذئاب الثلاثة تتربص بأعين يقظة، تطحن المغلوبين المنهزمين، تمزقهم، دون أن تجمعهم أو ترأف لحالهم. وتظهر لنا الخط الذي سار فيه المسيري حتى تمكن من تأليف أزيد من ثلاثين كتابا في مجالات متنوعة في الفكر والنقد وأدب تمكن من تخطى حدود كونه أستاذا في الجامعة مدرسا للأدب الانجليزي؟ وما أكثر الأساتذة والمتخصصين والخبراء، ولكن العلماء المفكرين قلة لماذا؟ لأنّ المسيري عرف كيف يصرع الذئاب الثلاث، ولم يتركهم يجهزوا عليه (ذئب المال، ذئب الشهرة، ذئب الطفل، مشكلة رؤية منسجمة وطابع المشروع الفكري العميق والمتكامل، خاصة تخصصه في المسألة الصهيونية، وتفكيك بنيات الخطاب الاستعماري الامبريالي، وفضح مخططات الهيمنة في الفكر الغربي الحديث.

قرأت كتبه، وقرأت تمفصلات حياته واختياراته، وفهمت السر الذي جعل منه رائدا من الرواد المؤثرين ليس في مصر فحسب بل في كلّ الأمة الإسلامية، وأدركت الوصفة التي صنعت منه ناقداً فذاً له بصمة مميزة، ليس فقط في نقده للمناهج الغربية، بل أكثر من ذلك نقد السلوكات والممارسات، وابتكار صور وتمثيلات بديعة من لقطات لا يلتفت إليها في العادة -وهي جد مؤثرة- كيف المعلوماتية) وأكثر ما يجمعهم هو هدر الوقت في الاستعراض، يرتبطون ثلاثتهم في حلقة واحدة، يصعب الفكاك منها أو كسرها، لأنّ الباحث الذي يتوخى المال كهدف في حياته يجعله لا يهتم بنوعية الإنتاج المعرفي، يقع في فخ استعراض، وتراكم البحوث التافهة والهزيلة، المهم الترقية وما فيها من رتب وعلاوات مادية، وحتى الرغبة في ذيوع الصيت والسلطة والسيادة يغنمها لتزويد دخله وقضاء مصالحه الضيقة، ومن هنا يمكن فهم كيف تمكن المسيري من تثبيت خطه الفكري الرصين بعيدا عن الذئاب التي ظلت تلاحقه…

يتبع

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

“قاع السور” الذي نعرف اليوم، لو نطق لبكى وأبكى…/ فوزي سعد الله

كانت هذه البقعة المعروفة إلى اليوم بـ: “قاع السور”، في باب الوادي، تحتضن مجموعة من …