الرئيسية | في رحاب الشريعة | الثبات على الطاعات بعد رمضان/ يوسف جمعة سلامة

الثبات على الطاعات بعد رمضان/ يوسف جمعة سلامة

تقبل الله منا ومنكم الطاعات، وكل عام وأنتم بخير، وأمتنا العربية والإسلامية بألف خير، وإن شاء الله يأتي العيد القادم وقد جمع الله شملنا ووحد كلمتنا وألف بين قلوبنا، إنه سميع قريب.

وَدَّع المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها شهر رمضان المبارك، شهر الخير والبركة بعد أن وفقهم الله سبحانه وتعالى لطاعته، حيث صاموا نهاره وقاموا ليله، طاعة لله سبحانه وتعالى، وكلهم ثقة في الله سبحانه وتعالى أن يتقبل صيامهم وقيامهم، وأن يكتبهم من عتقاء شهر رمضان، وأن يكتبهم في قوائم الأبرار، إنّه نعم المولى ونعم النصير.

ويأتي شهر شوال كما هو معروف عقب شهر رمضان، فهو شهر يقف فيه المسلم وقفات مع نفسه يحاسبها ويراجع فيها سجله، فهل أدى واجبه وأرضى ربه وأراح ضميره، فأصبح من حقه أن يفرح كما جاء في الحديث الشريف: (لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ( (1)، ففرحته عند فطره تتمثل بأنه أدى واجبه وأرضى ربه وأراح ضميره، وفرحته عند لقاء ربه عندما يجد أجره كثيراً بغير حساب، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى:{قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}(2) .

لقد استقبل المسلمون قبل أيام عيد الفطر المبارك بعد أدائهم لفريضة الصوم، وفي يوم العيد يتجلى الله على عباده، فيغفر لهم ما تقدم من ذنوبهم، ويرحمهم ويوفيهم أجرهم بغير حساب، وفي العيد دعوة إلى تأكيد أواصر المودة بين الجيران والأصدقاء، والتراحم بين الأقرباء، والتعالي على أسباب الحقد والشحناء .

وفي يوم العيد يعطف الأغنياء على الأيتام والفقراء والمحتاجين، فتدخل البسمة والفرحة كل البيوت، وتظهر وحدة المسلمين وتكافلهم، فهم كالجسد الواحد، فليس بينهم محزون ولا محروم.

هنيئاً لمن صام رمضان إيماناً واحتساباً

هنيئًا لمن صام رمضان حقَّ الصيام وقام ليله حقَّ القيام .

هنيئًا لمن واظب على الطاعات والقربات واجتنب المعاصي والموبقات .

هنيئًا لمن رسم البسمة على شفاه الأيتام والفقراء والمحتاجين .

هنيئًا لمن بَرَّ والديه ووصل رحمه وأحسن إلى جاره.

هنيئًا لمن عقدَ العزم على الاستمرار في طاعة الله عز وجل.

ونقول لكل من فرّط وقَصَّر أو ضاع منه شهر رمضان: لا تيأسْ من روح الله سبحانه وتعالى ولا تقنط من رحمته، فربك الغفور ذو الرحمة لكل من تاب إليه وأناب، فارفع يديك إليه وتضرع بين يديه وأكثر من الاستغفار والدعاء فإن الله غفور لمن تاب وعمل صالحاً ثم اهتدى .

وعلينا أن نتذكر دائماً قول الله تعالى:{ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}(3)، وقوله أيضا: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ}(4)، فأين هذا من أولئك الذين ينسون الله سائر العام، ولا يذكرونه إلا في شهر رمضان، ويعصونه ويكفرون نعمه، ويجحدون فضله أحد عشر شهراً، ثم يَمُنُّونَ على ربهم أن عبدوه شهراً واحداً، هذا جهل وتفريط، جهل بحق الله على عباده، وتفريط بواجبهم نحوه سبحانه وتعالى.

ومضـى شهــر رمضـــان المبـــارك

لقد رحل شهر رمضان إمَّا شاهداً  لنا أو علينا، فقد انفضَّ موسم الخير في شهر الصوم، موسم مضاعفة الأجر والثواب، ربح فيه من ربح وخسر فيه من خسر، ونسأل الله أن يكون شاهداً وشفيعاً  لنا، كما جاء في الحديث:” الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَة فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ: قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ “(5).

إن شهر رمضان الفضيل قد  انقضى، ككلِّ شيء في هذه الدنيا ينقضي ويزول، كلُّ جمع إلى شتات، وكلُّ حي إِلى ممات، وكلُّ شيء في هذه الدنيا إلى زوال:{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}(6)، ورحم الله القائل :

إذا عاش الفتى ستين عاماً  

فنصفُ العمر تمحقه الليالي

ونصفُ النصفِ يذهبُ ليس يدري            

لغفلته يمينـاً مع شمـال

وباقي العمر آمـالٌ وحرصٌ             

وَشُغْلٌ بالمكاسـبِ والعيال

فهنيئاً لمن أخلص في تجارته مع مولاه في هذا الشهر العظيم، وأحسن المعاملة مع خلقه، وضاعف الله له الثواب والأجر العظيم بجنةٍ عرضها السموات والأرض أُعِدّت للمتقين، الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين، فهنيئاً لمن قام رمضان إيماناً واحتساباً، فغفر الله له ما تقدم من ذنبه، ورحم الله القائل:

غداً تُوَفَّى النفـوس ما كسبتْ     

ويحصد الزّارعون مَا زَرَعُـوا

إن أحسنوا فقد أحسنوا لأنفسهم

وإن أساؤوا فبئس مَا صَنَعُوا

إن لربنا في دهرنا نفحات، تأتينا نَفْحةٌ بعد نفحة، تُذَكِّرنا كلما نسينا، وَتُنَبِّهنا كلما غفلنا، فهي مواسم للخيرات والطاعات، يتزود منها المسلمون بما يُعينهم على طاعة الله سبحانه وتعالى:{وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ}(7).

ومن هنا فإن الواجب على المسلم بعد رمضان أن يقف وقفات يحاسب فيها نفسه، ويراجع فيها سِجلَّه، وينظر فيما قدّم، هل أدى الواجب أو قصَّر؟ أمَّا مَنْ أدى الواجب فَمِنْ حقَّه أن يفرح، وهذا معنى:” ولِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ“(8).

 

فضل صيام الست من شوال

اعلم أخي المسلم بأن العبادة والطاعة لا تنقطع وتنتهي بانتهاء شهر رمضان المبارك، فلئن انقضى صيام شهر رمضان فإن المؤمن لن ينقطع عن عبادة الصيام، فالصيام لا يزال مشروعاً، فقد روى أبو أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ)(9)، وجاء تفسير ذلك في حديث آخر رُوِيَ عن ثوبان، أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال:( صِيَامُ شَهْرٍ بِعَشْرَةِ أَشْهُرٍ، وَسِتَّة أَيَّامٍ بَعْدَهُنَّ بِشَهْرَيْنِ، فَذَلِكَ تَمَامُ سَنَةٍ )(10)، يعني – شهر رمضان وستة أيام بعده -، فصيام رمضان بعشرة أشهر، وستة أيام بشهرين، أي: صام السنة كلها، وإذا استمر على ذلك في كلّ سنة فقد صام الدهر كله، وقد تعددت آراء العلماء في ذلك، فبعضهم يقول: يتبعها في اليوم الثاني للعيد، والبعض قال: المهم أن تكون في شوال، وليس من الضروري أن يصومها ستاً متتابعة، ويمكنه صيامها متفرقة .

ومن فضل الله علينا أن رسولنا – صلى الله عليه وسلم –  قد شرع صيام ثلاثة أيام من كل شهر لحديث أبي ذر – رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم –  قال:” يَا أَبَا ذَرٍّ  إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، فَصُمْ ثَلاثَةَ عَشَرَ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ وَخَمْسَةَ عَشَرَ“(11)، وكذلك صيام يوم عرفة، وصيام يومي الاثنين والخميس، وصيام شهر الله المحرم.

كن ربانياً ولا تكن رمضانياً

من الأمور المؤسفة أن بعض الناس يُقبلون على الله في رمضان، فإذا ما انتهى رمضان انتهى ما بينهم وبين الله عزَّ وجلَّ، فللأسف فهم بعد رمضان لا يعمرون المساجد، ولا يفتحون المصاحف، ولا تلهج ألسنتهم بالذكر والتسبيح، كأنما يُعبد الله في رمضان ولا يُعبد في شوال وسائر الشهور. من كان يعبد رمضان فإن رمضان قد رحل، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، فقد ورد أن بعض السلف كانوا يقولون: بئس القوم قوم لا يعرفون الله إلا في رمضان، كُن ربانياً ولا تكن رمضانياً .

إن الواجب علينا أن نواظب على طاعة الله ورسوله في كل وقت، فالله عز وجل يحب من العمل أدومه وإن قلَّ، فإياك أخي القارئ أن تنقطع عن العبادة بعد رمضان، فهذا ما لا ينبغي، فليس من اللائق أن  يكون لك في رمضان حظٌّ من التلاوة، ثم بعد ذلك تهجر المصحف إلى رمضان القادم، وأن يكون لك حظٌّ من المسجد، ثم بعد ذلك تنقطع عنه إلى رمضان القادم، فهذا لا يليق .

تقبل الله منا ومنكم الطاعات، ونسأله سبحانه وتعالى أن يعيد علينا  شهر رمضان القادم باليمن والخير والبركات، وقد جمع الله شملنا وَوَحَّدَ كلمتنا وألف بين قلوبنا إنه سميع قريب .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .

الهوامش :

  • أخرجه البخاري.
  • سورة يونس الآية(58).
  • سورة إبراهيم الآية(7).

4- سورة البقرة الآية(152).

5- أخرجه أحمد.

6- سورة القصص  الآية (88).

7- سورة البقرة، الآية (197).

8- أخرجه البخاري.

9 – أخرجه مسلم.

10-  أخرجه الدارمي.

11- أخرجه الترمذي.

عن المحرر

شاهد أيضاً

مَنْ هُمْ خيـرُ الناس؟/ د. يوسف جمعة سلامة

أخرج الإمام البخاري في صحيحه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ – صَلَّى …