الرئيسية | حديث في السياسة | وأخيرا تحركت النخبة/ التهامي مجوري

وأخيرا تحركت النخبة/ التهامي مجوري

مع مطلع هذا الأسبوع أُطلقت جملة من المبادرات السياسية، بعد حوالي ثلاثة أشهر من الحراك الشعبي، والانسداد السياسي، الذي كاد يفقد الأمة صوابها، فالنداء التوافقي الذي أطلقه الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي مع رشيد بن يلس وعلي يحيى عبد النور، ومبادرتي كنفدرالية النقابات الجزائرية، والمنتدى المدني للتغيير، إضافة إلى عزم أحزاب المعارضة على عقد ندوة وطنية للخروج من الأزمة، كل هذه المبادرات تحركت شعورا بالخطر الذي يهدد الحراك، لاسيما بعد المناوشات التي كانت في يوم الجمعة الأسبوع الثالث عشر للحراك بين الشرطة والمتظاهرين، وبين فئات من المتظاهرين أنفسهم.

تجمع هذه المبادرات كلها على ضرورة المرحلة الانتقالية، وعلى الحل السياسي والتوافقي بدل الحل الدستوري الذي تتمسك به السلطة.

إن هذه المبادرات في تقديري –رغم تأخرها- لا تزال صالحة ولم تخرج عن الوقت المناسب، مع هذا الإنسداد الذي تشهده الساحة، وانغلاق السلطة وعدم انفتاحها على الطبقة السياسية والمجتمع المدني، بسبب إصرارها على الحل الذي اختارته.

نحن أمام معضلة لا يمكن القفز عليها، وهي الواقع الذي عشناه خلال الأشهر الثلاثة الماضية، التي خرج فيها الشعب إلى الشارع، بمطالب واضحة، لم يتحقق منها إلا القليل، فأفرزت واقعا يتحتم علينا الانطلاق منه زهذا الواقع هو:

  • السلطة اختارت الحل الدستوري.
  • الجيش لم يُبدِ رغبة في التدخل، وإنما اكتفى بالإحالة على السلطة السياسية.
  • السياسيون لم يقوموا بمبادرة.
  • الشعب في الشارع يكرر مطالبه ويصر على تحقيقها.

أما اختيار السلطة فلم يكن موفقا؛ لأنه اختيار في غير زمانه ولا في حاله، حيث أن المادة 102 من الدستور المعتمدة في خيار السلطة، تتكلم عن الوضع العادي، أي عندما يستقيل الرئيس يتولى رئيس مجلس الأمة رئاسة الدولة لمدة 90 يوما، للتحضير لانتخابات رئاسية…، بينما واقعنا غير ذلك؛ لأن استقالة الرئيس جاءت في ظل انتفاضة شعبية رافضة للسلطة القائمة أصلا، بمن في ذلك المجالس المنتخبة والمعينة؛ لأنها من إنتاج النظام الذي يطالب الحراك برحيله وتغييره…، ولذلك فإن هذا الخيار لا يزال يراوح مكانه، منذ أيام الإعلان عنه، فالسلطة تتكلم عن انتخابات رئاسية، والواقع لا يوحي بذلك ولا ببوادره ومبشراته؛ بل إن رئيس الدولة نفسه الذي هو الرئيس بحكم الدستور لم يجد من يعترف به أو من يعيره اهتماما، بناء على أن الشارع يرفضه، كما يرفض الحكومة، ويرفض غيرها من المؤسسات القائمة.

أما الجيش الوطني الشعبي، الذي يمثل المؤسسة الوحيدة المتماسكة، فيحسب له أنه رافق الحراك وثمن مطالبه المشروعة، وحماه من بعض المؤثرات السلبية عليه، ورغم أنه لم يبد رغبة في التدخل المباشر في الفعل السياسي، فإنه كان طيلة الفترات السابقة لمدة 57 سنة، هو صانع رؤساء الجزائر، بحيث لم يرشح رئيسا ويفوز إلا بقبول وتزكية منه، ومن ثم يصعب عليه إقناع الطبقة السياسية بأنه بعيد عن التدخل في السياسة.

إن موقف الجيش إلى حد الآن مطمئن، بما في ذلك دعمه لخيار السلطة السياسية؛ لأنه يعبر عن خيار كانت ولا تزال تطالب به الطبقة السياسية، ألا وهو استبعاد الجيش من ممارسة السياسة..، ولكن هذا الخيار لا ينجح إلا بمبادرة سياسية مدنية تقوم بها جهة أخرى غير السلطة والمعارضة، سواء من ممثلين عن الحراك أو من المجتمع المدني، نتمنى أن تكون هذه المبادرات، التي أطلقت مع مطلع هذا الأسبوع نواة لذلك.

إن المستغرب خلال أسابيع الحراك هذه – من 22 فبراير إلى 16 مايو- هو غياب مبادرة سياسية مدنية، ترتقي إلى مستوى الحراك والحدث السياسي وما يتطلبه من قوة وتضحية وجدية.

على أن المفترض في الطبقة السياسية المعارضة أن الموسم موسمها، وهي المعنية بالدرجة الأولى بالمبادرات إلى الحل، وتجربتها في ذلك غنية في مازافرون واحد وإثنين، ومباردات الأفافاس وحمس وفكرة المترشح التوافقي في الرئاسيات الملغاة…. كل ذلك تجارب توحي بإمكانية تجسيد مبادرة وطنية تخرج البلاد من أزمتها، ولكن كل ذلك لم يقع بكل أسف، بحيث أن الحراك الشعبي نفسه لا يعلق آمالا كبيرة على الأحزاب السياسية، فلا ندري ما هي الأسباب الحقيقية لهذا التقصير أو العجز… أهي شيطنة السلطة للأحزاب وتجريدها من كل دور فعال؟ أم أنها متهمة بالتهم التي أطلقت على النظام نفسه؟ أم أن حبل الثقة مقطوعا بينها وبين الشعب كما هو مقطوع بينها وبين السلطة؟ أم أن السلطة لا تقبل بهم وهم لا يقبلون بها؟

كل شيء جائز، لكن المقطوع به أن هذه الأحزاب لم تستطع إنجاز شيء ذا قيمة يمكن أن يفرض نفسه على الجميع.

أما بالنسبة للشعب فقد أدى ما عليه؛ لأنه غير مطالب بأكثر مما قام به، ولا يملك أكثر من هذا الذي يقوم به إلا التصعيد، والتصعيد يفضي حتما للصدام، والصدام في النهاية لا يكون إلا بين الأجهزة الأمنية – وعلى رأسها الجيش- وسائر فئات الشعب الذي يتظاهر في الشارع.

إن بقاء الشعب في الشارع غير مأمون العواقب؛ لأنه معرض للإختراق من قبل الفعل المضاد لخيار الشعب، كما أن توقف حراكه أيضا لن يكون في صالح الشعب ولا في صالح البلاد، ومن ثم وجب على الطبقة السياسية والمجتمع المدني، التكثيف من الحراك السياسي النخبوي الداعم للحراك الشعبي، والإكثار من المبادرات للخروج من الأزمة في أقرب وقت اقتصادا في الوقت والجهد والزمن.

عن المحرر

شاهد أيضاً

الحكمة في الجدل السياسي/ التهامي مجوري

  الحكمة هي وضع الشيء في محله، قولا كان أو فعلا أو موقفا أو رأيا، …