الرئيسية | شعاع | في وجوب نصرة العربية تصوّر ومقترحات عملية …/حسن خليفة

في وجوب نصرة العربية تصوّر ومقترحات عملية …/حسن خليفة

 

عطفا على المقال السابق الخاص بوجوب نُصرة اللغة العربية والذي أتصوّر أنه واجب من أوكد وأهمّ الواجبات الدينية والثقافية والأخلاقية، بل هو من واجبات الوقت  أيضا، في ضوءالحرب البشعة المعلنة على العربية، قصدا من الأعداء والخصوم، واستسهالا من بنيها وبناتها، وضعف إدراك لما يُحاك ويدبّر من أجل تجفيف منابع الدين في أوطان المسلمين والعرب، وخارج أوطانهم في المهاجر؛ حيث يتمدد اليمين المتطرّف في أوروبا وغيرها ويعلن صراحة عداءه للمهاجرين واللاجئين وخاصة منهم المسلمين والعرب ..

قلت عطفا على محمول المقال السابق الموجب لأهمية نُصرة العربية وتعزيز استعمالها وتحسين تداولها وتوسيع دائرة استخدامها في كل ميادين الحياة والنشاط والعلم ..أرى أن البرامج والخطط العملية هي الأنسب في  الطرح والاقتراح، وبسط الخطط الواقعية الممكنة التطبيق، تأسيسا على الموارد البشرية والإمكانات المتوفرة التي يمكن تسخيرها لخدمة العربية ..سيكون ذلك مفيدا ونافعا، أفضل من الإغراق في الطروحات والنظريات والتصورات الذهنية والانخراط في البكاء على الأطلال، والاتكتاء في تفسير الواقع علىنظرية المؤامرة، مع استبعاد النقد الذاتي وتسجيل التقصير الموجع من أهل العربية في مختلف مواقعهم.

هذه مقترحات عملية أسردها هنا وأترك للإخوة والأخوات أمر تطويرها وتجليتها :

أولا : مما يجب التأكيد عليه أن أهم عمل في نظام تعزيز العربية وحمايتها واستخدامها على نحو واسع مكين، هو القرار السياسي الصريح والإرادة السياسية السيادية بخصوص تنزيل أجرأة(من الإجراءات) وتطبيق كل ما يتعلق باستخدام العربية على أرض الواقع، ليس فقط بتفعيل القوانين والمراسيم التي تندرج في هذا الخصوص، لكن بإيجاد ترجمة عملية لتلك القوانين وتطبيقها في أرض الواقع في آجال زمنية محددة، على أن تعمّ كل المجالات والحقول ذات الصلة بالتداول والاستخدام اللغوي :كتابة وشفاهة، في مجالات : الاقتصاد، والإدارة، والتجارة، والتربية، والتعليم العاليوسائر المؤسسات والهيئات الوطنية، وذلك بإلزام  تطبيق رزنامة عمل يتم بموجبها إعادة  “السيادة على نحو صريح وواضح للعربية في موطنها، ووجوب تعامل الإدارات بها  في مراسلاتها وتواصلها وأعمالها .وليس كل ذلك بعزيز لو أن الحراك الوطني الشعبي السلمي العالي الزخم أوصل رسالة واضحة إلى الهيئات المعنية ـ بالحكم ـ والحرص على أن تجعل ذلك من مطالب الحراك الأساسية ..باستعادة الهوية الوطنية ممثلة في هذا البعد التواصلي القيمي .

ولن يكون صعبا أبدا تحقيق ذلك وتطبيقه بتدرج على مدى زمني معتبر.  وقد فعلت ذلك كثير من الدول والمجتمعات ولعل الله تعالى ييسّر هذا الأمر فتربح العربية معركة كبيرة من معاركها مع أعداء حاربوها على مدار عقود، لحساب لغة أجنبية تتراجع عالميا، ولا تتقدم إلا في ديار أهل المغرب العربي بتواطؤ الحكّام.

ثانيا:  مما يلحق الجزء الأول والذي أشرنا فيه إلى الإرادة السياسية الصريحة ..ما يتعلق بتعريب الشارع، إذا صحّ التعبير، فالجميع يعرف مدى تمدد الفرنسية خاصة في لافتات لوحات المؤسسات والمصانع والحوانيت والدكاكين والمحلات التجارية ..حتى إن المرء حين يزور بعض المدن يشك أن يكون في بلد عربي، عندما يرى ذلك الطغيان للغة الفرنسية في شوارعها وأزقتهاوتفنّن أصحاب المحلات في اختيار الحروف والكلمات الأعجمية كلافتات وعناوين لمحلاتهم .. وهي لعمري سيئة من سيئات الاستلاب الحضاري الذي ضرب أطنابه في النفوس والعقول، حتى فيما يتصل بأبناء الشعب البسطاء ..وإلا ما الذي يدعوحلاقا إلى كتابة لافتة على محله باللغة الأجنبية، وما الذي يدعو صاحب محل لبيع المرطبات أو مخبزة أو جزار، أو بقال، أو مكتبة ووراقةإنها مؤشرات على ضعف الشخصية وانبهار أمام الغازي .

ودون شك تتحمل الدولة كل المسؤولية في هذا الشأن؛ لأنها هي التي تسمح أو تمنع، وهي الناظم لحياة الناس وهي التي تقود عندما يتصل الأمر بالرأي العام وسياسة الناس، وبسط السيادة الوطنية .

لكن مرت علينا سنون جنون كان من نتائجها هذا التمدد الرهيب للغة الأجنبية ونمط عيشه ونمط تفكيره وأسلوب حياته .ولابد من تصويب هذا الخطأ الكبير، والدولة تقدر على ذلك ..بالتعاون مع المواطنين طبعا.

ثالثا:  مما يستوجب العزم والحزم هو تجند فئات كثيرة متعددة الألوان والأعمال، من الجنسين، من الوطنيين ومحبي العربية، وهم في مواقع متعددة، وأهل قدرة واقتدار، لعلهم عشرات الآلاف، إن لم نقل الملايين، لو اجتمعت كلمتهم وحددوا لهم أهدافا واضحة، بعد تشخيص ودراسة للواقع اللغوي في الوطن، لاستطاعوا أن يأتوا بالأعاجيب في تعزيز العربية وإعادة مجدها المطموس والرقي بها إلى المكانة  “السامقة”   التي هي مكانتها الأصلية : لغة سيادية مستخدمة على نطاق واسع رسميا وشعبيا.

فهل يمكن أن يوجد نفر ممن يجعلون هذا الأمر واحدا من همومهم الحضارية الجميلة ويعكفوا ـ مجتمعين وفرادى ـ على دراسة الخطط المناسبة لهذا الأمر الجليل، والتفكير السليم الجاد سيقود حتما إلى وضع تصوّر جامع واقعي يرضي الجميع ويحقق المطلوب في سنوات قليلةفمن لهذه الوثبة الحضارية الكبرى ؟

رابعا:  وجوب التعاون الحقيقي المثمر بين مؤسسات متخصصة كالمجلس الأعلى للغة العربية والمجامع اللغوية والمخابر المتخصصة أيضا في الجامعات، وكذا كليات الآداب واللغات وأقسام اللغة العربية، بأساتذتها وخبرائها وطلابها وطالباتها، وهم ألوف مؤلفة فيهم أرفع المقتدرين وأقوى اللغويين وأكبر القامات من أهل الاختصاص، إن تعاونت ستحقق الكثير المرضي، ليس بتكثير سواد المهتمين والمشتغلين فقط، بل بخطط عملية تحقق للعربية علوّ المكانة ودوام الاستخدام، والارتقاء بالأداء اللغوي والذائقة اللغوية وتوسيع دائرة جماليات العربية في النفوس والعقول ..وينبغي أن تكون له ـ أيضا ـ خطط وبرامج وأنشطة وفعاليات ..والأمر متيسر لو حسُنت النيات ..ومسحنا عن نفوسنا ما علاها من غبار الكسل والوجل والوهن ..

خامسا:  تبقى هناك الكثير من الخطط والتصورات ذات الصلة المباشرة بجمعية العلماء وأعضائها وعلمائها وخبرائها وأساتذتها وشُعبها ..وما يمكن أن تقدمه بدورها منفردة، أو مع جمعيات وهيئات أخرى ..وذلك هو مدار الكلام في المقال القادم بحول الله تعالى .

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

عود على بدء … في أهمية الرؤية لصناعة مستقبل الجمعية/ د. حسن خليفة

 دونما تعمّق في التفاصيل المتصلة بالرؤية وطبيعتها وأهميتها وطرائق صناعتها، وهي ثقافة أساسية لكل فرد …