الرئيسية | في رحاب الشريعة | عقيدتي شريان حياتي/ د. عمار قاسمي

عقيدتي شريان حياتي/ د. عمار قاسمي

 

بعد أن تسلط الأعداء من الداخل والخارج وانفرط عقد الأمة بإلغاء الخلافة التي ظلت جوهر النظام السياسي الإسلامي منذ وفاة النبي r، وتم تقسيمها إلى دوليات على النمط الثقافي الغربي، تحولت إلى أمة بالاسم وتوسعت حاجاتها؛ فقد ابتليت بالاحتلال الغربي الذي سلب ثرواتها المادية والبشرية، والعلمية وتسبب في ضعفها الديني والدنيوي، بعد أن أمطرها بوابل من المذاهب الفلسفية والتيارات الإيديولوجية والنزعات الفنية والأدبية، فاتجهت هذه الحاجات نحو هدفين؛ إصلاح أمر دينها بالقضاء على الجهل بالدين وانتشار البدع والخرافات.. وإصلاح أمر الدنيا بالعلوم الحديثة وفقه علماء الشريعة.

ولما حصل تقدم دنيوي كبير في الغرب نتيجة التطور العلمي في المنطق وعلوم الطبيعة والرياضيات، تبعه تقدم صناعي وتقني هائل ولحقه تقدم في العلوم الاجتماعية والإنسانية، انبهر العرب والمسلمون بهذا التقدم مرة أخرى، رغم أنه اختلط بانحرافات كبيرة خاصة موقفه من الدين؛ فقد ارتبط العلم الغربي في مناهجه ونظرياته وتوجهاته بالإلحاد منذ القرن التاسع عشر، وانفصل تماما عن الفلسفة، وتُوِّج هذا الانبهار بإرسال بعثات علمية إلى بلاد الغرب، مثل التي قام بها محمد علي باشا، فدخلت الانحرافات المرتبطة بحركة العلم إلى بلاد المسلمين في صور مختلفة، وامتدت حتى إلى المجالات الغيبية المتعلقة بالعقيدة، فأحدثت صراعا فكريا كبيرا أدى إلى انقسام المسلمين مرة أخرى إلى ثلاثة اتجاهات هي: الاتجاه السلفي الذي يدعو إلى التأصيل الإسلامي النافع من هذه العلوم، وإلى نقد الضار منها وفق منهجية إسلامية شاملة، متمثلا في مشروع أسلمة المعرفة والعلوم وهو مشروع قديم، يعتبر امتدادا للمشروع ألتأصيلي في الحقبة الماضية التي يمثلها ابن القيم والشافعي والشاطبي وغيرهم كثير.

والاتجاه العصري الذي تأثر ببعض الانحرافات وتوهم ضرورة الفصل بين الدين والعلم، واضطر إلى تحريف النصوص الشرعية والقضايا الدينية من أجل موافقة العلم، ودعا إلى مواصلة طريقة المتقدمين من أهل الكلام وغيرهم فقدموا العلم على النقل وتأولوا النقل عندما توهموا التعارض مثلما سبّق أسلافهم العقل على النقل.

وأخيرا الاتجاه التغريبي، وهو الاتجاه الذي تبنَّى كل ما في الغرب بما في ذلك العلوم الحديثة ومناهجها ونظرياتها، ومفاهيمها، بخيرها وشرها، كما هي، حتى ذلك التعارض الواضح مع الدين والعقيدة، ولم يفرقوا بين الصحيح والفاسد فدعا بعضهم إلى إعادة النظر في الدين حتى يتوافق مع العلم الحديث، وبعضهم اعتبر الدين قضية روحية شخصية لا علاقة له بالحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وبعضهم اعتبره مرحلة خرافية يجب تجاوزها، من هنا جاء مشروع أسلمة المعرفة لإعادة توجيه العلوم والمعرفة توجيها إسلاميا.

وقد عمل المستشرقون على صهر هذه الاتجاهات وتوجيه حركتها الفكرية، حيث أصبح المسلمون يتلقون معلوماتهم التاريخية منهم ومن تلامذتهم، الذين صورا التاريخ الإسلامي تصويرا مزيفا ونظروا إلى الخلافة العثمانية بمنظار الاستعمار البغيض مكتفين بسنواتها الأخيرة دون أمجادها الأولى، حيث صدت هجمات الغرب طوال ما يقرب من خمسة قرون.

ولنقف قليلا لنتأمل ما حصل لنا من تقهقر نتيجة تخلينا عن نظام الخلافة الذي حقق وحدة المسلمين في أحلك العصور التاريخية، وظلت قلوب المسلمين معلقة به حتى أرغمت بالقوة العسكرية على يد مصطفى كمال أتاتورك ووراءه أوروبا والمخطط الصهيوني الصليبي عن التخلي عنه، وأخذت تطبق النظم الأوروبية الشرقية والغربية، في وقت اتجهت فيه قوى الكفر إلى العالمية، حيث أذاب الروس القوميات والشعوب في بوتقة الشيوعية العالمية، وبالمثل حققت الولايات المتحدة الأمريكية الترابط بين الشعوب والجنسيات المختلفة التي هاجرت إلى العالم الجديد، مدمجة إياها في نظام سياسي موحد.

ألا يحق لنا أن نتمسك بعالمية النظام الذي حققته الخلافة، في الوقت الذي يتجه فيه العصر إلى الوحدة والعالمية، فحتى يفهم الطالب حاضره العقدي، عليه أن يفهم الماضي، لأن الحاضر نتيجة الماضي، ثم يسير خطوات سليمة نحو المستقبل، بعد الدراسة الواعية واستخلاص العبر، والاستفادة من الأخطاء، والتعلم من دروس التاريخ الصحيح المدعم بالوثائق.

كيف يمكن لهذا الشباب الجامعي الذي تم تشتيته في تخصصات مختلفة، كل تخصص ينفصل كلية عن باقي التخصصات، وأغلب التخصصات لا تمت بصلة إلى العقيدة، وواقع منفصل عن القيم الإسلامية، أن تكون له الرغبة في التواصل مع العقيدة والمقاصد الإسلامية لتوليد فكر إسلامي واقعي فعال؟.

كيف يمكن تثبيت العقيدة في الشباب المسلم في ظل المؤثرات الخارجية المحيطة به والغزو التغريبي؟ الأمة لا تنقصها الموارد والقيم والأهداف السامية ومع ذلك فهي متدهورة.

نتيجة الظروف السابقة التي تم التعريج عليها حصلت ثلاثة انحرافات كبيرة؛ الانحراف العقدي والانحراف المنهجي والانحراف الواقعي، وكل هذه الانحرافات أصلها الانحراف العقدي الذي سببه الأساسي هو فصل الإنسان عن الدين.

فتصحيح وترسيخ العقائد الصحيحة ينتج جيلا معافى من الممارسات المشوهة؛ فأزمة العقيدة والمنهج أنتجتا أزمة الفكر، فكان من نتائج ذلك إفراز تشوهات وثقافة لا علاقة لها بالثقافة الأصل.

فتنقية العقيدة يؤدي إلى تصحيح المنهج، فيقود ذلك إلى التفكير السليم الذي هو وسيلة لإدراك التشوهات ومعرفة كيفية تنقية الثقافة.

وتنقية العقيدة يأتي من التربية العقدية الصحيحة التي هي مهمة الدولة، في ضبط المناهج والبرامج وتحديد المرجعيات وتعيين الأهداف.

لن يذهب التقليد والمحاكاة، ولن تُستخدم الوسائل والثروات، ولن يعتدل الميزان، ولن تستقيم الأمور، ولن يتبدل الحال إذا لم يكن هناك رؤية عقدية صحيحة، تعطي للإنسان معنا حقيقيا إيجابيا للوجود، وغاية وهدفا دافعا لهذا الوجود، تكون بمنزلة المحرك والدافع للفعل والعطاء والحركة الحضارية، فالوسطية في العقيدة الإسلامية هي التي تعطي القوة الروحية المناسبة التي تنتج الحركة والدفع.

لن يتبدل الحال دون رؤية توحيدية نابعة من العقيدة تجمع شتات الأمة، وتعطي للإنسان المعرفة، وتوفر المنهج وأساليب التربية، فالرؤية التوحيدية هي التي حركت المجتمع الإسلامي الأول وهي التي تحرك هذا المجتمع، لهذا يجب فهم دلالاتها وأهميتها وقضاياها وكيفية بلوغ هذه الرؤية بالارتقاء من التجربة الإسلامية وتطبيق أركان الإسلام، ثم التجربة الإيمانية وتطبيق أركان الإيمان، ثم التجربة الإحسانية وتطبيق أركان الإحسان.

والرؤية التوحيدية هي التي تحقق الفهم وتبصرنا بالانحرافات العقدية والمنهجية، وكيفية التصدي لها، وكيفية فهم معنى النفس والذات ومعنى الوجود والدنيا ومعنى الآخرة، فالهجمة الغربية سحبت المسلم إلى حب الدنيا والالتصاق بالأرض، مما أدى إلى زوال القيم وكراهية الموت فانسحبت العقيدة من نفسه وهذا هو مضمون الحديث الشريف ((يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها)).

فالإنسان ليس مجرد ذات تكون النوع الإنساني، وإنما هو كائن مركب ينتج حضارة، وهو في الوقت ذاته نتاج الحضارة، فعلاقة العبادة والتدرج من التربية الإسلامية إلى التربية الإيمانية إلى التربية الإحسانية، هي التي تنتج القوة الروحية العقدية، وهذه الأخيرة تلد العلاقات الاجتماعية التي بدورها تربط الإنسان بدائرة العروبة ثم دائرة الإسلام ثم دائرة الإنسانية، فهذه العلاقة تولد في صورة أخلاق، والأخلاق هي التي تحدث التراص في صفوف الأمة ثم الإنسانية جمعاء.

أبنائي الطلبة إنني أوصيكم بما أوصانا به العلامة الشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله..

إنكم لا تحققون هذه الواجبات إلا إذا انقطعتم لطلب العلم، وأنفقتم جل وقتكم في تحصيله، وعكفتم على أخذه من أفواه الرجال وبطون الكتب، واستثرتم كنوزه بالبحث والمطالعة وكثرة المناظرة والمراجعة، لا المجادلة والمصاعرة، ووصلتم في طلبه سواد الليل ببياض النهار.

فأسلافنا قد انضبطوا بكتاب الله وسنة رسولهr في طلب العلم، فقطعوا البراري والصحاري والقفار، وتحملوا الجوع والظمأ والعرى، ولكنهم لم يضيعوا أوقاتهم إذا وصولوا إلى أماكن العلم ولقوا رجاله، في مثل ما تضيعونه أنتم، كانوا يحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا، ويزنوا أعمالهم قبل أن توزن عليهم، فقاربوا سيرتكم بسيرتهم، وتحصيلكم بتحصيلهم.

أبنائي الطلبة: الحياة قسمان؛ علمية وعملية، والحياة العملية تنبني على الحياة العلمية قوة وضعفا وإنتاجا وعقما، وإنكم لا تكونوا أقوياء في العمل إلا إذا كنتم أقوياء في العلم، ولا تكونوا أقوياء في العلم إلا إذا كنتم أقوياء في العقيدة، ولا تكونوا أقوياء في العقيدة إلا بالعبادة؛ فالتوحيد هو إفراد الله بالعبادة:)وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ([الذاريات:56]، وأن هذه العبادة لا تحصل إلا إذا حصل الكفر بالطاغوط:)فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ([البقرة:256]، -والطاغوط هو كل ما عُبد من دون الله-.

ولا تحصل إلا إذا عرف الطالب الحكمة من خلق الملائكة والجن والإنس، والحكمة من إرسال الرسل، وأن دين الأنبياء واحد، ويعرف عقيدة اليوم الآخر وكل ما يتعلق بها؛ من البعث والنشور والجنة والنار والحساب والصراط…، فالتوحيد أساس الأعمال وأصلها، ولا تصح إلا به، وهو أعظم الأعمال لتكفير الذنوب )الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ([الأنعام:82]…

أبنائي الطلبة: لا تعتمدوا على الدروس وحدها واعتمدوا معها على العبادة وحِلق الذكر، فالعقيدة هي لقاح العلم، تُوَّجِّهه الوجهة الصحيحة، فما أصاب البشر اليوم من فتنة ونكبة وهلاك وانحطاط في القيم، سوى التوجيه المنحرف للعلم من طرف قوى الكفر والإلحاد، فقد نشطت حركة العلم والترجمة في أوربا بين القرنين 12 و13 م وتم نقل علوم المسلمين الكثيرة، عن طريق مراكز التجمع الثقافية الكبرى التي كانت إسلامية؛ طليطلة والقستنطينة وصيقلية.. وتأسست الجامعات الغربية وأرسلت البعثات العلمية، ورفعوا شعار الممنوع والمسموح (الممنوع دين المسلمين والمسموح علوم المسلمين)، ووجهوا العلم توجيها إلحاديا.

فاستثمروا أوقاتكم حين تخرجون من الدروس في مذاكرة تلك الدروس، وتوسيع المدارك، بالمطالعة في المكتبات، والاحتكاك بأهل العلم، والطلبة في التخصصات المغايرة لتخصصكم، ولا تنسوا وسهر الليالي بالصلاة والذكر، فإن فعلتم فُتحت لكم أبواب العلم ولاحت لكم آفاق واسعة من الفهم.

ابدءوا بحفظ القرآن الكريم والأربعين النووية، ومدارسة الموطأ كل نصف شهر، ثم أحفظوا المتون، ولا تقتصروا عليها، بل اقرءوا كل ما يقوي مادتكم اللغوية، وينمي ثروتكم الفكرية، ويغذي ملكتكم البيانية، فالقرآن يربي اللسان على قوة الاستشهاد، ويربي الفكر على الاعتبار بسنن الله سبحانه وتعالى في الآفاق والأنفس والهداية والتأييد، واتركوا الذين يدعوكم إلى السبل، إنهم إنما يدعوكم ليظلكم عن سبيل العلم، فالصديق المُضل مُضِرٌّ.

الوطن يحتاج إلى جيل قوي الروح وقوي البدن، فلا يكون قوي الروح إلا إذا قويت عقيدته، ولا يكون قوي البدن إلا إذا ابتعد عن كل المضار والمفلسات كالتدخين والمحرمات من الخمر والزنى..

أبنائي الطلبة: لا تبنوا مستقبلكم على خيالات وأماني من الراحة ورفاهية العيش يوم تنتقلون إلى العمل بعد التخرج، فالنعم لا تدوم، فمن وطن نفسه على المكاره هانت عليه الشدائد، أطلبوا العلم لوجه الله، ولوجه العِلم، ولوجه الوطن، لا تطلبوه لنيل الشهادات والوظائف والثراء.

أبنائي الطلبة: لا تزكوا أنفسكم، ولا يأخذكم الغرور إذا حصلتم ما حصلتم من العلم، لا تضعوا أنفسكم في دائرة ضيقة، فيرسخ في أذهانكم بأنكم بلغتم الكمال، احترموا أساتذتكم ووسعوا مدارككم ودوائر تفكيركم، فأنتم عرب وكل عربي أخ لك أخوة الدم، وأنتم مسلمون وكل مسلم أخ لك أخوة الدين، وأنتم بشر وكل بشر أخ لك أخوة الإنسانية، ويجب أن تعطي كل أخوة حقها فضلا وعدلا.

أبنائي الطلبة: عليكم بـ: التسامي إلى معالي الحياة والإقدام على العظائم في غير تهور، والإحجام عن الصغائر في غير جبن، وعليكم بتجاوز كل القيود والعوائق التي تصد طريق العلم، وتقوية عزائمكم بنشاط الجوارح، وذكاء القلب وشهامة الفؤاد، وعليكم بتقدير موقع الرجال، وتقدير العلم والعلماء، واجعلوا أول الفكر آخر العمل، وأقبلوا على العلم إقبال النحل على الأزهار والثمار لتصنع الشهد والشمع والنمل، واقبلوا على العمل إقبال النمل تجد لتجد وتدخر لتفتخر.

والحمد لله رب العالمين.

عن المحرر

شاهد أيضاً

حكم الزوج المدمن على الخمر والسكر وإهانة الزوجة والأولاد بالضرب/ محمد مكركب

قالت السائلة: إنها متزوجة منذ:(17سنة) وزوجها مدمن على الخمر، يشرب الخمر حتى يسكر ثم يضربها …