الرئيسية | وراء الأحداث | في الذكرى 74 لمجازر الثامن ماي 1945 …هل آن أوان تجريم فرنسا ؟/ عبد الحميد عبدوس

في الذكرى 74 لمجازر الثامن ماي 1945 …هل آن أوان تجريم فرنسا ؟/ عبد الحميد عبدوس

ما زالت الطقوس الاحتفالية والبروتوكولية تتحكم في التعامل مع أحد أكبر أحداث التاريخ الوطني المتمثلة في ذكرى مجازر الثامن ماي 1945، وكتجسيد لذلك جاء تنظيم المجلس الشعبي الوطني يوم 8 ماي 2019 يوما برلمانيا عن ذكرى المجزرة حضره عدد من النواب يعدون على أصابع اليد الواحدة، وقاطعه جل النواب البالغ عددهم 462 نائبا، بمن فيهم نواب حزب جبهة التحرير الوطني بسبب ترأس معاذ بوشارب للمجلس رغم أنه مرفوض شعبيا ومطالب من طرف الحراك الشعبي بالرحيل من الساحة السياسية ضمن مجموعة “الباءات الثلاثة”.

يقدر بعض نواب البرلمان وممثلو الطبقة السياسية أن الإجراء اللائق بإحياء عظمة الذكرى في هذه السنة المتميزة في تاريخ الجزائر المستقلة  كان يتمثل في إعادة طرح وتفعيل قانون تجريم الاستعمار الفرنسي، الذي تم وأده بسبب ضغوط السلطات الفرنسية وتواطؤ عصابة النفوذ الفرنسي في الجزائر تحت حكم الرئيس المقال عبد العزيز بوتفليقة، حيث قام كل من رئيسي المجلس الشعبي الوطني الاسبقين عمار سعداني، وعبد العزيز زياري بتجميد مشروع قانون تجريم الاستعمار وسحبه من جدول أعمال المجلس بعد حصول المشروع على الأغلبية اللازمة لإقراره وإصداره في شكل قانون ملزم للدولة الجزائرية.

إن تحكم اللوبي الفرنسي في مقاليد الدولة الجزائرية منذ بداية فترة التسعينيات إلى سقوط نظام بوتفليقة يفسر لماذا كان وزير الخارجية الفرنسي الأسبق بيرنارد كوشنر واثقا من نفسه وهو يصرح بأن الحكومة الجزائرية لن توافق على إصدار قانون تجريم الاستعمار في الوقت الذي كانت مناقشة هذا القانون ومساعي استصداره في المجلس الشعبي الوطني تحظى بدعم أغلبية النواب وبتأييد وحماس شعبي كبيرين، وبعد تصريح بيرنارد كوشنر بأيام قلائل، أكد رئيس المجلس الشعبي الوطني عبد العزيز زياري في سبتمبر 2010أن:” مشروع القانون تجريم الاستعمار لن يكون مطروحا على البرلمان خلال دورته الجارية ولا الدورة القادمة وذلك لاعتبارات دبلوماسية وقانونية”.

وأصبح واضحا أن تلاعب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بمشاعر الجزائريين عندما صرح خلال زيارته للجزائر في شهر فيفري 2017 بصفته مترشحا لانتخابات الرئاسة الفرنسية بأن ما قامت به فرنسا في الجزائر”هو شكل من جرائم ضد الإنسانية وأن الاستعمار جزء من التاريخ الفرنسي، إنه جريمة، جريمة ضد الإنسانية”.

ثم بعد ستة أشهر من انتخابه رئيسا لفرنسا لحس كلامه بلا خجل ولا وجل، وصرح في نهاية نوفمبر 2017، في بوركينافاسو أن ” فرنسا اليوم لا تتحمل استعمار الأمس”. لقد  تجرأ على اتخاذ هذا الموقف المخزي من الماضي الاستعماري الفرنسي للجزائر بسبب معرفته بحقيقة رد فعل جماعة بوتفليقة المستهتر بكرامة الشعب وسيادته.

جريمة الثامن ماي 1945  لم تكن معزولة أو متفردة في سجل الهمجية الفرنسية في الجزائر، بل كانت مخططة ومتعمدة، فغداة مظاهرة الثامن ماي 1945م أعطى حاكم فرنسا الاستعمارية الجنرال شارل ديغول أوامره الصارمة لقوات الاحتلال في الجزائر بالقول:” استعيدوا النظام“!فتصدت قوات الاحتلال الفرنسي  للمتظاهرين العزل بنيران الدبابات والطائرات والمدافع والرشاشات، وجندت قواتها البرية والبحرية والجوية لارتكاب مذابح بشعة راح ضحيتها أزيد من 45 ألف شهيد، ولم يكتف المحتل الفرنسي بالتقتيل والترويع للمدنيين المتظاهرين، ولكنه قام أيضا بحل الحركات الوطنية والأحزاب السياسية الجزائرية وزج بزعماء تلك الحركات في السجون مع إعلان الأحكام العرفية في كافة البلاد وإلقاء القبض على آلاف المواطنين، وإيداعهم المعتقلات بحجة أنهم خارجون عن القانون وإصدار في حقهم أحكاما بالإعدام والسجن المؤبد والنفي خارج الوطن والحرمان من الحقوق المدنية. وللمفارقة إن كل هذه الأعمال التي تفوق في وحشيتها الممارسات النازية كانت بأمر مباشر من بطل تحرير فرنسا الجنرال ديغول، حيث قامت الحكومة العامة الفرنسية في 12 ماي1945م بالإبلاغ عن برقية أرسلها ديغول مؤكدا فيها: “رغبة فرنسا المنتصرة في عدم السماح بالمساس بسيادة فرنسا بالجزائر”، وطالب باتخاذ الإجراءات اللازمة لقمع كل السلوكات المعادية لفرنسا والتي تقوم بها أقلية من المحرضين حسب قوله؛ وبعد هذه المجزرة التاريخية للجزائريين المنتفضين سلميا في 8 ماي 1945م أبرق الحاكم العام الفرنسي في الجزائر لقائده الجنرال ديغول يقول له:” إن العرب خضعوا بعد إبادتهم”. وذكرت الكاتبة فرانسيس ديساني أن السفير الأمـريكي في القاهرة بانكنـي توك أخبر رئيس الجامعة العربية عزام باشا بأن هناك “45 ألف جزائري” قتلهم الفرنسيون في مظاهرات 8 ماي 1945م، مما أغضب الجنرال ديغول من هذا التصريح باعتبار ما قامت به فرنسا في الجزائر “قضية داخلية!”.

كان يجب انتظار عام 2011م، أي بعد مرور 66 سنة على جريمة فرنسا في 8 ماي 1945م، حتى بدأت بعض تصريحات المسؤولين الفرنسيين تشير على مضض إلى بشاعة ما اقترفته فرنسا المحتلة في حق الشعب الجزائري على غرار ما صرح به السفير الفرنسي بالجزائر -آنذاك – كزافييه  دريانكور، بأن فرنسا لم تتنكر أبدا لمسؤوليتها تجاه بعض الأحداث المؤلمة التي وقعت خلال فترة الاستعمار، ولكنه أضاف حول ضرورة اعتراف فرنسا بجرائمها في مجازر 8 ماي 1945م متهربا من السؤال بالقول:” أتركوا بعض الأشياء للوقت… الوقت سيتكفل بها”.

وفي ديسمبر 2012م اعترف فرنسوا هولاند بـ: “العذاب الّذي تسبّب فيه الاحتلال” للجزائريين، وندّد بـ:”النظام الظالم والوحشي للغاية”. ولكن رغم صدور العديد من الشهادات والاعترافات من جنود وضباط فرنسيين كانوا شهودا على الحدث أو مشاركين فيه، ومع توفر الوثائق الدامغة والحقائق التاريخية الساطعة عن مسؤولية الدولة الفرنسية عن ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية بصورة مخططة وممنهجة ضد المدنيين الجزائريين، فإن رفض الاعتراف بالجرائم وتقديم الاعتذار والتعويضات اللازمة للضحايا كان بسبب اطمئنان السلطات الفرنسية على أن عملاءها ووكلاءها في الجزائر يؤيدون لعبة الخداع والتضليل التي يلعبها أسيادهم في فرنسا بخصوص ملف الذاكرة مع الجزائر التي عبر عنها المؤرخ الفرنسي بنيامين ستورا بالقول في أحد حواراته الصحفية:” إن هناك خطابين (عند الرسميين الفرنسيين) الأول يخص السياسة الخارجية، ويتضمن خطوات لبناء اعتراف؛ والثاني داخلي موجه إلى زبائن عدد الناخبين، يراعي وجود حساسيات تجاه كل ما هو اعتراف واعتذار بما وقع في الجزائر خلال فترة الاستعمار الفرنسي”.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الآفة التي أسقطت حكم بوتفليقة.. !/ عبد الحميد عبدوس

للجمعة الثامنة على التوالي غصت شوارع الجزائر ومدنها بملايين المحتجين السلميين، فعلى مدى ثمان جمع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *