الرئيسية | في رحاب السنة | الحوار في السنة المطهرة ودلالته الدعوية/ د. إبراهيم نويري

الحوار في السنة المطهرة ودلالته الدعوية/ د. إبراهيم نويري

مما لا ريب فيه أنّ السنة النبوية الشريفة المطهّرة كنزٌ جليل القيمة، وبحرٌ خِضمٌ مترعٌ بالعلم والمعرفة والأخلاق والمسالك الإنسانية الراشدة والمواقف الحضارية المشرقة النبيلة التي تصلح معياراً للعلاقات بين بني البشر في كلّ زمان ومكان .. والمعنى الأصلي للسنة ــ في لغة العرب ـــ أنها الطريقة مطلقا حسنةً كانت أم سيئة، وقد ورد هذا المعنى في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى:{قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ}[آل عمران:137] .

ومن أقرب الكلمات والألفاظ العربية لهذا المعنى: السبيل، الصراط، النهج .. إلخ، بيد أنها تعني في مصطلحها الشرعي: الصورة العملية الواقعية التي طبّق بها النبيّ صلى الله عليه وسلم أوامر القرآن ومقاصده العامة في شتى مجالات الحياة. ويبدو من بعض النصوص أنها أشمل من هذا التعريف لأنها تستقل بالتشريع أحياناً فيما لم يرد فيه نص صريح في القرآن الكريم، والأمثلة على ذلك كثيرة، لا مجال لذكرها في هذا المقال المقتضب.

ولذلك توسّع علماءُ الأصول في هذه المسألة المهمة  المركزية في الإسلام؛ فقسموا السنة إلى: قولية وفعلية وتقريرية، وهو موضوع كبير جدا، تُستمد منه الكثير من أحكام ومقرّرات الشريعة السمحة الغراء.

ونود في هذه الأسطر العجلى أن نتحدّث عن قبس منير من قبسات السنة الشريفة، ألا وهو( الحوار)، بمعنى الجدال المفضي إلى الإقناع. وهو موضوع على درجة كبيرة جداً من الأهمية لصلته المباشرة والحيوية بالدعوة والسلوك الأمثل في معاملة الناس جميعاً مسلمين كانوا أم غير مسلمين.

لقد حاول بعضُ الباحثين في بحر السنة المطهّرة الخضم أن يحصوا القصص التي وردت في السنة الشريفة، فوجدوا اثنتين وسبعين قصة تضمنت مائة وأربع وستين صورة أو أنموذجا للحوار. وقد أثبت هذه المعلومة المهمة الدكتور محمد حسن الزيرــ جزاه الله خيراً ـــ في كتابه المشهور( القصص في الحديث النبوي: دراسة فنية موضوعية).

وإذا كان المقام لا يتسع للحديث المفصّل عن هذه النماذج الحوارية الراقية، فلا بأس أن نشير إلى بعضها، مثل حوار النبي صلى الله عليه وسلم مع أحد أحبار اليهود، وقد ذكر هذه القصة الطريفة الإمام مسلم في صحيحه “كتاب الحيض” تحديداً .

ومنها أيضا حواره صلى الله عليه وسلم مع ضمام بن ثعلبة، الذي سأله عمن خلق السماوات والأرض والجبال، وعن الصلاة والزكاة والصوم والحج .. إلخ. ومنها كذلك حواره مع السعدين (سعد بن معاذ وسعد بن عبادة رضي الله عنهما) في غزوة الأحزاب المشهورة بـ “الخندق”؛ ومنها أيضا إخباره صلى الله عليه وسلم بقصة الغلام المؤمن وما تضمنه من حوار ممتع بين الملك والراهب، وبين الغلام وجليس الملك، وبين الغلام والملك . ومن النماذج الحوارية المهمة أيضا حواره صلى الله عليه وسلم مع وفد عبد القيس حين قدومه عليه بغرض شرح الإسلام والدخول في دين الله عن بصيرة وبرهان.

فكل هذه الأمثلة والنماذج الحوارية، تصلح أسلوبا حضارياً لإقناع المخالفين في الرأي ــ مسلمين كانوا أم غير مسلمين ـــ والبناء على نتائجها مواقف إنسانية مشرقة خالدة، تُسهم في ترقية أذواق الناس وتعديل سلوكياتهم وترشيدها إلى النهج الأقوم.

ولعله من المناسب أن نعرض أحد أساليب الحوار في السنة المطهرة في قصة الشاب الذي قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستأذنه في الزنا !!

فقد روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده عن أبي أمامة قال: إن فتىً شاباً أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله: ائذن لي بالزنا .. فأقبل القوم عليه فزجروه، وقالوا: مهٍ مهٍ ( مَهْ: اسم فعل أمر بمعنى اسكت، مبني على السكون، لكن إذا كُرر يُدغم السكون فيصبح اللفظ منونا بالخفض) .. فقال له رسول الله: ادن، فدنا منه قريباً،  قال: فجلس. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتحبه لأمك؟ قال: لا. جعلني الله فداءك، قال:” ولا الناس يحبونه لبناتهم” . ثم قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال:” ولا الناس يحبونه لأخواتهم “؛ قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال:” ولا الناس يحبونه لعماتهم”؛ قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءك، قال: ” ولا الناس يحبونه لخالاتهم”. ثم وضع يده الشريفة عليه وقال:” اللهم اغفر ذنبه وطهّر قلبه، وحصّن فرجه” فلم يكن بعد ذلك يلتفت إلى شيء.( أي الشاب).

السؤال المهم هنا: ماذا لو أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم عنّف هذا الشاب وزجره، ورفض الرد على سؤاله ومسألته التي فرضت نفسها عليه كشاب في مقتبل العمر يصبو إلى السفاد والوصال؟ إن الصحابة الكرام رضي الله عنهم، عندما طلبوا منه أن يسكت، انطلقوا من قاعدة واحدة فحسب ألا وهي حرمة الزنا وبشاعته وقبحه؛ وبالتالي قدّروا بأنه ما كان لمثل هذا الشاب أن يطرح هذا الموضوع على رسول الله، ناهيك عن أن يستـأذنه في أن يبيحه له !!

أما نبي الهدى صلى الله عليه وسلم، فقد سلك مسلك الحوار ــ بدل مسلك الزجر ــ وهو مسلك بُناة الإنسان والحضارة، حيث أدنى الشاب إليه، وشرع في مخاطبة فطرته وعقله وضميره وعاطفته، بأسلوب التمثيل الإقناعي، إلى أن شعر بامتلاء روح الشاب قناعة وبنزوعه نحو الفطرة الصحيحة، ثم دعا له دعاءً عظيما، جعل ذلك الشاب ــ كما قال راوي الحديث ـــ لا يفكر مرة أخرى أبداً في المسألة التي أقبل من أجلها .

أعتقد جازماً بأنّ الحوار فضيلة من أجلّ وأعظم الفضائل الإنسانية، ولذلك فقد احتفى به القرآن الكريم، كما احتفت به السنة المطهرة، وتمثله رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته الشريفة وفي علاقاته العامة والخاصة على السواء؛ ومن ثمة ينبغي على المسلمين في هذا العصر العودة إلى هذه الفضيلة الجليلة والإفادة منها إلى أبعد مدى، لحلّ المعضلات والمشكلات الكثيرة الموجودة في حياة الأفراد والجماعات والمجتمعات والدول؛ ولا أبالغ إذا قلت بأن الاستمداد من نماذج الحوار الثابتة في السنة النبوية الشريفة وفي سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، يمثل معيناً ثراً وخصباً ، لتأسيس مناهج متكاملة في فنون الحوار كأداة للإقناع وكوسيلة لجعل الحياة سهلة ميسورة، والارتقاء بالعلاقات بين المسلمين إلى المستوى الذي يدعو له الإسلام وشريعته الغراء .

والله وليّ التوفيق

عن المحرر

شاهد أيضاً

مراحــــل الــدعـــوة النبــويـــة فـي مـكـــة1/ خير الدين هني

المرحلة الثالثة: حينما انتهت المرحلة الثانية وهي المرحلة السرية التي كانت تجري وقائعها في دار …