الرئيسية | أقلام القراء | عوامل التطاوع والتفاهم من العلوم السياسية فن التطاوع بين الرئيس والمرؤوسين/ محمد مكركب

عوامل التطاوع والتفاهم من العلوم السياسية فن التطاوع بين الرئيس والمرؤوسين/ محمد مكركب

(شعرة معاوية) هذا مثل يضرب في بناء العلاقات السياسية، وبالضبط في فن التطاوع. ومنه المثل:(خلوا بيني وبين ناقتي) والسياسة عموما، تخص كل تعامل بين اثنين أو بين جماعة، لكن في الاصطلاح، جاءت السياسة، من السَّوْسُ والسياسة: الرِّياسَةُ، والإمارة، والسلطان، يُقَالُ سَاسَ الأمير القوم، قَامَ بجمعهم، وإلزامهم على العمل بشريعة الله. وهذا هو المعنى الدقيق لكلمة (السلطة السياسية) يعني أن السلطة السياسة هي القيادة، أو الإمارة، أو الإمامة، أو الخلافة، التي تجمع الرعية بالعلم والحكمة، وتجعلهم جميعا يعملون بما أمر الله عباده، بكل حزم وعزم. ولا معنى للسياسة في الإسلام خارج الشريعة الإسلامية.

نعم إن موضوع التطاوع قضية سياسية دقيقة، في آداب الأخوة، والقيادة، والمواطنة. وفي الحديث: [كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الْأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ] فكان الأنبياء يقومون بدور سياسة الدولة، في التنظيم، والقيادة، والتوجيه، والجهاد، والاقتصاد، بمعنى أن الرسول عليه الصلاة والسلام، المبلغ عن الله تعالى للناس، الذي يعلم الناس دينهم، هو صلى الله عليه وسلم الذي كان يقوم بتسيير شئون الدولة، ولما كان العلماء هم ورثة الأنبياء، كان المفروض أن يتولوا هم تسيير شئون الدولة في كل عصر، فلما آل الأمر إلى غير العلماء، حدث البلاء.

عن سعيد بن أبي بردة، قال: سمعت أبي، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبي، ومعاذ بن جبل، إلى اليمن، فقال: [يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا] (البخاري. كتاب الأحكام.) أورد البخاري هذا الحديث تحت ترجمة [باب أمر الوالي إذا وجه أميرين إلى موضع: أن يتطاوعا ولا يتعاصيا] فالتيسير والتبشير، والتطاوع بين المسلمين، من جملة القيم والآداب السياسية.

أول عامل من عوامل التطاوع خاصة بين الأمراء في الدولة، وبين الأمير والجند، وفي كل العلاقات.

النية الخالصة: نية التآخي، والتعاون، والتآلف. أي كلما كانت نية المسلم بأنه  يتعاون مع إخوانه، فإن الله تعالى يوفقه، بأن تكون نية الوزير والأمير، والوالي، والمير، خدمة الأمة، وليس المناصب والمكاسب والمراتب.

وإذا كانت نيته المسئول أن يتعالى عليهم، بأنانيته وعجبه، فإنه يكون مصدر شؤم وصراع بين إخوانه. وهذا هو الذي يقع الآن بين كثير من الشعوب العربية. والقضية ليست هينة، أو هامشية، إنما هي عظيمة، وجوهرية في حياة الأمة. وتدبروا معي هذا الحديث ذي الشأن الخطير في وحدة الأمة، وسياستها.

عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ، وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ يَغْضَبُ لِعَصَبَةٍ، أَوْ يَدْعُو إِلَى عَصَبَةٍ، أَوْ يَنْصُرُ عَصَبَةً، فَقُتِلَ، فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي، يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا، وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا، وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ، فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ] (مسلم. كتاب الإمارة).

لماذا قلت إن أول عامل من عوامل التطاوع والتآلف هو النية؟  لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ]( البخاري. كتاب كيف كان بدء الوحي)  والسر في قوله: [وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى] يعني في موضوعنا هذا، من نوى أن يتطاوع ويتصالح، ويتسامح، ويبني المدنية الراقية مع إخوانه في مواطنة إنسانية متحضرة، يكون له ذلك، ومن كانت نيته العصبية العشائرية، والعنصرية المذهبية، والعرقية الجهوية، فإنه يظل الفتنة الشرارية، في المجتمع، كما فعل الخوارج. وتدبروا هذا الحديث في عامل النية الصادقة. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَها يُرِيدُ إِتْلاَفَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ] (البخاري. كتاب الاستقراض وداء الديون.2387) من كان يريد أداء الديون لأصحابها، أي: قاصدا أن يردها إلى المقرض. [أدى الله عنه] معناه: يسر له السبل لما يؤدي منه، وإن لم يستطع  أرضى الله عنه غريمه في الآخرة. لماذا الاستدلال بهذا الحديث؟ لأن تسعا وتسعين بالمائة من خصومات الناس في المال.

العامل الثاني، من عوامل التطاوع: المحبة والإخلاص: فإذا نقينا قلوبنا من الغل، والحقد، سكنها الحب، وحينها نتطاوع ونتآلف. فمما أخرجه الإمام أحمد في مسنده، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:[ ثَلاَثٌ لَايَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إخْلاَصُ الْعَمَلِ للهِ، وَمُنَاصَحَةُ وُلاَةُ الأَمْرِ، وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ] (ورواه ابن ماجة في المقدمة، وفي كتاب المناسك).

وعن عَوْف بن مالِك الْأشجعِي، قال: سَمِعت رسولَ الله صلى الله عَلَيه وَسَلم يَقول:[خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ] (مسلم. كتاب الإمارة).

العامل الثالث، الموضوعية والحياد، في الحوار ومناقشة القضايا: يعلمنا الله تعالى، كيف نجادل غير المسلمين، بأسلوب الموضوعية، ويأمر الرسول  عليه الصلاة والسلام، بأن يحاور بالتي هي أحسن، بالحجة والدليل{قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ * قُلْ أَرُونِي الَّذِينَ أَلْحَقْتُم بِهِ شُرَكَاء كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}[سبأ:24/27].

العامل الرابع: التماس العذر للطرف الثاني: ومن التماس العذر تقليل العتاب، واجتناب اللوم الجارح. عن سعيد بن أبي بردة، عن أنس بن مالك قال: [خَدَمْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْعَ سِنِينَ فَمَا أَعْلَمُهُ قَالَ لِي قَطُّ: هَلَّا فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا، وَلَا عَابَ عَلَيَّ شَيْئًا قَطُّ] (مسند الإمام احمد). وفي رواية أخرى، قال: [فَخَدَمْتُهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، وَاللَّهِ مَا قَالَ لِي لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا؟ وَلَا لِشَيْءٍ لَمْ أَصْنَعْهُ: لِمَ لَمْ تَصْنَعْ هَذَا هَكَذَا؟] ولكننا في سياسة التطاوع، يجب أن نعلم بأن سياسة الرفق، والحلم، والتواضع، يجب أن تكون من الطرفين، ليس المطلوب أن يكون القائد والمسير والأمير وصاحب العمل فقط هو الذي لا يعاتب، ولا يكثر اللوم، ويلتمس العذر للمأمور. إنما على الطرف الثاني الذي هو المأمور، أن يكون كيسا، فطنا، متأدبا، متجاوبا.

العامل الخامس: الكرم والهدايا: فمما رواه الإمام أحمد، من حديث  أَنَسٍ، [أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُسْأَلُ شَيْئًا عَلَى الْإِسْلَامِ، إِلَّا أَعْطَاهُ] ، قَالَ: [فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ،  فَأَمَرَ لَهُ بِشَاءٍ كَثِيرٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ مِنْ شَاءِ الصَّدَقَةِ] . قَالَ: فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً مَا يَخْشَى الْفَاقَةَ. وفي الحديث أيضا: [ تَهَادوا تَحَابُّوا]

وكثير من حكام العرب في هذا الزمان يملكون من فضل الله تعالى من الثروات التي هي من حق الشعوب، وكان بإمكانهم أن يملكوا قلوب الناس بالأخلاق والهدايا، وفي أبوابها المشروعة، ومع ذلك لقلة الفقه في سياسة التطاوع، لا يفعلون، ويتركون بذور الحقد، والتباغض، تنتشر بينهم. [وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ، وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ] قال الله تعالى:{قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً}[الإسراء: 100]. فبالكلمة الطيبة، والحكمة البالغة، والهدية المشروعة، وأولا وأخيرا: بالعدل، والقسط، والإنصاف، تقوم سياسة التطاوع والائتلاف.

عن المحرر

شاهد أيضاً

رمضان في المهجر – واهتمام الجزائر بالبعد الإسلامي بجاليتها/ سعدي بزيان

كانت الجزائر أول بلد مغاربي يولي اهتمامه بجاليته في المهجر وفرنسا خصوصا، وذلك قبل الاستقلال …