الرئيسية | قضايا و آراء | الشيخ المجاهد عباسي مدني الرجل الذي فقدته الثقافة ولم تستفد منه السياسة/ أ.د. محمد دراجي

الشيخ المجاهد عباسي مدني الرجل الذي فقدته الثقافة ولم تستفد منه السياسة/ أ.د. محمد دراجي

رحم الله الشيخ عباسي مدني، وألحقه بالصالحين وجزاه خير الجزاء عن الفكر والدعوة، والعمل الدؤوب لأحداث التغيير وتجسيد المشروع النوفمبري في دولة حديثة، ينعم أبناؤها بالسلم والأمن، والحرية والعدل، والتقدم والازدهار .

الطفل: في بداية العقد الثالث من القرن العشرين 1931 وفي قرية من قرى سيدي عقبة بولاية بسكرة، عاصمة الزاب في الجنوب الجزائري رأى الطفل عباسي مدني النور، في أسرة متدينة محافظة، كان لها أعظم الأثر في تكوينه النّفسي والخلقي، وتوجهه الفكري والعلمي، فوالده حامل لكتاب الله، وإمام قضى فترة طويلة في إمامة النّاس في المساجد، وتعليمهم مبادئ الإسلام وقواعد الدين، وتلقينهم أصول الوطنية من خلال دروس الوعظ والإرشاد، والفتاوى والاستشارات الدينية، فأخذ هذا الوالد الكريم بيد الطفل فألحقه بالكتاب، فحفظ القرآن حفظا جيّدا ولم يتجاوز سنه تسع سنوات وفيه “الكتاب” تلقى مبادئ العربية، وأتقن قواعدها، وأحبّها حبّا شديدا، وارتبط بها وجدانيا.

التحق بعدها بالمدارس الحرّة، التي كانت جمعية العلماء تعمل على إنشائها في ربوع الوطن، ليلتحق بها أبناء الجزائريين، ليتعلموا فيها العلوم والمعارف ويتكوّنوا سياسيا ووطنيا، فمدارس جمعية العلماء كانت محاضن للتربية والتعليم وخلايا للسياسة والوطنية، كما قال عنها أحد منظري الاستعمار.

وفي هذه المدارس تتلمذ على يد الشيخ المرحوم العلامة نعيم النعيمي الذي كانت دروسه دروسا حية، مليئة بالعلم، ومفعمة بالوطنية.

الشاب: في خضم هذا التوجه، وفي هذا الجو انفتح ذهن الشاب عباسي مدني على قضية وطنه، وهي قضية “أبناء المستعمرات” على حد تعبير المفكر مالك بن نبي -رحمه الله- فانخرط باكرا في العمل السياسي، والوطني فالتحق بأفواج الكشافة الإسلامية، وخلايا حزب الشعب، فكان أحد أعضاء المنظمة السرية “O.S” التي كانت تعد للكفاح المسلح، وكان ضمن كوكبة الفدائيين التي كانت تنشط في العاصمة تحت قيادة المناضل المجاهد محمد بلوزداد -رحمه الله- وكان ضمن المجموعة التي كلفت ليلة الفاتح من نوفمبر بوضع قنابل في مقر الإذاعة الاستعمارية، ألقي عليه القبض وزج به في غياهب السجن الذي قضى فيه سبع سنوات ونصف، ولم يخرج منه إلاّ مع بزوغ فجر الاستقلال، لكنه كان قد جعل من السجن مدرسة للوعي السياسي والوطني، وسبيلا للرقي المعرفي والفكري.

بعد الاستقلال: ومع بزوغ شمس الاستقلال، واسترداد واستعادة الجزائر لسيادتها الوطنية، عاد الشيخ عباسي مدني –رحمه الله- إلى سابق عهده من النشاط والنضال في سبيل ما يؤمن به من أفكار، وقناعات، وواصل تكوينه العلمي، وتحصيله المعرفي، فتعدت مجالات نشاطه وجهاده.

الداعية: من المجالات التي ظلّ الشيخ عباسي مدني –رحمه الله- مرابطاً فيها، مجال الدعوة إلى الله والتعريف بالإسلام وتعاليمه، وشرح معالمه وحقائقه، والدعوة إلى التمكين له، والاحتكام إليه في كلّ شؤون الحياة ومجالاتها، فهو لم ينقطع عن المساجد والتدريس فيها، وإحياء المناسبات الدينية والوطنية، فانضم إلى كوكبة من العلماء والدعاة الذين بقوا أوفياء لمنهج جمعية العلماء بعد الاستقلال، وظلوا يدعون إلى تبوء الإسلام المكان اللائق به في المنظومة الفكرية والقانونية التشريعية في الدولة الجزائرية فانخرط في جمعية القيم إلى جانب إخوانه العلماء: الهاشمي التيجاني، وأحمد سحنون، وعبد اللطيف سلطاني، وعمر العرباوي وغيرهم -رحم الله الجميع- فكان يلقن الدروس في المساجد ويحاضر في النوادي، ويدبج المقالات في مجلتها “التهذيب الإسلامي”.

وبعد أن اتخذ قرار حل جمعية القيم، واصل الشيخ عباسي مدني نشاطه في المساجد، فكان يلقي دروس الجمعة، ويحيي المناسبات الدينية الوطنية، وبعد عودته من بريطانيا وحصوله على أعلى الشهادات العلمية واصل نشاطه الدعوي في المساجد والأحياء الجامعية، وكانت له جهود كبيرة في هذا الشأن إذ كان يجول في أنحاء الوطن كله من مشرقه إلى مغربه ومن شماله إلى جنوبه وبوسائله الخاصة، وتحمل في سبيل ذلك العناء الكبير.

العالم المفكر والأستاذ الجامعي: بعد الاستقلال عاد الشيخ عباسي مدني –رحمه الله- إلى المسار العلمي من جديد، فالتحق بالجامعة، وسجل في كلية الآداب، وحصل على شهادة ليسانس في الفلسفة، التحق بعدها بقسم الدراسات العليا وسجل أطروحة حول نظرية القيم، نال بها أطروحة دكتوراه –الدرجة الثالثة- التحق بعدها بجامعة لندن، ونال منها أطروحة دوكتوراه دولة في “علم التربية المقارن” وقد لفت بجديته ومنهجيته ونبوغه العلمي نظر أستاذه المشرف عليه، فاقترحه لعضوية “الجمعية الدولية لعلم التربية المقارن”

وعاد عباسي مدني –رحمه الله- بهذا اللقب العلمي الكبير، من تلك الجامعة العتيدة، جامعة لندن والتحق بالجامعة محاضرا ومشرفا على الرسائل العلمية، ومناقشا، وللحقيقة والتاريخ أنه لم يكن أستاذا جامعيا عاديا، بل كان مفكرا، منظرا، عالما محققا، استقطب أنظار الطلاب والباحثين، فكان محلّ الإعجاب والثناء، فكانوا يتسارعون لحضور محاضراته الخاصة والعامة، وكان الطلاب بأقسام الدراسات العليا يحرصون على تسجيل بحوثهم العلمية معه، وكان ممّا يسعد الطالب كثيرا أن يكون الأستاذ الدكتور عباسي مدني –رحمه الله- مشرفا على بحثه أو عضوا مناقشا في رسالته العلمية أو بحثه التخصصي، وكان الأستاذ الدكتور عباسي مدني –رحمه الله- واسع الاطلاع على الفكر الحديث عارفاً بأعلامه ومدارسه خبيرا بقضاياه، ومشكلاته، قوي النّقد له والبحث عن ثغراته، ولذلك فقد وقف سدا منيعا في وجه حركات التغريب التي كان سماسرة الغزو الثقافي، من حاملي الأفكار المسمومة، والأقلام المأجورة. يجتهدون في فرضها بالقوة على شبابنا لينشأ بعيدا عن هويته الإسلامية، وكانت الجامعة تعج بالأسماء المعروفة بولائها الفكري للتيار الشيوعي والاشتراكي، والتيار الليبرالي، وكانت البرامج والكتابات، والمقالات والبحوث يغلب عليها الطابع التغريبي عموماً، فكانت كتبه ككتاب: الاسلام وأزمة الفكر الحديث، وكتاب: مشكلات تربوية في البلاد الإسلامية،.. وغيرها من الكتب، ومحاضراته حول ضرورة الاستفادة من الوحي القرآني، لما فيه من أصول تضمن السعادة للإنسان، ومبادئ تفيد بتحقيق التوازن في العمران، كانت إضاءات علمية رائدة في مجال أسلمة العلوم الإنسانية، أنارت الدرب لكثير من الطلاب الذين واصلوا بعده السير في هذا الاتجاه، وهم اليوم كفاءات تزخر بهم الجامعات.

المناضل والسياسي: ويبقى هذا البعد بعد العمل السياسي والنضال من أجل التمكين للمبادئ والأفكار، من أهم مقومات شخصية الأستاذ الدكتور عباسي مدني، فهو –رحمه الله – قد انخرط باكرا في خلايا حزب الشعب وتنظيماته الحزبية، وبعد الاستقلال انخرط في صفوف حزب جبهة التحرير الوطني، ولكن يبقى تأسيسه للجبهة الإسلامية للإنقاذ بعد عهد التعددية والانفتاح السياسي الذي عرفته البلاد بعد أحداث اكتوبر 1988، هو أهم محطة في حياته السياسية والحزبية، وتأسيسه للجبهة كان من أجل بعث المشروع النوفمبري وهو إقامة دولة جزائرية مستقلة اجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية، هذا المشروع الذي كان يرى بأنّ النّظام السياسي الذي تولى أمور البلاد بعد الاستقلال لم يكن وفيا له، وكان يرى بأنّ الجماهير التي احتضنت الثورة المسلحة فحققت الاستقلال، هي ذاتها التي تحتضن الثورة السلمية “التغيير” لتحقيق دولة العدل والحرية، فالتعويل الكبير بعد الله تعالى كان على الشعب الجزائري الذي كان قد ضج بمظالم النّظام السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والانحرافات الفكرية، والإيديولوجية، فاحتضن الجبهة الإسلامية للإنقاذ فكانت جبهة جماهرية شعبية بامتياز، ولذلك فلا غرو أن تفوز بالانتخابات البلدية والتشريعية بعدها، بالأغلبية الساحقة، ولا عجب أن يتآمر أعداء الشعب في الداخل ويتواطأوا مع أعدائه في الخارج لوأد هذا المشروع والحيلولة دون تحقيق التغيير المنشود.

عباسي مدني والعنف: يحلو للكثيرين من الانقلابيين على الشرعية الشعبية، ومن أنصار إنقاذ الجمهورية كذبا وزورا، أن يحملوا الجبهة الإسلامية للإنقاذ والأستاذ الدكتور عباسي مدني –رحمه الله – على وجه الخصوص مسؤولية الدماء الطاهرة التي سالت في العشرية السوداء باعتبار أن الرجل كان منهجه العنف، فهو وسيلته المفضلة للوصول إلى السلطة أو تحقيق أي هدف مرجو له.

وللحقيقة والتاريخ –وما شهدنا إلاّ بما علمنا- أنّ الرجل لمن يعرفه كان منهجه السلم، وما زلت أذكر أنه في بداية الثمانينات عندما آثر البعض العمل المسلح سبيلا للدعوة، في زعمهم قاومهم الشيخ عباسي مدني وظلّ يردد أنّ منهج الدعوة إلى الله يعتمد السلمية والاقناع لا غير.

وعند تأسيسه للجبهة وفتحه للانخراط لكل أفراد الشعب، اغتنمها بعض من يؤمن بالخيار العسكري المسلح لمواجهة النّظام، الانضواء تحت لواء الجبهة والعمل تحت رايتها، وإن لم يكونوا في مواقع قيادية، وكان الشيخ عباسي يعلن -في مرات عديدة- للصحافة بأنّ هؤلاء لا يمثلون الجبهة ولا منهجها في العمل السياسي الإسلامي، وكان أعداء الجبهة يضخمون عمل وتصرفات تلك المجموعات المعزولة، ويسلطون عليها الأضواء، ومع تسارع الأحداث وقلّة إدراك المخاطر لم يتسن للجبهة مفاصلة تلك المجموعات وهذا من أخطائها التكتيكية القاتلة.

ولما ألغي المسار الانتخابي دخلت البلاد في دوامة العنف كان الشيخ عباسي في السجن، ولا يمكن تحميله المسؤولية، أما المسيرات والاعتصامات فهي من وسائل العمل السياسي السلمي في أعرق الديمقراطيات في العالم، ولا يسعني في الختام إلا أن أقول عن الأستاذ الدكتور عباسي مدني وخصومه بل وأعدائه الذين سجنوه ثمّ أرادوا تحميله مسؤولية العنف الذي أدخلوا البلاد فيه بقرار الانقلاب الأرعن، إلاّ ما قاله الإمام علي:”ليس من طلب الحق فأخطأه، كمن طلب الباطل فأصابه”.

رحم الله الشيخ عباسي مدني، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.

عن المحرر

شاهد أيضاً

خذوا العبرة من بلماضي/ جمال نصر الله

  ليس سرا أن نقول بأن ما حققه بلماضي للجزائر والجزائريين يعتبر درسا تاريخيا لجميع …