الرئيسية | على بصيرة | الوعي والإدراك لتحصين مسيرة الحراك/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

الوعي والإدراك لتحصين مسيرة الحراك/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

لهف نفسي على هذا النهر الشعبي الخالد الهادر، الذي تميز في وطننا بسلميته، وتآزره، وتسامحه، بفضل إيمان ووطنية الأحرار من أبناء وبنات الجزائر.

فهذا الحدث التاريخي العظيم، الذي ما فتئ يقدم للعالم كل جمعة صورا من الإبداع العقلي، والسلوك الخلقي، والثبات المبدئي، نريده أن يبقى فريداً في صياغته، ونموذجا في براعته، لا يخالطه أي تلوث إيديولوجي أو شنآن، ولا يفسد وجهه الوطني الناصع أي غليان، حتى لا يصيبه ما أصاب بعض البلدان مثل ليبيا أو اليمن أو السودان.

نريد للحراك الشعبي الوطني الجزائري أن يكون طاهرا طهارة جَزائر الشهداء التي أنجبته، وطهر المبادئ النوفمبرية الباديسية التي ألهمته، فلا يسبح في نهره إلا المطهرون من كل إنس، وحتى لا يتحول عن مجراه، ولا يحيد عن مبتغاه.

وإذ يدخل الحراك الشعبي جمعته الثامنة والجزائر تستعد للاحتفال بيوم العلم، الذي منه نستلهم قيم الحضارة، ومعاني الطهارة، وأسس الإيثار لا الإثارة، فإن الأمل معقود أن لا يقود سفينة هذا النهر الخالد إلا من رزقه الله بُعد البصيرة، ونقاوة السريرة، حتى نجنب وطننا بعض المطبات الخطيرة، والتحديات العسيرة، والكثيرة.

إن أخشى ما نخشاه على مسيرتنا أن يتسلل إليها بعض أفراد العصابة، ممن عاثوا فساداً في وطننا، باسم الجهوية أو القرابة، فيوقعوا في حراكنا الكثير من الإصابة. فلتنزع عن أعينهم –بوعينا- ما قد يتسترون به من غطاء أو عصابة.

إن ما أنتجه حراكنا قد حيّر العملاء وأسيادهم الأعداء، فأنشأوا الكثير من المخابر، وجندوا لمخططاتهم الـمُقامر والـمُغامر، وها هم يسلطون علينا المحللين المزعومين، ممن أنتجوا عمل المنابر، وفي المعابر.

لذلك، نهيب بأبنائنا وبناتنا، وبالقائمين على إعلام صحفنا وقنواتنا، أن يكونوا يقظين مما يحاك للحراك، فما كل بيضاء شحمة، ولا كل سوداء فحمة، كما يقول المثل العربي.

لقد صار البلاء يأتينا في قالب منظور، ومصطلح مستور، فأحيانا باسم الدستور، وأحيانا أخرى باسم متزعم مغرور، وهم في كل ذلك يقعون تحت طائلة العبد المأمور، الذي لا يملي عليهم إلا الإثم والفجور.

حذار إذن من المصطلحات المظلومة، والمفاهيم الملغومة، والأحكام الموهومة، والإيديولوجيات المشؤومة. وكما لا تُبنى البنايات الجديدة بالأحجار القديمة، فكذلك لا يتم الإصلاح بالعقول الأثيمة، ولكننا نصطدم بمن يحاول أن يركب الموجة، بقوارب وخيمة فيوجه الطيبين والطيبات من الأبناء والبنات إلى موارد الأموات.

يجب أن نبعثها صريحة، وبلغة الواقع الفصيحة إلى مؤسسات الوطن العسكرية والمدنية، الوطنية الروح والقريحة، أن تتصدى بكل حزم وعزم إلى ما قد يلتف على مطالب ومطامح الحراك المليحة، فيحول بينها وبين المتردية والنطيحة.

نخشى –على الحراك- إذا لم تتسلمه العزائم الفولاذية، أن يتردى في مواقع العصابة التواطئية، فتورده خسف المنون، وعواقب سوء الظنون، وأسوأ ما تنتجه الفنون، والسنون.

لا مندوحة للجزائر إذا أرادت أن تعيد بنيانها على أصول مضادة للزلازل، أن تنأى بقوانينها، والمشرفين على مؤسساتها، والباعثين لأساطينها، أن يقعوا من جديد في أيدي المخضرمين المازجين بين الفساد وبين ما يطلبه الأبناء والأحفاد.

انتهى –في يقيننا- عهد الضحك على الذقون، وزال زمن الحكم على الناس بسوء الظنون، ونحن اليوم في عهد العلم والحق، والعدل، فأيّنا المفتون؟ وأيّنا المغبون؟

إن المرحلة تتطلب الصفاء، والنقاء في كل شيء، لابد لمن يتولى أية مسؤولية مهما صغرت أو كبرت أن يكون نقي الأمس واليوم، وصافي العهد والقوم، ونظيف اليد والذمة، بعيدا عن اللوم.

فلنحتكم جميعا إلى كلام الله، إن كنا مؤمنين، ولنحتكم إلى الدستور إن كنا وطنيين على ما قد يباعد بيننا في كيفية فهم الدستور وتفسيره، وتطبيقه من القانونيين.

إن كتاب الله ينص على مشاورة الأمة في كل أمورها ﴿.. وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ…﴾[سورة آل عمران، الآية 159]، وإن الدستور ينص على أن الشعب مصدر السلطة بمختلف مواده، فأين نحن من دستور الله المشهور؟ وأين نحن من دستور الدولة المغمور؟

نحن نعتقد –ويصدقنا الواقع- أن التراكمات التي ميزت العهد الماضي، قد بلغت من التعقيد ومن الفساد، ما لا يفي بإزالته فرد، ولا زمن محكوم بحد، وإنما ينبغي أن ينبثق من صميم الحراك الشعبي، ﴿.. رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ…﴾[سورة الأحزاب، الآية 23]، ووطنيون يشهد لهم تاريخهم، والمجاهدون المخلصون من زمانهم.

أما ما يُطبخ وما يُحاك، فإنه –والله- لَلذي يزيد من إشعال الحراك، واشتداد العِراك.

إن التاريخ قد ألقى بصفحاته إلينا، وخاصة إلى المثقفين الواعين، الملتزمين بقضايا الأمة، بأن يعملوا على تغيير قومهم وتغيير ما بأنفسهم.. فليكونوا المصفاة التي تحول دون تسلل الحوت الأكول من الشباك، فيعيدوا للوجه الشعبي بحراكهم صفاءه، وللوطن الطموح التواق إلى الحق والعدل أمله ونقاءه.

ونعتقد أننا على أبواب صفحة جديدة من التاريخ، فلنكتبها بمداد القلوب الصافية، وبعرق الجباه الباهية، وكما يقول نزار قباني:

أنعي لكم يا أصدقائي، اللغة القديمة

والكتب القديمة

أنعي  لكم

كلامنا المثقوب كالأحذية القديمة

ومفردات العهر والهجاء والشتيمة

أنعي لكم… أنعي لكم

نهاية الفكر الذي قاد إلى الهزيمة.

فاللهم يا ذا الجلال والإكرام، احم بلادنا من الأشرار والظلام، وجنّب حَراكنا الشعبي دعاة الفتنة، والفساد، والانقسام، والانتقام !.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

تنظيم الاستحقاق، وخلط الأوراق

بقلم: د. عبد الرزاق قسوم   يا ابن الأحرار والحرائر ويا ناظم الحراك وصانع التظاهر، …