الرئيسية | وراء الأحداث | الآفة التي أسقطت حكم بوتفليقة.. !/ عبد الحميد عبدوس

الآفة التي أسقطت حكم بوتفليقة.. !/ عبد الحميد عبدوس

للجمعة الثامنة على التوالي غصت شوارع الجزائر ومدنها بملايين المحتجين السلميين، فعلى مدى ثمان جمع لم ينقطع غضب الجزائريين ولم يهدا منذ خروجهم  ضد عزم  بوتفليقة  الترشح لعهدة رئاسية خامسة أو تمديد عهدته الرئاسية الرابعة خارج الدستور.

قد يتساءل المرء عن السبب أو الأسباب التي فجرت بشكل غير مسبوق، كل ذلك الرفض والغضب الشعبي  لنظام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ورموزه السياسية والمالية التي وصفها نائب وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش الوطني الشعبي الفريق أحمد قايد صالح بـ” العصابة” ولعل من بين أهم أسباب الغضب الشعبي على نظام بوتفليقة  هي  طامة  الفساد  استشرت مثل السرطان الخبيث ونخرت جسد الأمة تحت حكم عبد العزيز بوتفليقة، من المؤكد أن الفساد كان موجودا في الجزائر قبل وصول بوتفليقة لرئاسة الجمهورية ،ولكن الفساد لم يعد بعد وصول بوتفليقة للحكم مجرد عيب من عيوب الحكم وإنما أصبح طريقة للحكم.

والمصيبة أن آفة الفساد لم تكن خافية على أحد لأنها كانت تمارس جهارا نهارا على مستويات مختلفة وبأساليب متعددة، وقد كتبت مئات المقالات عن قضايا فساد ولكنها ظلت مجرد حبر على ورق، ولم تتحرك العدالة للتحقيق أو الفصل في شبهات الفساد التي كان يثيرها الإعلام  بين الفينة والأخرى  بل إن الصحافيين الذين تطرقوا إلى قضايا الفساد التي حققوا فيها أو تسربت إليهم ملفاتها كانوا أحيانا هم من يقع سيف العدالة على رؤوسهم، وفي ظل حالة التواطؤ الرسمي مع سراق المال العام، وعدم المحاسبة لجرائمهم في حق الوطن، كان شباب الجزائر الذين يشكلون اليوم عماد الحراك الشعبي، يعبرون عن الضمير الشعبي بشعاراتهم  وصرخاتهم  المدوية في ملاعب كرة القدم وفي بعض المناسبات التي تجمعهم مخاطبين المسؤولين وحلفائهم الفاسدين :” كليتو البلاد يا السراقين”  أي ( أكلتم البلد  ايها اللصوص)  كما كانوا يطلقون على سبيل السخرية المريرة على قصر الرئاسة بالمرادية  اسم ( لا كازا دل مرادية) اقتباسا من عنوان مسلسل الجريمة الإسباني الشهير “بيت  من ورق” أو بيت المال ( لا كازا دل بابل)  الذي عرض سنة 2017.

بدأت نهاية عهد بوتفليقة قبل تقديم استقالته رسميا  من رئاسة الجمهورية ، حيث ظهرت مؤشراتها  فعليا  ليلة الفاتح أفريل عندما تم توقيف رجل الأعمال، علي حداد، بمركز العبور الحدودي أم الطبول بولاية الطارف عندما كان  هاربا تحت جناح الظلام إلى تونس وبحوزته جوازي سفر ومبلغ مالي بقيمة 4550 أورو و400 ألف دينار وحول من القالة إلى العاصمة، حيث أمر قاضي التحقيق لدى محكمة بئر مراد رايس بالعاصمة بإيداعه الحبس المؤقت  لمدة ثلاثين يوما بعد أن أدرج اسمه  مع رجال اعمال آخرين في قائمة الممنوعين من السفر احترازيا للاشتباه في تورطهم في قضايا الفساد. هذا التطور الدراماتيكي جاء بعد حوالي عشرين شهرا من إقالة عبد المجيد تبون من منصب الوزير الأول بعد أقل من تسعة وسبعين يوماً  على تعيينه في هذا المنصب  بسبب خلافه مع علي حداد.

لقد فهم الجزائريون خلفيات إقالة تبون بعد اللقاء الحميمي الذي جمع في مقبرة العالية يوم 29 جويليه 2017بين السعيد بوتفليقة شقيق الرئيس ومستشاره، وعلي حداد رئيس منتدى رؤساء المؤسسات، بمناسبة تشييع جثمان رئيس الحكومة الأسبق رضا مالك. وقبل أيام من الإقالة  صوب الوزير الأول عبد المجيد تبون سهام نقده تجاه الملياردير علي حداد  العضو النافذ في الاوليغارشية المالية في الجزائر،  عندما توعد بوضع حد لتدخل أرباب المال والأعمال في تسيير الشؤون السياسية للبلاد، والقيام بكل صرامة بحملة ” الأيادي النظيفة” تنفيذا لتوجيهات الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، ولكن بدلا من أن يدعم الرئيس مساعي تقليم أظفار عصابة المال الفاسد ووضع حد لتدخلهم في تسيير سياسة البلاد ، وجه رسالة شديدة اللهجة إلى عبد المجيد تبون  عبر فيها عن “انزعاجه الشديد” من ما سماه “التحرش الحقيقي بالمتعاملين الاقتصاديين، والتي حملت طابعا اشهاريا رسم صورة سيئة لدى الملاحظين الأجانب لمناخ الاستثمار بالجزائر”

ورغم انه تم في عهد الرئيس بوتفليقة إنشاء العديد من الأجهزة والآليات الخاصة بمكافحة الفساد  كالديوان الوطني لقمع الفساد (2011) والهيئة الوطنية للوقاية من الفساد (2016)  التي وضعت تحت وصاية رئاسة الجمهورية بدل أن تتمتع بالاستقلالية، كما تم استصدار ترسانة من القوانين الخاصة بمكافحة الفساد في الجزائر غير أن القانونيين النزهاء  أكدوا أن الجزائر ليست بحاجة إلى مؤسسات لمكافحة ظاهرة الفساد والرشوة، بل تحتاج فقط إلى عدالة قوية ومستقلة.

ومن أهم النصوص التشريعية التي صدرت لمحاربة الفساد نظريا، قانون الوقاية من الفساد ومكافحته الذي صدر في 20 فيفري 2006 والمتكون من 73 مادة، غير أن حماية الفساد تم تضمينها  في قانون محاربة الفساد  حيث أصبحت المادة 6 مكرر التي جاءت بها تعديلات قانون الإجراءات الجزائية في سنة 2015أغلقت كل الأبواب أمام تحريك الدعوى العمومية من طرف النيابة أو أي طرف، ماعدا الهيئات الاجتماعية للمؤسسة المعنية وشكلت حجر عثرة أمام هيئة مكافحة الفساد وأمام النيابة العامة وأمام الموظفين والمواطنين الذين يكشفون ملفات لقضايا فساد.

والملفت للانتباه أنه بعد صدور قانون الوقاية من الفساد ومكافحته في2006 تراجعت مكانة الجزائر في التقارير السنوية التي تعدها منظمة الشفافية الدولية سنويا حيث تدهورت رتبة الجزائر من المرتبة 84 في سنة 2006 إلى المرتبة 112 في سنة 2018، من بين 180 دولة، أي أن الجزائر بدل من أن تحسن ترتيبها بين الدول المكافحة للفساد تراجعت بما لا يقل عن 28 رتبة.

وعلى سبيل المثال ففي سنة 1991 فجر عبد الحميد إبراهيمي الوزير الأول في حكومة الرئيس الشاذلي بن جديد  قضية نهب 26 مليار دولار وسرعان ما انتشر هذا الخبر انتشار النار في الهشيم و ملأ وسائل الإعلام وشغل الناس على مدى شهور وكان له وقع الصدمة على الشعب بسبب ضخامة رقم النهب الذي كان يعادل حجم الديون الخارجية للجزائر آنذاك، وفي عام 2014 تحدث اللواء المتقاعد  حسين بن حديد قائد الناحية العسكرية الثالثة الأسبق عن نهب 37 مليار دولار، ولم يحرك هذا الخبر جهاز العدالة، بل لم تتناقله أغلب وسائل الإعلام، ولم يسمع به الكثير من المواطنين.لان  هذا الرقم المعلن كان في خارطة الفساد  أشبه بجبل الجليد الذي يكون جزؤه المخفي أكبر بكثير من جزئه الظاهر، لأن قضايا الفساد أصبحت تتابع ويتم التحدث فيها عن اختلاسات بملايير الدولارات على غرار قضية بنك الخليفة (2007)، قضية سوناطراك (مارس2015) قضية الطريق السيار(ماي2015)  وقضية مئات الكيلوغرامات من الكوكائين  المهربة  التي اتهم فيها كمال شيخي المدعو كمال البوشي وجماعته (صيف 2018).

ومما لاشك فيه أن الفساد أصبح ظاهرة عالمية تجاوزت الحدود الزمانية والمكانية ومست كل الدول سواء أكانت غنية أو فقيرة، ولكن من المؤكد أن  التجارب الناجحة في محاربة الفساد والوقاية منه لم تكن بمجرد إصدار القوانين وإيجاد الآليات والهيئات ولكن كانت بالإضافة إليها توفر الإرادة السياسية الصارمة،  والفصل الحقيقي بين السلطات، ووجود عدالة فعالة ومستقلة، وأجهزة أمنية احترافية ويقظة ،وصحافة حرة وقوية، و منظمات المجتمع المدني ا لممارسة لرقابة تحمي الثروات الوطنية.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

في الذكرى 74 لمجازر الثامن ماي 1945 …هل آن أوان تجريم فرنسا ؟/ عبد الحميد عبدوس

ما زالت الطقوس الاحتفالية والبروتوكولية تتحكم في التعامل مع أحد أكبر أحداث التاريخ الوطني المتمثلة …