الرئيسية | قضايا و آراء | القطاع الثالث/ د. موسى عبد اللاوي

القطاع الثالث/ د. موسى عبد اللاوي

تعد الأوقاف الإسلامية من المؤسسات المميزة التي لعبت دورا رائدا في الحفاظ على الموروث الحضاري للأمة الإسلامية، والمتتبع لحركة تاريخ الأوقاف الإسلامية، يدرك ما حققته هذه المؤسسة في مختلف مناحي الحياة، سواء العلمية أو الثقافية، أو الاجتماعية، أو الاقتصادية، أو الدينية بالأساس .

ولعل اهتمام الأمم بمجال الأوقاف، هي التي حولت النظر إلى الوقف من مجرد  دور عبادة أو عقارات أو منقولات أو أراض فلاحية، لا تكاد تلبي الحاجة في المحافظة عليها هي ذاتها، فضلا عن تلبية حاجات المجتمع المتزايدة إلى أن أصبح ينظر للوقف على أنه مورد استثماري هام، يمكن أن يكون قطاعا ثالثا للمجتمع في تلبية حاجاته، وهذا ما ترجم في شكل قوانين صدرت، واستثمارات وقفية أقيمت هنا وهناك في البلاد الإسلامية وغير الإسلامية، ومسألة استثمار الأوقاف العامة موال الزكاة من المسائل المهمة في منة ةىمناما

من المسائل المهمة قديما وحديثا، اعتنى الفقه الإسلامي بها منذ القديم، وإن كان بغير مسمى الاستثمار، ذلك أن يد القائمين على الأوقاف العامة هي يد أمانة، يفترض أن تسعى للحفاظ عليها، بل وتنميتها، تحقيقا لرغبة من قام بوقفها، والتزاما بالوظيفة المنوطة بهم.

وبما أن الأوقاف أحد الأدوات الاقتصادية المهمة التي تبناها المنهج الإسلامي في إعادة ترتيب العلاقات بين المجتمع وبدون شك فإن نظام الوقف يرتبط بالسلوك الاقتصادي للمسلم من خلال رؤيته العامة للعمل الإنساني المشترك، المتضمن توجيه علاقة الإنسان بخالقه على أسس إيمانية وأخلاقية سامية والتي تظهر من خلالها قيم إسلامية قادرة على تحريك عجلة النشاط الاقتصادي نحو أهداف الخير العام والمصلحة الجماعية.

ولقد كان الوقف من أهم النظم الأولى في الشرع الإسلامي, حيث ساهم في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية, وشكل من خلال خصائصه ومرونة أحكامه حقلا خصبا للإبداع الإنساني في مجال توفير المنافع والخدمات والأعمال الخيرية.

وبما أن التنمية تعتبر أساس استقرار ورفاه المجتمعات لهذا لقيت اهتماما خاصا  من مختلف دول العالم لتحقيق مستويات عالية من رفاهية العيش والعدالة الاجتماعية منها، وإن تجسيدها يتوقف على توفير المورد المالي الدائم والمستمر باعتماد سياسات مختلفة وتجارب سابقة, ولعل من أهم المصادر التي تقوم على مبادئ الشريعة الإسلامية التي تحقق هذا الغرض هي الوقف .

ومن هذا المنطلق تبدو الضرورة ملحة اليوم إلى إشراك العمل الوقفي في التنمية وتجسيد وظيفته الاقتصادية إذ أنه لم يعد كافيا القول بأن للوقف دور اجتماعي واقتصادي, فقد صارت له بالفعل وظيفة اقتصادية وأصبح بالفعل إلى جانب القطاع الحكومي والقطاع الخاص يشكل عاملا أساسيا لدعم الاقتصاد والتنمية بل يمكن القول بأنه أصبح قطاعا ثالثا.

آليات وسبل النهوض بقطاع الأوقاف  ببلادنا

وللنهوض بالوقف ينبغي أن نبدأ بابتكار آليات لتفعيل ذلك بإنشاء بنية تحتية مؤسسية لأعمال البر الاجتماعية والاقتصادية, لا تنخرط تحت الدولة كجهاز من أجهزتها, ولا تقوم على مبدأ الربح والمنافسة ويتم ذلك بما يلي:

01-   توفر الإرادة السياسية الواعية لذلك. فإذا وجدت الإرادة السياسية، أمكن عندئذ الحديث عن النهوض بالأوقاف واستثمارها .

02- ابتكار نموذج مؤسسي لإدارة الأوقاف يقوم على فكرة إدارة شركات المساهمة مع مراعات الفارق الأساسي بين هذه الشركات وبين الأوقاف من حيث عدم وجود مالك على الإطلاق بالنسبة للوقف مع تفعيل رقابة لازمة تتكون من مرتكزين هما رقابة شعبية ورقابة حكومية.

03- العمل على إنشاء صناديق وقفية متخصصة لتمويل المشاريع الصغيرة والمتوسطة بواسطة تبرعات صغيرة والتي يمكن أن تخصص لإنشاء أوقاف تبعا للأغراض التي يبتغيها الواقفون.

04- تشجيع الوقف على القرض الحسن لتمويل وتوسيع نشاط المشاريع الصغيرة والمتوسطة القائمة حيث أنه هنا يقع التحبيس على رأس المال ويتصدق بمنفعته يكون ذلك باستخدام النقود الموقوفة خلال مدة من طرف المحتاج لها ثم يردها بلا زيادة.

05- إعداد خطة إعلامية واسعة للتعريف والتوعية بأهمية الوقف لأن نشر الوعي بالوقف وأهميته ودوره المتجدد ليس بالضرورة قضية اقتصادية وحسب بل هو ضرورة اجتماعية سياسية أيضا تستهدف إعادة صياغة المفاهيم للأفراد.

06- تشجيع الجمعيات القائمة على الأوقاف وتسهيل مهامها ودعم أنشطتها ومتابعة أعمالها من قبل الجهات الحكومية ومحاولة تحديث نظم إدارتها والرقابة عليها.

07- استحداث ديوان الأوقاف والزكاة كمؤسسة مستقلة لحماية أموال الأوقاف الموجودة، من عقارات ومبانٍ  وأراض فلاحية وأموال منقولة، والمحافظة عليها من الغصب والضياع والتعطيل، وحفظ سجلاتها.

08- رسم  خطة استراتيجية لنمو الأوقاف واستعادة صحتها في ضوء الواقع الاجتماعي والاقتصادي القائم اليوم.

09- إعادة صياغة واستصدار قانون الأوقاف يتضمن تعريف، وتنظيم، واستثمار وحماية الأوقاف بنوعيها الخيري العام والعائلي االخاص .

10- العمل على استرداد أملاك الأوقاف التي حوّلت إلى استعمالات أخرى بطرق غير مشروعة. ومراجعة السجلات القديمة للأوقاف لتحديد الأملاك الوقفية والبدء بإجراءات إعادتها إلى ميدانها الوقفي .

11-  وضع النظم اللازمة للتعريف بالأوقاف الخيرية العامة والذرية الخاصة، وبيان وتعميق دورها في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وتشجيع قيام أوقاف جديدة. وإعادة إدخال الأوقاف الذرية الخاصة التي ألغتها وزارة الشؤون الدينية والاوقاف من قوانينها سنة 2011 وبخاصة بعد أن اتجهت عدة مجتمعات معاصرة متطورة إلى تأكيد أهمية هذا النوع من الأوقاف وتشجيعها .

12-   تقديم المعونات المادية والفنية والتمويلية والإدارية للأوقاف، إضافة إلى المعاملة الضريبية المتميزة، كما فعلت كثيرة من المجتمعات الغربية بعد أن أدركت أهمية الأوقاف بنوعيها الخيري والأهلي .

13- إعادة النظر بفقه الوقف الموروث حتى يتم التعامل مع صوره الجديدة التي لم تكن موجودة في الماضي أو لم تكن الحاجة تدعو إليها، وذلك في معرض تشجيع الأوقاف الجديدة  ونهضتها .

14- وضع الخطط اللازمة لاستثمار وتنمية الأملاك الموجودة للأوقاف، التي تعطلت عن العطاء خلال السنوات المتأخرة لأسباب  تاريخية  * حقبة الاستعمار * وسياسة النظام لاشتراكي * وتوفير فرص التمويل المناسبة لها.

 

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

كفاءة الداعية أساس لنجاح الدعوة/ د . إبراهيم نويري

الحديث عن أهميّة الدعوة وضرورتها في كلّ الأزمان والبيئات والظروف، وحساسية تجديد مناهجها وأساليبها وأدواتها، …