الرئيسية | قضايا و آراء | شاهت الوجوه!/ عبد العزيز كحيل

شاهت الوجوه!/ عبد العزيز كحيل

ما أبغض هؤلاء الرؤساء “فوق العاديّين” الذين جثموا على الواقع العربي منذ استقلال دولهم، هم وحدهم الذين يملؤون الأخبار ويشغلون الساحة ويبقون في المنصب حتى يأتيهم ملك الموت أو يزيحهم العسكر.

آن أوان تجاوز هذا النمط الأعوج وإهالة تراب النسيان عليه وردّ الاعتبار لمنصب الرئيس بتحريره من قسمات الاستبداد وإخراجه إلى شعبه بوجه إنساني.

إنّ الرئيس الذي نريده ليس ذلك الذي يهيمن على مفاصل الحياة كلّها، يفصل في الصغيرة والكبيرة لأنّه –دون سواه – صاحب الرأي الأصوب، تقوم الدولة على نظره الثاقب وعلمه الغزير (في الحقيقة على نزواته وطيشه).

إنّنا نريد –بعبارة مختصرة – رئيسا سليما من جنون العظمة، هذا الداء العضال الذي عشنا في ظلّه في معظم البلاد العربية منذ استقلالها، الذي حوّل إنسانا عاديا إلى إله أو نصف إله كما في الميثولوجيا الإغريقية، وحوّل الشعوب إلى عبيد واجبُها الأوّل التسبيح بحمده واللهج بذكره والتفاني في لا نريد مثل هذا الرئيس أبدا، هذا الذي يُراد تقديسه كأنه ليس بشرا من البشر، لا يخطئ، لا يعيش كالبشر، كل ما يحيط به سري: حياتُه الخاصة والمهنية، خروجه ودخوله، أسفاره، إجازتُه السنوية… يكفي أن موكبه في العاصمة وفي أي مدينة يعطّل المرور ومصالح الناس كلما تحرّك كأنه حدث ضخم.

وفي كلّ هذا يجد الرئيس الذي لا نريده متزلّفين يحيط نفسه بهم، يزايدون عليه في جنونه، فلا يبقى حوله مكان لأصحاب الكفاءة والمروءة والنصح.

ويبلغ رفضنا لهذا النموذج من الرؤساء أوجَهُ حين نتذكّر أن حُكمه المديد مرتبط في الغالب بالفساد المستشري والرداءة والحياة الضنك التي يعانيها الشعب، يتجرّعها وسط دعاية ضخمة عن تفانيه في خدمة البلاد والعباد .

من الرئيس الذي نريده إذن؟

إنه ابتداءً إنسان عادي –لا هو إله ولا نصف إله ولا ظلّ الله في الأرض – يأتي إلى سدّة الحكم عبر انتخابات تعدّدية غير مزوّرة، تطلّق نهائيا عهد ,9999 %، فيكفيه الحصول على نصف أصوات الناخبين زائد صوت، ولا يعتلي منصب الرئاسة ليتسمرّ فيه إلى الموت أو الانقلاب العسكري، بل يغادره بعد عهدة أو اثنتين ليتركه ليس لابنه أو أحد أفراد أسرته وإنما لمن يختاره الشعب بنفس الطريقة، فقد سئمنا الأبناء غير الشرعيّين للصناديق المغشوشة والانتخابات المزوّرة والنتائج المعروفة مسبقا.

نريد رئيسا مثقّفا يقرأ (ويؤلّف، لمَ لا؟ في الفكر أو الأدب أو المسرح… )، ويحسن الاتصال بشعبه، له نقاط ضعف كغيره من الناس، يقرّب أصحاب الكفاءة والمبادئ لا المداهنين ولا من ينثرون حوله البخور رغبا ورهبا، هو ليس –كمن عهدناهم – رئيسا لكلّ شيء، بل هو مشرف على مؤسّسات ثابتة قوية يُحسن الانسجام معها، إنّه ليس المؤسسة الوحيدة في الدولة -كما هو الحال عندنا – بل يخضع لمؤسسات الدولة وقوانينها، يتواصل مع المعارضة ويقبل الخلاف ويستمع للمخالفين ويفتح لهم بابه وصدره.

إنّنا واقعيون فلا نشترط في الرئيس المرتقب أن يكون من الخلفاء الراشدين –رغم توقنا إلى ذلك – ولكن حسبُنا أن يكون من أبناء الشعب، متمكّنا من السياسة، صبورا حليماً، رافضا للاستبداد رفضا مبدئيا قاطعا لا لبس فيه، معتزّا بعقيدته وانتمائه الحضاري، خادما لمرجعية شعبه وطموحاته، غيورا على الدين والأخلاق، متفانيا في خدمة الصالح العام، عارفا بخبايا العلاقات الدولية، ثابتا أمام رغبات الهيمنة العالمية.

إنّه الرئيس الذي يحبّنا ونحبّه، ويدعو لنا وندعو له، بدل ذلك الذي يبغضنا ونبغضه ويلعننا ونلعنه، إنسان عادي، يقود سيارته، يمشي في الأسواق، يعيش من مرتبه فقط، أبناؤها يدرسون في المدارس الوطنية، يعالج نفسه في مستشفيات بلده… فهل نطلب المستحيل؟ لا والله، بل هذا أمر بسيط درجت عليه الأمم المتقدمة بانتخاب أصحاب الأيادي النظيفة والكفاءات العالية.

إذا كان هكذا فهو الحاكم الشرعي ووليّ أمرنا، نطيعه في المعروف وننكر عليه عند الاقتضاء.

وقد أصابني حزن شديد حين قارنت بين خروج رئيس الجزائر من الحكم وخروج رئيسة تشيلي منذ أسابيع قليلة بعد انتهاء عهدتها، وكيف ودعتها الجماهير بالورود والقُبُلات.

عن المحرر

شاهد أيضاً

كفاءة الداعية أساس لنجاح الدعوة/ د . إبراهيم نويري

الحديث عن أهميّة الدعوة وضرورتها في كلّ الأزمان والبيئات والظروف، وحساسية تجديد مناهجها وأساليبها وأدواتها، …