الرئيسية | في رحاب الشريعة | باب فقه الصلاة والمساجد/ محمد مكركب

باب فقه الصلاة والمساجد/ محمد مكركب

  4 ـ الفتوى رقم:335

الموضوع: قراءة المأموم وراء الإمام في الصلاة السرية ولا يقرأ فيما يجهر به الإمام.

قال السائل: أنا لا أقرأ وراء الإمام في الصلاة الجهرية وهكذا تعلمت، وأخيرا سمعت إماما يقول في الدرس: من لم يقرأ في كل ركعة حتى فيما يجهر به الإمام، إذا لم يقرأ بالفاتحة فصلاته ناقصة أو باطلة؟.  وسؤالي ما هو العمل هل يقرأ المأموم وراء الإمام في الجهرية؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. والصلاة والسلام على رسول الله.

أولا: الحديث الذي قرأه الإمام في درسه وقال بظاهره فيما يلزم المنفرد الذي يصلي وحده، أو الإمام، وأنزل حكمه على المأموم، هو:[ من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غَيْرُ تمام](أبو داود. 821). قال سفيان هذا لمن يصلي وحده. أي: وجوب قراءة الفاتحة لمن يصلي وحده هو الذي يجب عليه قراءة سورة الفاتحة في كل ركعة، وكذلك في القراءة السرية للمأموم. أما في الصلاة الجهرية فلا. لأن الله تعالى قال:﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (سورة الأعراف:204)  إن ظاهر اللفظ في الآية يقتضي وجوب الاستماع والإنصات لقراء ة الإمام في الصلاة الجهرية، ولقراءة المقرئ الخاص لمجلس الاستماع. والآية حجة للاحتجاج بها على عدم وجوب القراءة خلف الإمام فيما يجهر بها. والأصل في الخطاب اللغوي الدقيق أن الإنصات هو الاستماع مع ترك الكلام. والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

وفي الموطأ: رواية يحي بن يحي الليثي في كتاب الصلاة. قال:{سمعت مالكا يقول: الأمر عندنا أن يقرأ الرجل وراء الإمام، فيما لا يجهر فيه الإمام بالقراءة؛ ويترك القراءة فيما يجهر فيه الإمام بالقراءة}. وفيه أيضا (في الموطأ):{مالك عن نافع؛ أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل هل يقرأ أحد خلف الإمام؟ قال: إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام. وإذا صلى وحده فليقرأ} (كتاب الصلاة . باب ترك القراءة خلف الإمام فيما جهر فيه.2/117.رقم:283).

ثانيا: أقوال المفسرين: في تفسير آية الاستماع: (7/204) قال القرطبي:(ذكر الطبري عن سعيد بن جبير أيضا أن هذا في الإنصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة، وفيما يجهر به الإمام فهو عام. وهو الصحيح. ثم قال وقال النقاش: أجمع أهل التفسير أن هذا الاستماع في الصلاة المكتوبة وغير المكتوبة. قال الزحيلي في التفسير المنير:(والآية تدلّ على وجوب الاستماع والإنصات للقرآن، سواء أكانت التّلاوة في الصلاة أم في خارجها، وهي عامّة في جميع الأوضاع وكل الأحوال، ويتأكّد ذلك في الصّلاة المكتوبة إذا جهر الإمام بالقراءة،كما رواه مسلم في صحيحة من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم:[إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبّر فكبّروا، وإذا قرأ فأنصتوا] رواه أيضا أصحاب السّنن عن أبي هريرة. وفي تيسير الكريم الرحمن للشيخ السعدي:(ومن أوكد ما يؤمر به مستمع القرآن، أن يستمع له وينصت في الصلاة الجهرية إذا قرأ إمامه، فإنه مأمور بالإنصات، حتى إن أكثر العلماء يقولون: إن اشتغاله بالإنصات، أولى من قراءته الفاتحة، وغيرها). والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

ثالثا: في الحديث: ومما يؤكد هذا التفسير حديث جابر رضي الله عنه. عن أبي نعيم وهب بن كيسان، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول:[من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل، إلا أن يكون وراء الإمام] (الترمذي.313).

وعند أبي داود في كتاب أبواب استفتاح الصلاة، باب من كره القراءة بفاتحة الكتاب إذا جهر الإمام، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال:[هل قرأ معي أحد منكم آنفا؟] فقال رجل: نعم، يا رسول الله، قال:[إني أقول مالي أنازع القرآن؟] قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالقراءة من الصلوات حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ( أبو داود.826) والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

رابعا: أقوال الفقهاء: قال عبد الله بن المبارك عن يونس عن الزهري: (قال لا يقرأ من وراء الإمام فيما يجهر به الإمام، تكفيهم قراءة الإمام وإن لم يسمعهم صوته، ولكنهم يقرءون فيما لا يجهر به سرا في أنفسهم، ولا يصلح لأحد خلفه أن يقرأ معه فيما يجهر به سرا ولا علانية، فإن الله تعالى قال:﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وفي الرسالة لابن أبي زيد القيرواني:(ويقرأ مع الإمام فيما يسر فيه ولا يقرأ معه فيما يجهر فيه) وفي القوانين الفقهية لابن جزي (وَلَا يقْرَأ فِي الْجَهْر سمع أَو لم يسمع وَقَالَ الشَّافِعِي يقْرَأ إِن لم يسمع وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يقْرَأ مُطلقًا) والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

خامسا: والمسألة اجتهادية تعدد فيها اجتهاد العلماء، فمنهم كثير من العلماء بلغ بهم اجتهادهم إلى القول بوجوب قراءة الفاتحة في كل الأحوال، والطريقة التي قال بها بعضهم أن يقرأ المأموم في سكتات الإمام وهذا يعسر ويصعب على المأموم ومخالف للمنطق والمعلوم، ولا يرجح. قال ابن كثير:(مذهب طائفة من العلماء أن المأموم لا يجب عليه في الصلاة الجهرية قراءة فيما جهر فيه الإمام لا الفاتحة ولا غيرها) قلت: وهذا الذي نرجحه. وممن ذكر تنوع اجتهاد العلماء في تفسير الآية: الشعراوي حيث قال:(وقد اختلفوا في ذلك، فبعضهم قال: إن المقصود هو الإنصات للقرآن حين يُقرأ في الصلاة، والسبب في ذلك أن الأوائل من المسلمين كانوا حينما يقرأ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسلم في الصلاة، يعيدون بعده كل جملة قرأها فإذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم؛ قالوا: بسم الله الرحمن الرحيم، وإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قالوا: الحمد لله رب العالمين. فينبههم الله عَزَّ وَجَلَّ إلى أن يتركوا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقرأ وهم يستمعون إليه دون ترديد للقراءة) والله تعالى أعلم، وهو العليم الحكيم.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ﴾./ محمد مكركب

قال السائل: لماذا وصف الله تعالى النبي عليه الصلاة والسلام بأنه رسول، ولما قال أنه …