الرئيسية | في رحاب الشريعة | فريضة الصوم بين الأركان الواجبة والسنن المستحبة/ محمد مكركب

فريضة الصوم بين الأركان الواجبة والسنن المستحبة/ محمد مكركب

استعدادا لاستقبال شهر رمضان والتوبة والغفران، وليصوم المسلمون إيمانا واحتسابا، يكون من الواجب التفقه في أحكام الصيام، قبل البداية لتكون النهاية وفق المقاصد الحسنة، والثمرات الطيبة، وليكون المصير مصير الداخلين من باب الريان.[إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لاَ يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ](البخاري.1896) وكلنا نحب أن نفوز بأجر الصيام وثواب القيام في شهر القرآن مع الصالحين من عباد الرحمن. ذلك لأن من صام رمضان إيمانا واحتسابا غُفِر له ما تقدم من ذنبه. وهذا يقتضي الاستعداد والإعداد بدءا من حسن التفقه في الدين ومنه أركان الصوم وشروطه وسننه. فما هي أركان الصيام؟ والمقصود بأركان الصيام كل الأعمال التي لا يكون الصوم صحيحا إلا بتوفرها، ومنها:

أولا ركن ثبوت رؤية هلال رمضان: فإن زمان شهر رمضان شرط لصحة صيام الفريضة، فلا يؤدى ركن الصيام الذي هو الركن الرابع من أركان الإسلام إلا في شهر رمضان. قال الله تعالى:﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾(البقرة:185) فالصيام: هو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس نهار كل يوم من شهر رمضان ايماناً واحتساباً لله تعالى. والأيام المعدودات في قوله تعالى:﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ هي أيام شهر رمضان. وفي الحديث الشريف:[ لاَ تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، (هلال رمضان) وَلاَ تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، (حتى تروا هلال شوال) فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ] (البخاري.1906،ومسلم:1080) ولايجوز صوم يوم الشك. ولكن إذا كان أحدٌ يصوم قضاءَ دينٍ فله أن يصوم التاسع والعشرين والثلاثين من شعبان، وما قبلهما. عملا بالحديث. عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:[لاَ يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ](البخاري.1914) فإذا كان مساء اليوم التاسع والعشرين من شعبان اجتهد المسلمون في مراقبة الهلال، فإذا رآه مسلمان اثنان ذوا عدل، أصبح المسلمون صائمين، فإن لم يروه أتموا الثلاثين من شعبان.

ثانيا ركن الإمساك عن الأكل والشرب: والإمساك يبدأ كل يوم من طلوع الفجر فالشرط الشرعي الفلكي هو ظهور طلوع الفجر الطبيعي في الأفق صباحا من جهة الشرق لمن يعلم ذلك، وأما العلامة الحسية للعامة فهي أذان المؤذن عندما يؤذن لصلاة الفجر. فإذا أذن المؤذن (الأذان الثاني الذي فيه التثويب) وجب شرعا على الجميع الإمساك. ففي الحديث. عن عائشة رضي الله عنها، أن بلالا كان يؤذن بليل، أي الأذان التنبيهي الأول قبل دخول الوقت الشرعي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [كلوا واشربوا حتى يؤذنَ ابنُ أمِّ مكتوم، فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر] (البخاري، كتاب الصوم . رقم:1918) وكذلك علامة الغروب بالنسبة للعامة أذان المغرب. قال الله تعالى:﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (البقرة:187) فيكون إتمام الصيام بالقدر الشرعي كاملا إلى ما بعد نقطة الصفر من غروب الشمس أي نقطة الصفر لبداية الليل، ليتأكد أنه استوعب النهار كاملاً بالإمساك، فلا إفراط ولا تفريط، ولا غلو ولا إهمال. والركن الثالث النية والإخلاص ولابد أن تكون النية قبل الفجر وتصح في أي جزء من الليل: فالصيام عبادة والعبادات بالنيات. قال الله تعالى:﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ ومن معاني الإخلاص أن نعبد الله وكأننا نراه، وإن لم نكن نراه فهو يرانا، فإن كانت العبادة كذلك فستكون أكثر إخلاصاً وأكثر اطمئناناً وخشوعاً.

أن نصلي الخمس صلوات في اليوم والليلة، وأن نصوم   شهر رمضان من كل عام، وأن نؤدي زكاة مالنا إذا بلغ النصاب والحول، وأن نحج مرة في عمرنا إلى بيت الله الحرام، وأن نترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن، بلا تسويف ولا عناد، وأن نمتثل أمر الله واتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقدر الاستطاعة، والضابط في ذلك كله أن نكون مخلصين له الدين حنفاء. وهل تكفي نية واحدة لكل رمضان أم لابد من تجديد النية لكل يوم من أيام شهر رمضان؟ النية محلها القلب وهي في عزم وقصد المسلم لصيام كل الشهر، وكذا كل يوم وهو يستعد وهو يسحر وهو يستعد للإمساك، كل ذلك من النيات المتجددة. قال الشافعي:{ولا يجوز لأحد صيام فرض من شهر رمضان ولا نذر ولا كفارة إلا أن ينوي الصيام قبل الفجر}(الحاوي الكبير).

والركن الرابع الالتزام بما شرع الله في الصيام وفق الاستطاعة: وهذا واضح من الأركان السابقة، ولكن لنبين أمرين: أولا عدم الاستهانة بالصيام فإنه عمل مقدس وعظيم، ثانيا أن لايتيه المسلم في متاهات العادات والتقاليد وينسى أنه في عبادة لاعلاقة لها بأنواع المأكولات والسهرات. [إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ](البخاري.1904).

ومن السنن والنوافل والآداب في رمضان: صلاة التراويح، أو قيام رمضان. ولبيان فضل قيام رمضان (صلاة التراويح) قال الرسول صلى الله عليه وسلم: [مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ](البخاري. كِتَابُ صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ.2009) وحكم صلاة التراويح أنها من النوافل، وذلك للخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرج من جوف الليل فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس يتحدثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الليلة الثانية، فصلوا بصلاته، فأصبح الناس يذكرون ذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطفق رجال منهم يقولون: الصلاة، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خرج لصلاة الفجر، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، ثم تشهد، فقال:[أما بعد، فإنه لم يخف علي شأنكم الليلة، ولكني خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها](مسلم.761).

وصلاة الترويح يجوز أن تصلى في البيت، عن زيد بن ثابت، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [أفضل صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة] (الترمذي.450) وتصلى في المسجد، وتصلى فرادى، وتصلى جماعة، والقيام بها جماعة في المسجد أحب. ووقت صلاتها من بعد صلاة العشاء إلى ما قبل وقت السحور. وعدد ركعاتها ثماني ركعات زائد الشفع والوتر تصير إحدى عشرة ركعة زائد سنة الفجر تصير ثلاث عشرة ركعة. وفي الحديث: عن عبد الله بن أبي لبيد، سمع أبا سلمة، قال: أتيت عائشة رضي الله عنها، فقلت: أي أمه‍ أخبريني عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت:[ كَانَتْ صَلَاتُهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً بِاللَّيْلِ، مِنْهَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ](مسلم.738) ولكن من صلى وحده في البيت فله أن يصلي ما شاء مثنى مثنى ويختم بالوتر. أما المقتضى من الإمام أن يحسن الترتيل وأن يخفف أن لايطيل، وأن يراعي حاجات الناس، والفائدة في أن ينفع لا في أن يطيل، وأن يكون المقصد امتلاء قلوب الصائمين والقائمين بالحب والخشوع والاطمئنان، وليس امتلاء المكان بالأبدان، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة:[ خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها](مسلم.761).

وهل يشترط ختم القرآن كله في رمضان، بمعدل قراءة جزء كل ليلة أي حزبين؟ ليس هذا مشروطا، والقصد هو القيام، أي الصلاة بخشوع وإخلاص وإتقان وليس الشرط في قيام الليل الكم، فلو صلى المسلم بثلاث آيات في الركعة لكفتاه. ولكن في التراويح يستحب، أقول يستحب أن يختم الإمام القرآن كله مع القائمين، إذا توفرت هذه الشروط:

1 ـ المصلون الصابرون الواعون الذين لايقلقون ونيتهم التهجد والمجاهدة والذكر.

2 ـ ولا يكون طول صلاة التراويح على حساب فرائض وواجبات تعبدية أخرى أو خدمات مجتمعية.

3 ـ وأن تكون القراءة بالترتيل كلمة، كلمة، باستقراء المعاني، والتحبير البياني.

4 ـ وأن يكون الإمام ذا قدرة على التركيز والأداء.

5 ـ  وأن يتحقق الخشوع والتذلل لله تعالى. وهذا ما أشارت إليه أمنا عائشة في وصف صلاة الرسول عليه الصلاة والسلم في قيام الليل.[مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلاَ فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلاَ تَسَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلاَثًا] (البخاري.2013) نعم حسن العمل هو المقصود مع الدوام والتمام وليس الكم.

ومن السنن في رمضان السَّحُور: فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: [تسَحَّرُوا فإنَّ في السَّحُورِ بركةً](البخاري.1923. وأخرجه مسلم في الصيام باب فضل السحور وتأكيد استحبابه رقم 1095) وعن عمرو بن العاص، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:[فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ، أَكْلَةُ السَّحَرِ] (مسلم.1096) قال محمد فؤاد عبد الباقي:{(فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر) معناه الفارق والمميز بين صيامنا وصيامهم السحور فإنهم لا يتسحرون ونحن يستحب لنا السحور وأكلة السحر هي السحور وهي بفتح الهمزة هكذا ضبطناه وهكذا ضبطه الجمهور وهو المشهور في روايات بلادنا وهي عبارة عن المرة الواحدة من الأكل كالغدوة والعشوة وإن كثر المأكول فيها وأما الأكلة بالضم فهي اللقمة الواحدة}.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ﴾./ محمد مكركب

قال السائل: لماذا وصف الله تعالى النبي عليه الصلاة والسلام بأنه رسول، ولما قال أنه …