الرئيسية | على بصيرة | كشف الحقيقة، عن ملحمة بوتفليقة/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

كشف الحقيقة، عن ملحمة بوتفليقة/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

مَن لي بقلم حُرّ أبيّ يتأدّب بأدب الإسلام، فلا يظهر الشماتة بأحد، ولا يصانع لمصلحة أحد، خصوصا في زمن تقزمت فيه الأقلام، وتبلدت الأفهام، وبيعت في سوق النخاسة ذقون ونواصي، وأقدام؟

هل أجد، من ماء الورد، ما اتخذه مدادا لأرسم به شذى، وعطر عرَق سواعد وجبين شعبي، الجمع منه، والفرد؟

لقد لجأ بعض الظرفاء من شدة الإحباط واليأس إلى ماء وادي الحراش، ليغمسوا فيه أقلامهم، وليصفوا –بكل مرارة- ما عانوه من شدة معاناتهم، وآلامهم.

اللهم لا شماتة! إن هذا القلم، الذي نشأ في عبادة الله تعالى، فتدرج من كتابة آي القرآن، إلى تسجيل دلالات الإعجاز والبيان، إن هذا القلم، سيعمل وفاء للأصول، فلا ينتقم من أي أحد، حتى في زمن الغروب، وعهد الأفول.

ولنبدأ بما يشبه البسملة في فاتحة الكتاب، فنقول إن ما تعيشه الجزائر من هبّة شعبية وطنية، وصفت بالحراك، والتي تتواصل لسابع جمعة في تنظيم محكم عظيم، وانضباط سلمي قويم، وتضامن أخوي رحيم، إن هذا الحراك ما كان ليتم لولا الظلم الذي حرّكه، والقمع الذي أنطقه، والله الذي وفّقه.

فالملحمة المتعددة الجراح، وفصولها ذات السبعة أرواح، قد استفزت حتى الأشباح، وأسكرت كل الناس بدون كؤوس أو أقداح.

فالشباب الجزائري، ذو العشرين سنة الذي فتح عينيه على الجزائر، مقترنة باسم الرئيس بوتفليقة، والذي لفظته المدرسة الجزائرية المنكوبة، قد وجد نفسه في بيداء من اليأس، تحيط به أطلال مخروبة، وتماثيل من أمثاله شاحبة الوجوه معطوبة.

لقد اسودّت الدنيا في أعين أبناء الجيل، فلم يجدوا من يأخذ بأيديهم إلى ساحل الحياة، فاتخذوا قوارب الموت في البحر وسيلة للنجاة، ومغارات الجبال الموحشة القاتلة غاية لإثبات الذات، ومصدرا لأسلحة الدمار والمتفجرات.

حدث هذا لأبناء العشرين، وهم يرون وطنهم مزخرفا بكل الخيرات، ويعج بالكنوز والطيبات، ولكنه مستغل من شرذمة من اللصوص، والمفسدين، والطغاة البغاة.

إن من نكد الدنيا على الحر، أن يعيش كالأصم وسط الزفة.. فالخيرات تحيط به، والجوع يقتله، والماء الزلال ينساب حوله والعطش ينخره، ولا تسل عن البطالة، والأمية، والإهانة، وغيرها، فذلك ما جعل النصال تتكسر على النصال في جسده.

لقد نكب –شعبنا- إضافة إلى الجيل الضائع، بفقد كل معالم الهوية، ومقوّمات الشخصية، وكادت الأمور تمتد إلى الوحدة الوطنية، بسبب التدخلات الأجنبية، والمساس بالسيادة السياسية الثقافية والاقتصادية، واغتراب المنظومة التربوية. فعندما يسلط على المنظومة التربوية من يسلخ جيلها من تربيته، وتاريخه وعربيته، وعندما ينكب الاقتصاد الوطني من ينهب ثروته، ويهرب عملته، ويبدد طاقته وشحنته، كيف تفسّر ملحمته؟

وعندما يُعتَدى على عقل المواطن بالعدوان على ثقافته ولغته، واستيراد منهجية غير منهجيته، وتشويه معالم بيئته، أليس ذلك إجراما في حق وطنيته، وعقيدته، وأصالته؟.

إن الملحمة العشرينية التي انقضت، والتي عاشتها الجزائر بالآهات والدموع، والجراح في الأنفس وفي الضلوع، قد زرعت الخراب في الربوع، والاحتقان وسط الجموع.

لقد منّ الله على الجزائريين –إذن- إذ أيقظهم من سبات النوم الطويل، فكان لهم هذا الحراك النبيل، والوعي الجليل، فحققوا –والحمد لله- كم من نصر أثيل، فقد أسقطوا العهدة الخامسة، وكانت بمثابة استفتاء للشعب وضحك على الذقون، وأفشلوا التمديد للعهدة الرابعة، وكانت أشبه ما تكون بإلهاء الصبي المغبون عن أنواع هامة من الفنون.

نجح الحراك الشعبي بفضل اتحاد المستضعفين في التعجيل بتطبيق المادة الثانية بعد المائة، فتمت الاستقالة قبل الأوان، وزج بالمفسدين في غياهب الاعتقال، ولم يشفع لهم وافر المال، ولا نفوذ بعض الرجال، فتحقق فيهم قول الله تعالى:﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَة، مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ۜ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾[سورة الحاقة، الآيات 27/28/29].

ولئن كانت هذه النتائج التي تحققت والإنجازات التي تجسدت، قد مثلث تاجا وضع على رؤوس الجماهير التي تجنّدت وتنظّمت، فإن الباقي لا يقل أهمية أو صعوبة عما سبق.

فإعادة السلطة إلى الشعب الذي هو مصدرها، طبقا للمادة السابعة من الدستور سوف يصطدم تطبيقها بعقبات أخرى من المناورات، غير أن الشعب الذي أسقط المؤامرات السالفة، سوف يتجاوز العقبات الواقفة، وسيشرف الخيّرون الممثلون لطموحات ومطالب الحراك الشعبي على تجسيد الانتقال السلس إلى شاطئ النجاة، حيث يستعيد الشعب الجزائري عافيته، وينعم كل مواطن بحق عيشه ورفاهيته، ووداعا للاحتقان، وعدم الاطمئنان، فما ضاع حق وراءه طالب، قوي الإيمان، واع بحق الأوطان.

على أن البلسم الحقيقي لكل هذا، سوف يظل دوما السلمية واللاعنف، والتآخي بين أبناء الشعب الواحد، المدنيين والعسكريين، وإشاعة الأخوة والمحبة، والتضامن والتعاون، وتوحيد الشعارات، والأعلام واللافتات، والتعلق بالمبادئ بدل التعلق بالأشخاص، فالأشخاص إلى زوال، والبقاء للأصلح من المبادئ والأعمال، وحذار من أي تدخل أجنبي، تحت أي غطاء كان.

وكما قال الشاعر العراقي أحمد مطر:

يا شرفاء

هذه الأرض لنا

الزرّ، فوقها لنا

والنفط تحتها لنا

وكل ما فيها، بماضيها، وآتيها لنا

فما لنا

في البرد لا نلبس إلا عرينا؟

فيا أبناء وطني! أيها الحراكيون النبلاء!

لقد انتهت ملحمة، وستبدأ ملحمة أخرى. أما الأولى فهي التي كانت مليئة، بالأشجان والأحزان، والتي كتبت بدماء القلوب، ودموع العيون، أما الملحمة القادمة فستكون مزيّنة بالآمال، والأماني، وستكتب بماء الورد، وعطر الياسمين، إنها –عكس الملحمة الأولى– سيتعاون الجميع على كتابتها، فيسهم فيها كل الطيبين، لتحقيق مطامح ومطالب الخيّرين. ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ ۚ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [سورة الإسراء، الآية 81].

عن المحرر

شاهد أيضاً

جمعية العلماء تحذر من عواقب العصيان المدني/ أ. د. عبد الرزاق قسوم

يا وطني الحزين يا شعبي الأمين! لا أحد كان يتمنى أن تؤول الأمور إلى هذا …