الرئيسية | حديث في السياسة | لهذا تكرم الجمعية الرجال../ التهامي مجوري

لهذا تكرم الجمعية الرجال../ التهامي مجوري

 

في الحملة التي قامت بها الجمعية في سنة 2010، لصالح إخواننا في غزة، قال لي أحد المواطنين.. ألا يوجد محتاجون في الجزائر حتى تذهبوا بالمساعدات إلى غزة في فلسطين؟

استحضرت هذا السؤال والجمعية تحضر لتكريم بعض رجال الجزائر، وتوقعت أنه يوجد في البلاد -وربما من أبناء الجمعية نفسها- من يقول كيف للجمعية، وهي تعاني ما تعاني من شح الموارد وقلة المتبرعين وضعف الشاعرين بحاجاتها، أن تكرم الناس وتقيم الاحتفالات وتقدم الهدايا، وبقطع النظر عن هذا الحدث الذي هو استثنائي، أقصد تكريم الأخوين محمد الهادي الحسني ومحمد ناصر، فإن مبدأ تكريم الشخصيات الفاعلة في المجتمع الذي تبنته الجمعية لا علاقة له بمدى قدرة الجمعية وطاقتها المادية على ذلك، وإنما هو مبدأ وضعته في برنامجها التثقيفي الإصلاحي لمعالجة الكثير من القضايا التربوية التحررية التي تحملها الجمعية في ثنايا مشروعها الإجتماعي الإصلاحي الذي بدأه الماهدون المؤسسون رحمهم الله.

أولا: لمطاردة المثل سيء الذكر “كي كان حي مشتاق تمرة وكي مات علقولو عرجون”، هذا المثل الذي يستحضره الجزائريون كلما مات رجل له شأن وكان مهمشا، وعندما مات بكى عليه الجميع بمن فيهم من كان يعد له أنفاسه ويحسب عليه كل حركاته وسكناته.

والجمعية بقيامها بهذه المبادرات ومن يشاركها في ذلك أيضا، إنما تقوم بواجب في حق الأحياء، لإشعارهم بمكانتهم في المجتمع، وهي وإن عجزت عن أن تعلق لهم “العراجين” فإنها تعمل لأن لا يشتاقوا تمرة، وواقع المثقف والداعية والمصلح في بلادنا لا يخفى على أحد، يحتاج فيه إلى الجو النظيف ليتنفس فيه، وليس لتمرة يأكلها او يتذوقها.

ثانيا: لتسجيل حضور الجزائر العميقة بأصولها وأعماقها الحضارية الثقافية الدينية، فالمجتمع الجزائري مجتمع مسلم، يحمل من الأخلاق والفضائل ما لا يعكسه حراك المؤسسات الثقافية والفنية والأدبية، فالكثير من الشخصيات التي يحتفى بها في المناسبات المختلفة، والكثير من “الأنصاب” التذكارية التي توضع هنا وهناك، وبعض الحفلات الفنية  التي تحيى في المناسبات، في معظمها لا تعبر عن عمق الجزائر الثقافي، مما يجعل كل غيور على وطنه ينتفض على هذا الواقع، وأقل الانتفاض القيام بأنشطة تثبت هذا الرصيد الوطني المثمر ومنه تكريم الأحياء من الفاعلين في الحركة الفكرية الأدبية الفنية، ولا ندعي أن هذا واجب الجمعية واحدها، وإنما هو واجب المجتمع كله، وقد قام ببعض ذلك معهد المناهج الذي أخذ على عاتقه تكريم شخصية علمية في كل سنة بانتخاب شعبي، وقد كشف عن الكثير من القامات العلمية الجزائرية  ذات الصيت العالمي، وكذلك كانت مديرية الشؤون الدينية ببجاية تقوم بقافلة ثقافية تجوب الولاية، ولا أدري أمازالت أم توقفت…؟

ثالثا: إن مجتمعنا بكل أسف زاهد في القراءة، ولا يعرف الكثير من رجال بلاده، في هذا الجو الدولي المشحون بتسويق الثقافات والترويج للشخصيات وعولمتها، والتبشير بالسياسات المنقذة للبشرية، تريد الجمعية بهذه اللفتة البسيطة –تكريم الرجال الأحياء قبل الأموات- والتعريف برجال الجزائر والمنافحين عن ثقافتها الأصيلة

رابعا: بعث الأمل في هؤلاء الرجال الذي أعطوا كل ما يملكون، فحرموا أولادهم من جلسات على الموائد، وحرموا أزواجهم من جلسات دافئة، وحرموا أرحامهم من زيارات واجبة عليهم أحيانا، وهذا فضلا عن حرمان الأهل والولد من الكثير من متع الحياة، فكان جزاؤهم الحرمان من الاعتراف بالجميل وكفرانه؛ لأن المثقف والداعية والمصلح يحتاج إلى الكتاب وإلى المكتبة وإلى السفر وإلى إكرام الضيف، وكل ذلك لا يستطيعه إن لم يقتر على نفسه وعياله.. في هذا الواقع المؤلم لا يسعه إلا اليأس إن لم يجد من يلفت الانتباه إلى هذه النقائص.

وهذا وإن كان هو طريق الرساليين الذين يحترقون كالشموع ليضيئوا طرق الآخرين، وعلى رأسهم الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، إلا أن الإنسان بطبيعته وفطرته التي فطر عليها يحن إلى الابتسامة في وجهه، وإلى من يقول له كلمة طيبة،  ولمن يعترف له ببعض ما يقول ويفعل، وجمعية العلماء تريد بفعلها هذا أن تنبه إلى مثل هذه الوقفات الإنسانية بعيدا عن التهوين والتهويل.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

ماذا يراد بالمجتمع السعودي؟/التهامي مجوري

إن ما يحدث في المملكة العربية السعودية الشقيقة من اهتزازات – على مستوى التحول الثقافي …