الرئيسية | وراء الأحداث | بعد نهاية عهد هل ستعود الكلمة للشعب؟/ عبد الحميد عبدوس

بعد نهاية عهد هل ستعود الكلمة للشعب؟/ عبد الحميد عبدوس

“أطلب منكم وأنا بشر غير منزه عن الخطأ، الـمسامحة والـمعذرة والصفح عن كل تقصير ارتكبته في حقكم بكلـمة أو بفعل”.

بهذه العبارات المفعمة بحرارة العاطفة، ومرارة الندم، ودع الرئيس المنتهية عهدته عبد العزيز بوتفليقة الشعب الجزائري بعد أن حكم الجزائر طوال أربع عهدات رئاسية متتابعة دامت عشرين سنة كاملة. لم يكن هذا الأمر ممكنا لولا اغتصاب دستور سنة 1996 الذي ورثه  عبد العزيز بوتفليقة عن سلفه الرئيس السابق السيد اليمين زروال الذي كان يحدد تولي السلطة الرئاسية بعهدتين فقط، وحتى الرئيس زروال جاء بدوره إلى السلطة سنة 1994 عن طريق اختراق دستور 1989 ومصادرة الإرادة الشعبية بتوقيف المسار الانتخابي الذي عرفته الجزائر في سنة 1991 والذي فازت به الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة.

التلاعب بالإرادة الشعبية والاعتداء على الشرعية الدستورية أديا إلى وقوع الجزائر فريسة بين مخالب عصابات الاستبداد والفساد التي نهبت خيرات الوطن وعرقلت مسار تنميته في جميع المجالات، وحولته رغم امتلاكه لطاقات بشرية هائلة، وثروات طبيعية زاخرة، وأمجاد تاريخية عظيمة، إلى دولة متخلفة يكرهها بعض أبنائها ويفرون منها في قوارب الموت بحثا عن لقمة العيش وحد أدنى من الكرامة الإنسانية في دول أخرى.

من المؤسف أن الجزائر التي ناضل من أجل تحريرها ملايين الأبطال، واستشهد في سبيل استرجاع هويتها الأصيلة خيرة أبنائها الأبرار، سرعان ما أصبحت مؤممة بعد استقلالها من طرف فئة احتكرت السلطة والثروة، وامتهنت تدوير الحكم بينها باسم الشرعية الثورية أحيانا، وباسم إنقاذ الجمهورية من أبنائها أحيانا أخرى ولم يعد الوصول إلى السلطة أو البقاء فيها يمر عبر المسار الانتخابي والتفويض الشعبي، ولكنه يكون محصلة لموازين القوى في هرم السلطة أو ترسيم لنتائج الصراع بين العصب والأجنحة المتنافسة على الحكم.

والواقع يثبت أنه كلما تحررت الإرادة الشعبية من سياط القهر وقيود الطغيان، أعطت للعالم نموذجا رائعا عن عبقرية الشعب الجزائري، ونضج وعيه، وعمق حبه لوطنه، فقد كانت مسيرات ومظاهرات الثورة الشعبية السلمية التي ملأت شوارع الجزائر وساحات مدنها بعد انطلاقها في 22 فيفري الماضي، بما حملته من شعارات سياسية، وهتافات شعبية، وأهازيج شبانية عبارة عن مهرجان وطني مفتوح للإبداع الجزائري والتضامن الشعبي. والمؤكد أن شعبا بهذه الروح الجميلة والميزات الأصيلة جدير بالاحترام، وأن المسؤولين والسياسيين والنقابيين الذين احتقروا الشعب وشتموه هم الذين سيصمهم التاريخ بالغباء والعار.

لقد تحولت فتنة السلطة، وحب الرياسة، وغواية الاستبداد إلى لعنة جعلت كل رؤساء الجمهورية في الجزائر لا يغادرون كرسي الرئاسة إلا بالانقلاب ( أحمد بن بلة ـ سنة 1965 أو بالوفاة (هواري بومدين ـ 1978) أو بالإقالة أو الاستقالة (الشاذلي بن جديد ـ 1992، اليمين زروال ـ 1998، عبد العزيز بوتفليقة ـ 2019).

وفي اعتقادي أن الرئيس المنتهية عهدته عبد العزيز بوتفليقة قد أقيل بفضل الرفض الشعبي وموقف قيادة الجيش الوطني الشعبي، ولم يستقل كما جاء رسميا في رسالته المقدمة للمجلس الدستوري يوم الثلاثاء 2 أفريل 2019، وهو الذي تشبث بمنصبه رغم الداء والأعداء لمدة عشرين سنة كاملة، فلو أنه غادر السلطة في سنة 2013 أو حتى لو أنه قدم استقالته في 19 جانفي الماضي، عند فتح باب الترشح  للرئاسيات 18 أفريل 2019 أي قبل ثلاثة أشهر من تاريخ رسالة الاستقالة، وتعهد للشعب الجزائري بإرجاع الكلمة له من خلال التعهد الصادق بتنظيم انتخابات رئاسية شفافة ونزيهة ومفتوحة، لضمن لنفسه خروجا مشرفا وربما حافلا بالثناء والذكر الجميل من طرف الجماهير التي طالبته بالرحيل .

ورغم ذلك أعتقد أنه يوجد من أبناء الشعب الجزائري من يحتفظون له بمشاعر التقدير لما قام بإنجازه لصالح الجزائر، ومن أهمها في تقديري جهاده من أجل تحرير الجزائر، وتشريفه الدبلوماسي لسمعة الجزائر في سبعينيات القرن الماضي، وتفكيكه خلال فترة رئاسته في الألفية الثالثة  لعصابة الديوان الأسود التي استولت على سلطة القرار في الجزائر وقيادة الجيش الذي ورطته في مواجهة الشعب خصوصا في تسعينيات القرن الماضي، وكانت نواة هذا الديوان الأسود مشكلة أساسا من ضباط  فرنسا، كما قام الرئيس بوتفليقة خلال فترته الرئاسية الرابعة في تقليم أظفار دولة “الدي أر. أس” مما ساعد في توحيد قرار الجيش الوطني الشعبي تحت قيادة المجاهد الفريق أحمد قايد صالح الذي أدى انحيازه إلى الحراك الشعبي إلى إبطال مناورة العهدة الخامسة وتمديد آجال العهدة الرابعة.

ولكن الخطأ الأكبر الذي ارتكبه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة هو ترك الحكم بعد مرضه في أيدي قوى غير دستورية، وتحويل مؤسسة رئاسة الجمهورية إلى مملكة عائلية، وتمكين عصابة المال الفاسد من نهب أموال الجزائر، والعبث بأرزاق الشعب دون حسيب ولا رقيب.

لقد حاولت القوى غير الدستورية والعصابة الفاسدة إلى عرقلة كل مساعي ومبادرات الخروج من الأزمة بسبب سعيهم إلى الحفاظ لأطول فترة ممكنة على مصالحهم الشخصية الضيقة غير مكترثين بمصالح الشعب وبمصير البلاد.

ووصل الأمر إلى حد عقد تحالفات غريبة ومشبوهة ومدعومة من قوة خارجية بين شقيق الرئيس السعيد بوتفليقة والقائد السابق للمخابرات الفريق توفيق (محمد مدين) ومحاولة الاستعانة بالرئيس الأسبق اليمين زروال رغم ما بين هؤلاء الشخصيات من خلافات وصراعات، ولحسن الحظ فقد رفض السيد زروال مناورة الالتفاف على مطلب الثورة الشعبية وتمديد حكم العصابة .

وللتذكير فإن البعض اعتبر الجلطة الدماغية التي أصابت الرئيس بوتفليقة في شهر أفريل 2013 كانت بسبب الصدمة التي أحدثها تهديد الفريق توفيق للرئيس عبد العزيز بوتفليقة بتسريب ملفات وفيديوهات الفساد التي تخص شقيق الرئيس السعيد بوتفليقة، كما أن الرئيس الأسبق زروال تعرض لوعكة صحية في صيف 1998 بسبب الحملة الإعلامية الشرسة التي كان  يحركها الجنرال توفيق ضد صديقه ومستشاره الجنرال بتشين وقبل كذلك توقيع اتفاقية الهدنة بين الجيش الإسلامي للإنقاذ ومصالح الدي.أر . أس في أكتوبر 1997 التي كان زروال يرفضها.

عن المحرر

شاهد أيضاً

عندما ينصب صحفي (ليكسبريسيون) نفسه مفسرا لخطاب جمعية العلماء المسلمين !/عبد الحميد عبدوس

نشرت جريدة “l expression” (ليكسبريسيون) الناطقة بالفرنسية الصادرة يوم الاثنين 25فيفري2019 مقالا بتوقيع إبراهيم تاخربوت …