الرئيسية | حديث في السياسة | قراءة في الآفاق!!/ التهامي مجوري

قراءة في الآفاق!!/ التهامي مجوري

لقد أدّى الشعب الجزائري ما عليه في حَراكه السلمي لسبعة أسابيع متتالية، في وضوح مطالبه، وانضباط فئاته، واستقامة جل شعاراته، والتفافها على المرجعيات الوطنية الأساسية، في أبعادها السياسية والثقافية والاجتماعية.

والمنتظر من النخب السياسية، والمرجعيات الوطنية الثقافية والدينية والاجتماعية، الرسمية والشعبية، أن تتفاعل مع هذا الحراك التفاعل الإيجابي المثمر، الذي ينتظره الشعب، وإذا لم يكن هذا التجاوب كما يجب ، أو كان في مستوى أدنى من المطلوب، فإن الآفاق سوف تكون مسدودة -لا قدر الله-، والتبعات تتحملها هذه النخب؛ لأن الشعب قام بما عليه، وقد قصرت هي فيما ينبغي أن تقوم به.

لا شك أن هناك مبادرات أعلن عنها، وأخرى ربما تنتظر الوقت المناسب للإعلان عنها، وثالثة قد تكون في طور التحضير، ومجموع هذه المبادرات، يمثل المقترحات الواقعة والمحتملة، وهي آفاق مفتوحة على جميع الاحتمالات، وليس على احتمال واحد فحسب، لا سيما عندما نُدخل عنصر التآمر على البلاد من قبل القوى الداخلية المعادية للدولة الوطنية، أو القوى الخارجية التي من طبيعتها البحث عن تحقيق مصالحها، ولو كانت على حساب الدولة والمجتمع.

بين أيدينا في التجاوب المعروض والمحتمل مع الحراك، والواقع الذي نعيش، تجاذبات هامة وقوية، تبدأ من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، ولكن أهمها طرحان أساسيان يهدفان إلى تحقيق مطالب الشعب ومعالجة الأزمة السياسية التي تمر بها البلاد.

  • أما الطرح الأول: فيتمثل في المضي في الحل الدستوري، وهو أن يتولى رئيس مجلس الأمة، لمدة ثلاثة أشهر،  لانتخاب رئيس جمهورية جديد، ثم يشرع الرئيس الجديد في الإصلاحات المطلوبة تباعا.

ولكن هذا الطرح عليه تحفظات؛ من حيث إن الشارع رافض للوجوه القديمة والمؤسسات القائمة؛ لأنها وجوه ومؤسسات محل شبهة، فهو رافض للمجلس الشعبي الوطني ولمجلس الأمة، لكونهما لا يمثلانه، وإنما يعبران عن وجه النظام الذي يطالب الشارعُ برحيله؛ بل وأكثر من ذلك، لا ثقة للشعب في إشراف المؤسسات الحالية والأشخاص على الانتخابات، ابتداء من المجالس القائمة: مجلس الأمة البرلمان المجلس الدستوري، وكذلك الحكومة القائمة، التي لا يُسمح بتغييرها إلا بعد انتخاب الرئيس الجديد، باعتبار أن كل انتخابات تجري في وسط منظومة يطالب الشعب برحيلها، سوف يكون لها نفس مصير الانتخابات السابقة محلية أو برلمانية أو رئاسية. وهنا تبرز أهمية الطرح الثاني.

  • أما الطرح الثاني: فهو طرح يتجاوز جزئيات الحل الدستوري، بالرجوع إلى روح الدستور، أي بالعودة إلى الشرعية الدستورية، وسيادة الشعب وممثليه الشرعيين، وينطلق هذا الطرح من المادتين 7 و 8؛ بحيث يقفز على كل المواد الدستورية التفصيلية المطروحة، وذلك بالعمل على تحقيق مطالب الشعب الحقيقية، وفق منهجية توافقية، قد تتعدد فيها الرؤى، ولكنها لا تكتفي بالعودة إلى نصوص الدستور الحالي وتخضع لها؛ لأن الدستور نفسه يحتاج إلى تعديل، فيرى البعض أن يكون البدء بتعيين رئيس يقوم بتسيير مرحلة انتقالية محدودة بأشهر معدودة -من ثلاثة أشهر إلى سنة-.. ويرى آخرون هيئة رئاسية بدل شخص واحد.

وتكون رزنامة هذا الطرح كالتالي:

يعين رئيس توافقي أو هيئة، وتُحَل الحكومة والمجالس القائمة، وتُشكَّل حكومة تصريف أعمال، وتُنْشأ لجنة للإشراف على انتخابات رئاسية، كل ذلك يتم بالتشريع بالأوامر الرئاسية من قبل رئيس الدولة المنصَّب أو الهيئة الرئاسية،  على أن يتم في مدة لا تتجاوز المدة المذكورة.

والفرق بين الطرحين أن الأول يعتمد  حَرفية الدستور، ولكنه يصطدم بمطالب الشعب الرافضة لبقاء النظام في شكله ومضمونه. لقد ذكرت تسريبات أن أطرافا تحضر شخصا آخر من أعضاء مجلس الأمة ليحل محل رئيسه الحالي عبد القادر بن صالح، ولكن الشارع قد لا يقبل به؛ لأن المطالب لم تقف عند حدود رفض الوجوه فحسب، وإنما تجاوزتها إلى رفض الهياكل أيضا.. وإصرار الجانبين على تجسيد إرادتيهما: جانب الحل الدستوري، وجانب المطالب الشعبية، يؤدي حتما إلى الصدام المؤذي –لا قدر الله-، لا سيما  وأن هذا الاصطدام سوف يكون في صورة مواجهة بين إرادة السلطة  وإرادة الشعب، على اعتبار أن المرافقة لتجسيد هذا الطرح أو ذاك سوف تكون بيد السلطة،.

وهذا ما يجعل الطرح الثاني هو الأنسب؛ لأنه يعتمد الحل السياسي تجاوبا مع الحراك الشعبي السلمي، مع التقيد بروح الدستور وليس بظواهر نصوصه؛ لأن واقعنا في أزمة، وحل الأزمة ينطلق من البحث عن  المخرج منها أكثر من البحث في الأشكال التي تجسد بها، ومع ذلك تبقى الحماية والضمان لكل مشروع سياسي، في مدى قوة شرعيته السياسية والأخلاقية، وذلك لا يتحقق إلا بالقدر الذي ينضبط فيه بالمنظومة القانونية للبلاد، وعلى رأسها الدستور الذي هو أصل بناء الدولة والمجتمع.

وهذا هو جوهر  مهمَّة وواجب النخب المتخصصة في قضايا المجتمع والإصلاح في جميع المجالات وهو ما تدعو إليه جمعية العلماء وتصر على بروزه كأصل من أصول حل الأزمة، بعيدا عن الحزبية الضيقة والفئوية وضيق الأفق والأدلجة المقيتة.

عن المحرر

شاهد أيضاً

ذكرى للتعبد والتضحية وصبر/ التهامي مجوري

مر على الحراك الشعبي السلمي 12 أسبوعا، ولا ندري إلى متى سيستمر؟ ولا إلى أي …