الرئيسية | شعاع | على طريق بناء الدولة العادلة/ حسن خليفة

على طريق بناء الدولة العادلة/ حسن خليفة

التصرّف الشرعي الأمثل في الأموال..أحد مطالب الحراك الشعبي الوطني  في مساره المنتظم الذي تجاوز الأسبوع السابع حتى الآن، عبّر الشعب الجزائري عن كثير من “مطالبه”  في تلك المسيرات بوضوح، ومنها مطلبه في دولة قوية متينة الأركان عادلة منصفة، غنية مزدهرة، إذ تملك كل المقوّمات لذلك، بما حباها الله تعالى من مقدّرات وإمكانات فوق الأرض وتحت الأرض وفي كل جهة ومنطقة.

ومن مقتضى تلك المطالب الواضحات المعلنة المعبّر عنها بقوة  ـ بالشعارات والهُتافات ـ ..مطلب الشعب ورغبته في دولة عادلة قوية،  وأخص ما يكون العدل في المجتمعات إنما هو في تطبيق ما يمكن تسميته بـ” التوزيع العادل للثروة ” بين أفراد المجتمع، بأشكال وصيغ مختلفة متنوعة.

ولا  يشك أحد في أن إحدى أخطر القضايا وأبرز المشكلات في وطننا، هو فقدان هذا العدل وانعدام الإنصاف في هذا الشأن؛ فقد استأثر بالثروة لفيف من المتنفّذين صنعوا إمبراطوريات مالية ضخمة، دون وجه حقّ، وبتسهيل وتواطؤ خاطيء وغير قانوني، ممن وصلوا إلى الحكم، بالطرق المعروفة من تقاسم منافع، وأخذ نسب عن كل مشروع الخ…، فإذا نحن أمام دولة من الأثرياء الجدد الذين تعاظمت ثرواتهم وتكاثرت أموالهم واستطالت واتسعت ممتلكاتهم بشكل قلّ نظيره في المجتمعات التي تعرف معنى العدل والإنصاف. وقد أنتج هذا الاختلال ما أنتج من مظالم ومخرجات سيئة، حتى صار يُقال عن الجزائر “دولة غنية وشعب فقير” ، ومثلها كثير من الأمثولات التي تبرز الاختلال بين فئات المجتمع: فئة قليلة العدد كثيرة الثروة والمال أخذته غصبا وسرقة وخداعا، وفئات عريضة واسعة فقيرة معدمة، أو تقف عند حد الكفاف…بل إن ممّا لاحظه الدارسون ظاهرة  اختفاء الطبقة الوسطى ـ تقريبا ـ  في الجزائر، وهو أمر له دلالات كثيرة تفيد وتعزز فكرة الاختلال المالي والاقتصادي والاجتماعي الذي صنعه أخطبوط المال الفاسد.

وحيثُ إن العدل وما يتصل به من قيّم الإنصاف والمساواة والاستحقاق وسواها من القيم، على صلة وثيقة بمسألة “الأموال” فقد رغبتُ في أن أبسط بعض الكلام الشرعي الراسخ في مسألة التصرّف في الأموال ومناطها، وما يجب وكيف يجب أن يكون الأمر والتصرّف في شأنها. ويمكن من خلال ذلك أن نفهم حقيقة الفشل الذي وصلنا إليه في بلدنا في هذا الشأن، أي كيف قادنا سوء الاستخدام وسوء التصرّف في الأموال الضخمة التي هيأها الله تعالى لنا ـ كدولة ومجتمع ـ فكانت النتائج…خرابا أو قريبا من الخراب؛ حيث ذهب أكثر تلك الأموال إلى حسابات وجيوب المتنفّذين والمنتفعين في شبكة العلاقات الزبائنية الآثمة بين أطراف السلطة وحواشيها وامتداداتها في الجوانب المالية والتجارية والاقتصادية. فكيف نفهم قضية الأموال ووجوه التصرف الراشد الحقيقي فيها؟ دعنا نستعين بهذه السطور(*) لفهم ذلك على النحو المطلوب، بحول الله.

*****

“قضية المال وكسبه وامتلاكه وإنفاقه واستهلاكه، قضية المعاملات المالية، والمنازعات المالية هي: إحدى القضايا التي تشغل كافة الناس: أفرادا وجماعات ودولا ومجتمعات، وهي عندهم قضية العمر، وقضية الأجيال، قضية الحاضر والمستقبل، مثلما هي قضية كل يوم وكل وقت وحين.

وكثير من الحروب والصراعات، ومن الخصومات والعداوات إنما هي لأسباب مالية ولأهداف مالية.

فلا جَرمَ أن تحتلّ الشؤون المالية حيّزا كبيرا في جميع الشرائع والقوانين ومن القواعد التشريعية، وهذا هو شأنها في الشريعة الإسلامية.

الأحكام والقواعد الشرعية المتعلقة بالأموال، أساسها ومرجعها هذه القاعدة الكلية (“التصرّف في الأموال منوط بالحقّ والنفع“)؛ فجميع التصرفات المالية، يجب أن تكون بالحق والعدل، وأن تكون في نفع ومصلحة.

وبما أن وجوه الحقّ، ووجوه النفع في كسب الأموال وامتلاكها وتداولها وإنفاقها هي من الكثرة والتنوّع، ومن التجدّد والتفرع؛ بحيث لا تُعدُّ ولا تُحصى، ولا يمكن ذكرها ولا حصرها، فإن الشرع اتجه إلى ذكر ما لا يصحّ ولا يجوز منها، وهو النهج الذي نبهت إليه الآية الكريمة {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ}(الأنعام: 151) أي بتسمية ما هو محرّم وما سواه فمباح .

ومرجع التحريم في الأموال والتصرفات المالية إلى أمرين:

1ـ تحريم كسب الأموال وتناولها وتداولها بالباطل،  أي بغير وجه حق واستحقاق.

2ـ تحريم صرفها واستعمالها واستهلاكها فيما لا نفع فيه ولا طائل تحته أو فيما فيه ضرر أو فساد. ففي الوجه الأول نجد مثل قوله تعالى:{وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}(البقرة:188) وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} (النساء:29).

وهكذا، فكل كسب أو إكساب للمال بوجه من الوجوه التي تمنعها الشرائع المنزّلة، أو تمنعها الأخلاق الكريمة، أو تمنعها الأعراف القومية، أو تمنعها القوانين العادلة، أو العهود الصحيحة، فهو كسب محرّم، وهو أكل للمال بالباطل.

ويدخل في أكل المال بالباطل ـ على سبيل المثال ـ المكاسب الناجمة عن الغصب، والتدليس، والخداع، والغشّ، والرشوة، والميسر، والزور، .. وللأسف فكل ذلك وغيره مما توفر في بيئتنا المالية والاقتصادية بحيث أُكسب ناس الأموال الطائلة دون وجه حق أو استحقاق. والجميع يعرف ذلك، وربما جاءت الفرص لتنشر وسائط الإعلام كل ذلك الإجرام في حق الوطن ومقدّراته بسبب من هذا الكسب الحرام .

——————

يُتبع ..الجزء الثاني نخصّصه للاستخدام الأمثل والصحيح للأموال وكيف يجب أن تنفق وتُصرف في رشادة واقتدار لتصنع المستقبل المطلوب للشعوب والمجتمعات .

  • التصرّف في الأموال منوط بالحق والنفع ص 118 ـ الكليات الأساسية ـ

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

قراءة عادية في “حراك …” غير عادي/ حسن خليفة

  أيّا كانت مآلات “الحراك ” التاريخي  السلمي الكبير والشامل والقويّ الذي عبّر من خلاله …