الرئيسية | قضايا و آراء | ‏الحل والدستور!/ علي حليتيم

‏الحل والدستور!/ علي حليتيم

لا شك أن كل الجزائريين يتابعون النقاش الدائر حول سبل الخروج من الأزمة السياسية العميقة التي كشف عنها الحراك الشعبي الممتد منذ سبعة أسابيع.

ولا ريب أن من أكثر ‏النقاط حساسية في البحث عن الحلول هو توخي الشرعية الدستورية ،لأن الناس لا يريدون أن يخرجوا عن ذلك الإطار العام حتى لا تتحول قضيتنا  الى لعبة موازين القوى بحتة لا ضابط لها.

‏لكن الناس يخطئون ولا ريب في نظرتهم الى الدستور لأن الدستور في حقيقة أمره مجرد ورقة تلخص حال الأمة و ماضيها وهويتها ومبادئها وما تريد أن تبلغه من اهداف ومآلات.

‏إن الدستور لا يخلق أمة، وإن الأمة الجزائرية ليست أمةة لقيطة جات من عدم وليست أمة متسكعة على أرصفة التاريخ والهويات تبحث لها عن عنوان مناسبة وليست وليدة الأمس حال الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من الدول المعاصرة  حتى تكون بحاجة إلى وثيقة تجمع شتات مكوناتها. لا يجمع بين المكسيكي والإرلندي في الولايات المتحدة الأمريكية ‏إلا تلك الوثيقة التي يسمونها الدستور، أما الجزائريون فتجمعهم القرون الطويلة من العيش المشترك والصفحات الكثيرة من المجد الغابر والآتي والآيات المجيدة من وحي النساء الطاهر.

وبريطانيا – وهي من أعرق الأمم باتفاق جميع الناس – لا تملك دستورا مكتوبا وإنما يحكمها القانون العام أو المشترك ( وهو قانون إنجليزي قديم وغير مكتوب ، يعتمد أساساً على العرف والعادات والقرارات وتحكمها الاتفاقات والتقاليد الدستورية وهي عبارة عن قواعد وممارسات وتفسيرات اكتسبت مع مرور الزمن صفة ملزمة للسياسيين رغم كونها غير مسطورة منها أن التاج ملزم بتعيين زعيم حزب الأغلبية كرئيس للوزراء مثلا.

ومن أكبر المفارقات في العصر الحديث أنك تجد رجال السلطة الفلسطينية لا يكفون عن النقاشات الطويلة التي لا تنتهي حول الدستور والمواثيق التي ينبغي أن ‏تحكم الدولة الفلسطينية الموعودة في حين أن عدوتهم إسرائيل لا تملك – ولا تريد أن تملك – دستورا ‏لأنها دولة توسعية لم تستقر حدودها بعد، ولأنها لا تريد أن تضع الدستور حتى يكتمل قدوم يهود الشتات ويعتبرون أن لهم الحق في وضع الدستور الذين يعيشون تحت طائلته، ولأنها دولة تفخر بماضيها العريق وتريد أن تكون على شاكلة بريطانيا التي ترجع إلى ماضيها البعيد بدل أن تضع دستورا جديدا مثل الدول الناشئة، ‏وهي لا تريد أن تحدث بالدستور استقطابا بين العلمانيين والمتدينين فيها ولا تريد كذلك أن تكبل به الحكومة الإسرائيلية في سياساتها العدوانية تجاه الفلسطينيين ‏فلا بد من احترام الدستور إن وضع واعتمد!

إن الدستور المكتوب لا يخلق دولة دستورية ، لأن الدستور إذا لم يسطر ما في الأمة من قيم وهوية وأخلاق فهو ورقة مكتوبة،  وإن الدستور الذي لا يُخضع الناس لمبادئ العدل والمساواة والكرامة لجميع المواطنين ورقة غير جديرة بالإحترام.

‏ومن هذا المنطق ندرك أن النقاش الدستوري الحاصل في بلادنا ‫ يسير برجل واحدة ، وندرك أن كل العهود السابقة في بلادنا كانت تسير بمنطق موازين القوى وتوازن المصالح الضيقة حتى جاء هذا الحراك المبارك فنبه الجميع على أننا ابتعدنا عن روح الدساتير وروح ‏القوانين وروح الدول المعاصرة التي تقوم على الحريات السياسية والإعلامية والفصل بين السلطات واستقلال القضاء ‏والسلطات المضادة التي تحدث التوازن وتمنع الدكتاتورية والمجتمع المدني الذي هو عين الشعب على الجميع.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

دور الإمام عبد الحميد ابن باديس في تمتين الرّوابط الثقافية بين تونس والجزائر/ محمد بسكر

ترجع جسور التبادل الثقافي بين البلدين إلى عهد الدولة الحفصية، حيث كانت مدينة قسنطينة تمثل …