الرئيسية | حوار | المؤرخ جمال يحياوي في حوار مع جريدة البصائر/ حاورته: فاطمة طاهي

المؤرخ جمال يحياوي في حوار مع جريدة البصائر/ حاورته: فاطمة طاهي

 

“أغلب قادة الثورة التحريرية من خريجي جمعية العلماء المسلمين”

ضرورة توثيق كل مشاهد الحراك الشعبي

في خضم الأحداث الوطنية التي تعيشها الجزائر، في الوقت الراهن، حدثنا المؤرخ الجزائري الدكتور جمال يحياوي، في حوار خص به جريدة البصائر، أن الحراك الشعبي والمسيرات التي تشهدها مختلف ولايات الوطن جاءت نتيجة لتراكمات، هذه التراكمات التي بدأت منذ استرجاع السيادة الوطنية، وهي المرحلة التي كان فيها الكثير من الأخطاء في تسيير الدولة، فضلا عن عملية الاقصاء من السياسة التي تعرض لها بعض القادة الأوائل في الثورة التحريرية، مثمنا السلوكات الحضارية التي تحلى بها شباب الجزائر، بعدما أكد للعالم أنه شباب واع، وذلك من خلال سلميته وتلاحمه وتضامنه، مشيرا أن وعي هذا الجيل لا يختلف عن وعي شباب الخمسينيات، الذين قادوا الثوة وضحوا بأرواحهم في سبيل الوطن، داعيا في هذا الصدد المختصين والأكادميين وكذا الاعلاميين الى تسجيل كل أحداث المسيرات وتوثيقها، لتكون أرشيفا يضاف الى الذاكرة الوطنية، كما تحدث الدكتور جمال يحياوي، عن أهم الأحداث والمراحل التاريخية التي يجب أن ترسخ في الذاكرة الشعبية، مشيرا الى مرحلة المقاومة والتحرير، والتي كانت لها الدور الريادي في استعادة الوحدة الوطنية ووحدة الشعب.

من هو الدكتور جمال يحياوي؟

الأستاذ جمال يحياوي، أستاذ جامعي منذ سنة 1988، باحث أكاديمي، اشتغلت عدة وضائف أكاديمية وادارية في مجال البحث والادارة، وفي مجال تسيير كل ما له علاقة بالذاكرة عموما، كما اشتغلت في الحقل الاعلامي ومازلت أشتغل في هذا الحقل كمستشار في العديد من المؤسسات الاعلامية، وككاتب صحفي منذ أكثر من 30سنة، اضافة الى النشاطات التكميلية الأخرى من خلال انجاز العديد من المشاريع العلمية والثقافية، والتي لها علاقة بالذاكرة الوطنية سواء ما يتعلق بالنشر عامة، أو ما يتعلق بالأفلام التاريخية وبالأشرطة الوثائقية وبالحصص الاعلامية التلفزيونية، وأطول وضيفة تقريبا اشتغلت فيها هي مدير المركز الوطني للبحث في الحركة الوطنية، لمدة 14سنة، كما اشتغلت كمستشار لوزير، أيضا كرئيس قسم في  البحوث والدراسات، اضافة الى عضويتي في العديد من اللجان العلمية سواء مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ووزارة الدفاع الوطني، وزارة الثقافة، وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، ودائما حول ما له علاقة مع  التراث والذاكرة عموما، اضافة الى عضويتي في العديد من الهيئات الدولية في هذا المجال، كعضو محكم في عدة مجلات وفي ملتقيات علمية وطنية ودولية أيضا، شاركت في العديد من الملتقيات العلمية الوطنية والدولية، واليوم أنا مديرا للمركز الوطني للكتاب منذ سنة ونصف.

ما هي أهم مؤلفاتكم؟

بالنسبة للمؤلفات، تخصصي  هو التاريخ الحديث والمعاصر، لكن لدي بعض الاهتمامات الأخرى، أهم اصداراتي: “المنير في تاريخ الجزائر المعاصر منذ 1996م”، “الهجرة الجزائرية الى المشرق”، اضافة الى نصوص ووثائق حول الثورة الجزائرية، كما أنجزت مؤخرا اخر اصدار متعلق بقسنطينة في اطار قسنطينة عاصمة الثقافة، وتحت اشراف وزارة الشؤون الدينية والأوقاف، “هي قسنطينة”، وذلك من خلال مجلة الأصالة في خمس مجلدات، كما توجد مشاريع أخرى طور الانحاز، متعلقة دائما بالعمل العسكري، لأن توجهي هو نحو التاريخ العسكري للجزائر.

تقييمكم للحراك الشعبي والمسيرات السلمية التي عرفتها مختلف ولايات الوطن، والتي قدم من خلالها الشعب الجزائري للعالم درسا في الديموقراطية والتحضر؟

فعلا ما نلاحظه في هذه الأيام في هذا الحراك الوطني هو الهبة الشعبيىة، وهذه الهبة الشعبية نتيجة لتراكمات، وهذه التراكمات بدأت بعد استرجاع السيادة الوطنية، المرحلة هذه عرفت انتصارات وعرفت انكسارات، كان فيها الكثير من الأخطاء في تسيير الدولة خاصة بعد الاستقلال مباشرة، وذلك من خلال عملية الاقصاء التي تعرض لها القادة الأوائل في الثورة التحريرية، من مختلف المشارب السياسية، وعدم الانصات الى مختلف الأطراف، أيضا الوحدوية في الفكر، وفرض الأراء والابتعاد عن الحوار البناء، كل هذه التراكمات المختلفة أدت الى ما وصلنا اليه الان، الحراك اليوم يمثله شباب، أغلبهم من مواليد التسعينات، لذلك هذا الجيل أدرك ان عليه مسؤولية كبيرة جدا، وأدرك أن الجزائر التي تحررت، ليست هي الجزائر التي يريد ان يعيش فيها اليوم، هو يبحث عن الجزائر الهوية والجزائر القوية، والجزائر الامنة، ولذلك هذه الاختلالات التي وقعت في التسيير في مختلف مناحي الحياة  السياسيىة والاقتصادية والصحية والمنظومة التربوية، أدت الى نوع من الفطنة لدى الجيل الجديد، الذي رأى نفسه مطالبا بضروروة التغيير وتغيير الأوضاع، لأن عليه أن يقول كلمته، وعليه أن يفرض نفسه، ولا يبقى خارج اللعبة، لقد تم تغييب الأجيال في ظروف معينة سواء محلية أو دولية، ولذلك هذا الجيل اليوم عرف أن لديه مسؤولية اتجاه هذا البلد، وذلك من أجل اعادة الاعتبار لهذه الدولة الجزائرية الحديثة نتيجة الاستقلال الوطني، دولة بمكوناتها الهوياتية، دولة بكل مقوماتها الثقافية، وبكل قوتها الاقتصادية وبقوتها السياسية، اليوم هذا الجيل يأتي الى مقارنة بسيطة جدا: هل الواقع اليوم هو حلمنا؟ نجد العكس، الأليات الان موجودة، وكل الامكانيات متوفرة لان نقلع اقلاعة حقيقية، كما ان جيل اليوم يشاهد تجارب الدول الأخرى، التي هي أقل شأنا منا من ناحية الامكانيات ومن ناحية الكفاءات، لكن هذه الدول وجدها أنها وصلت الى مرتبة معينة، ونحن بقينا في مكاننا، وبالتالي أدرك هذا الجيل أن فيه خلل ما، فتحرك من أجل اعادة السكة الى الطريق، فنتمنى أن نحافظ  على أهم شي وهو هذا الوعي الشبابي الكبير، هذ الشباب الذي أدرك الوضع وفهمه، ولديه من مقترحات، ويرى نفسه مؤهل لأن يكون طرفا في ايجاد حل للقضايا الاجتماعية  والثقافية والسياسية المطروحة، ثم ان هذ الحركية الشعبية التي نراها في المجتمع لا تختلف عن مرحلة الخمسينات، التي كانت فيها مختلف فئات المجتمع الطلبة والعمال، ففي السابق خاصة في مرحلة التسعينات وفي اواخر الثمانينات كان اذا وقع الحراك السياسي، يكون اما لفئة سياسية معينة، أي لاتجاه سياسي معين، اما اليوم نلاحظ أن مختلف شرائح المجتمع قد اندمجت في هذا الحراك، حيث أن هذا الحراك غطى كل التراب الوطني، لم تكن الاحتجاجات جهوية، مثل التي وقعت في بلدنا سابقا، أو حتى التي وقعت في بلدان الجوار لم تكن على قدر هذا التلاحم الكبير بين الشعب وبين الجيش، وهذا دائما يعود الى تاريخنا، وهذا شيء ايجابي حقا ويختلف عن الشعوب الأخرى، ففي الخمسينات عندما وقعت الحركة الوطنية في مأزق، وكادت أن تتمزق ويقع الانصدام بين المناضلين، الشباب في المنظمة الخاصة تحملوا وأعلنوا الثورة، ثم دائما هذا التلاحم بين الجيش وبين الشعب هو مصدر القوة، التي نعول عليها اليوم لعودة الجزائر الى أسقاف الدول الكبرى.

هل ترون أنه لابد من تأطير الحراك الشعبي واختيار ممثلين عن الشعب، للحديث باسمه؟

هذه اجراءات تقنية ومعروفة في العالم، ينبغي دائما لأي عمل معين التنطيم لأن التنظيم ضروري والتأطير ضروري، لكن باليات تسمح بتحقيق الهدف، وليس للانخراط في عملية التكتل، أو الحزب الضيق، او لضروف جهوية معينة، ينبغي الان التأطير الفعلي لحركة الشباب، فمثلا قادة الثورة التحريرية، والتنظيم الذي كان بينهم، بين الشهيد مصطفى بن بولعيد من جبال الأوراس، والعربي بن مهيدي من عين ميلة، وكريم بلقاسم من بحاية، ومحمد بوضياف من الحضنة، وسي أحمد يوشعيبي القادم من عين تموشنت، وأحمد زبانة القادم من وهران، وأحمد بن بلة القادم من المغنية، هذه المجموعة هي نواة صلبة قوية، وهذا ما نريده اليوم، نريد التمثيل أن يكون على أساس ما يمكن أن يقدم للجزائر بعيدا عن كل الحسابات التي أوصلتنا الى ما نحن عليه الان، بعيدة عن الاقصاء، بعيد عن التعصب في الرأي، بعيدا عن النظرة الضيقة، وعن المصلحة الذاتية، بعيدا عن المصلحة المرتبطة بمنطقة معينة أو جهة ما.

ونحن نعيش هذه المرحلة من المسيرات، التي تضمنت العديد من الأحداث والصور، هل هذه الأحداث والصور دكتور مهم جدا أن توثق حتى تبقى في أرشيف تاريخ الجزائر، وتكون مواضيعا جديدة، تناقش في الجامعات خاصة في كلية علوم الاعلام وكلية العلوم السياسية؟

أنا أدعو الان المختصين والباحثينن ووسائل الاعلام الى عدم تفويت الفرصة، وتسجيل كل شاهدة وردت في هذا الحراك، الشعارات المرفوعة ستكون مستقبلا مواضيعا لعشرات الرسائل في الصحافة وفي العلوم السياسية، الصور والرسومات والشعارات المنادى بها، يجب أن توثق، لأنه بعد سنوات نحتاج الى كل هذه المعلومات عن الحراك كأرشيف مهم جدا، وقد نحتاجه كمحلليلين سياسيين وكملاحظين، وبالتالي ضرورة توثيق كل هذه القضايا بصغيرها وكبيرها.

ماهي أهم المراحل التاريخية التي يجب أن تبقى دوما راسخة في الذاكرة الشعبية الجزائرية؟

الحديث عن أهم المراحل التي يجب أن ترسخ في ذاكرة الأجيال، هي مرحلة المقاومة والتحرير، لماذا؟، لأن هذه الدولة التي نعيش فيها اليوم هي صنيعة المرحلة، مرحلة المقاومة والتحرير، نحن نعرف أن الجزائر قد أغيبت عن مسرح الأحداث الدولية في جويلية 1830م، ولم تستعد سياداتها الا بعد 132 سنة، وبالتالي الدولة الحديثة التي استرجعت سيادتها في جويلية 1962م الى اليوم، حوالي 60 سنة، هي نتيجة لهذا الكفاح المرير من أجل اعادة رسم خريطة الجزائر الجديدة، واستعادة سيادة الجزائر الجديدة، لذلك أهم مرحلة هي الخاتمة، أي المرحلة الأخيرة من تاريخ الجزائر، التي توجت باعادة الاعتبار للدولة الجزائرية، لكن هناك مراحل مهمة جدا لا يمكن الاستغناء عنها منذ 1962م الى اليوم، وفي نظري هي مرحلة واحدة ولكن ممكن أن تكون فيها بعض التقسيمات حسب الفترات، وكل فترة لها مميزاتها: فترة السبعينات بمميزاتها وخصوصياتها وتركيبتها الاجتماعية، فترة الثمانينات كذلك بمميزاتها، ثم فترة التسعينات، والفترة الأخيرة التي نعيشها اليوم في حراكها الكبير وفي تداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وحتى الجوسياسية في علاقاتنا مع دول الجوار ومع العالم ككل.

ألا تعتقدون أن هناك غموض أو جهل في بعض الحقائق التاريخية لتاريخ الجزائر؟

أكيد هناك كثيرا من الحقائق التي لا يعرفها المتعلمون، لماذا؟، لأننا لم نعطي اهتماما كبيرا لقضية الذاكرة، الا في السنوات الأخيرة، فارتبط الحديث عن الذاكرة بالمناسباتية، بالنرجسية، وبالاحتفالية، وأكثر من ذلك ارتبط بخدمة الاخر، يعني توظيف الأحداث التاريخية أو توظيف التاريخ كسجل تجاري لمن يريد الوصول الى مارب معينة سواء سياسية أواقتصادية أو لمناصب معينة، وبالتالي كأن هذا التاريخ هو حكر على فئة معينة أوعلى جهة معينة أو تحت وصاية هيئة معينة، في حين أن الحقيقة تختلف عن ذلك تماما، وهي أن هذا التاريخ هو ارث مشترك، الذاكرة الجماعية للأمة هي مسؤولية الجميع، وهي مسؤولية كل القطاعات، عندما أتكلم عن قضية تاريخ الوطني، تتجه الأنضار الى وزارة معينة أو وزارتين كأقصى تقدير، أو نحمل المسؤولية للجامعيين أو الى الصحافة فقط، لا الذاكرة هي مسؤولية الجميع، الكل مطالب بالمساهمة، في تدوين وتثمين والحفاظ على الذاكرة ونقلها الى الاخر خاصة الى الأجيال اللاحقة، ولهذا المسؤولية مشتركة، كما أن اهتمام العديد من القطاعات الوزارية بقضايا بعيدة عن مجال الذاكرة، هو الذي أدى الى هذا الخلل، وبالتالي لا أقول أن هناك فراغ كبير، لكن فيه نقص كبير في قضايا حقيقية يجهلها أبناء اليوم حول المراحل التي مرت بها الدولة الجزائرية، كحول رمزية الأحداث، لماذا؟ لأني لا أتكلم عن التاريخ كحدث انتهى في زمانه، انما عن الأحداث التي تصنع اليوم الحاضر، حتى هذا الحراك الذي نعيشه اليوم هو نتيجة تراكمات لأحداث، اذ غابت عنا قضايا كثيرة لم تعالج حينها منذ عشرات السنين، ها هي تطرح نفسها من جديد بصيغة ثانية، فلو أدركنا حينها مثل هذه القضايا وهذه الخلفيات وهذه الخلافات، لما وصلنا الى بعض الأمور التي نعيشها اليوم.

من مؤلفاتكم كتاب بعنوان: “جيش التحرير الوطني”، لماذا كان اهتمامكم أولا بهذا المجال؟

انجزت رسالة الدكتوراه وكانت أول دكتوراه حول التاريخ العسكري للثورة التحريرية، ففي مرحلة التسعينات كان دائما الخوف من الكتابة في تاريخ الثورة، والمؤلفات كانت قليلة جدا، فأنذاك لما كنت شابا في الجامعة كنت بحماس الشباب، والمحاولة دائما الخروج عن المألوف، فحاولت أن أخوض في هذا العمل، وانجاز رسالة دكتوراه دولة، حول جيش التحرير الوطني، أي العمل العسكري الثوري لجيش التحرير الوطني، لم تكن هذه المهمة سهلة خاصة في غياب الأرشيف، وفي غياب أيضا المؤطرين، لأن كل الدراسات كانت تتوقف عند مرحلة 1962م، والحديث عن جيش التحرير الوطني، أي عن الفاعلين الميدانيين أنذاك، وهم قادة عسكريين وسياسيين، وأكثر من ذلك هم المتواجدين في دواليب السلطة فيما بعد، وفي تسيير الجزائر من 1962م الى غاية المرحلة التي أنجزت فيها الدراسة، بمعنى أنا مطالب ومضطرأن أتناول مثل هذه الشخصيات وهذه الأحداث وهذه الخلافات والتصفيات والاغتيالات وغير ذلك، ولذلك اجتهدت حتى اقدم تلك الصورة، للدورالريادي لجيش التحرير الوطني كحركة تحررية.

ما هي أهم النقاط أو الأحداث التي تطرقتم لها في هذا المؤلف “جيش التحرير الوطني”؟

جيش التحرير الوطني يختلف عن باقي جيوش العالم من حيث النشأة، هو الجيش الوحيد في العالم الذي سبق ميلاد الدولة، يعني جيش التحرير الوطني لم ينشأ بمرسوم ولا بقرار ملكي ولا بمقرر، بل هو من ساهم في ميلاد هذه الدولة، الدولة المستقلة في 1962، جيش التحرير سبق ميلاد الدولة في 1 نوفمبر 1954، وهو الذي صنع هذه الدولة، كما أن هذا الجيش ولد في زخم المعاناة الشعبية، لم يتأسس في الصالونات أو في المؤتمرات أو في لقاءات سياسية على غرار ما نعرفه في جيوش العالم، لم ينشأ بتوصية من دولة كبرى في اطار استراتيجية مثل ما نعرفه اليوم عن  الكثير من الجيوش، أو حركات التحرر التي تم تأسيسها بقرارات دولية وبمخططات واستراتيجيات معينة، فجيش التحرير ولد من رحم معاناة الشعب، لذلك فالعمق الشعبي والأصول الشعبية لاطارات وجنود جيش التحرير الوطني، هي التي أضفت الطابع الخاص لهذا الجيش، أكثر من ذلك أن الجانب العسكري للجيش التحرير الوطني يختلف عن باقي الحركات التحررية لبعض الجيوش، الهدف الرئيسي للجيش العسكري هو الوصول لهدف واحد، وهو استرجاع السيادة الوطنية، الجيش لم تكن أهدافه أنذاك الحصول على نقاط استراتيجية معينة، أو توسع على حساب دولة أخرى، أو الحصول على مجال حيوي خارج مجاله، وانما كان الهدف واضح هو اعادة الاستقلال والسياد ة لهذه الدولة، التي سلبت منها، نقطة أخرى مهمة هي: التركيبة المتنوعة لجيش التحرير الوطني فيه من الفلاح فيه من الطبقة العاملة البسيطة فيه من قدماء الحركة الوطنية المناضلين في المنظمة الشبه العسكرية المسلحة، فيه أيضا العناصر المتعلمة من الطلبة ومن الأطباء ومن المحامين، فيه أيضا العنصر النسوي القوي في مرحلة الخمسينات سواء من طالبات الثانوية أو طالبات الجامعة، فيه أيضا العناصر التي كانت متميزة في العمل العسكري من المجندين في الحرب العالميىة الثانية، هناك ايضا عناصر دخلت من خارج الحدود مما يسمى بلغتنا اليوم لغة الحراقة، ممن كانوا طلبة أو اطارات في هيئات خارج الجزائر في العالم العربي أو في اروبا، وفضلوا الالتحاق بجيش التحرير الوطني، ثم الشيء الذي وقع في التركيبة العسكرية للجيش التحرير الوطني هو التداول على السلطة والتداول على القيادة، اذ لاحظنا في السنوات الأولى خمسة قادة معروفين قادوا خمسة مناطق، وكان منسق واحد، وهو سي محمد بوضياف رحمه الله، وأقل من سنة تقريبا ثلاثة استشهدوا، استشهد من استشهد واعتقل من اعتقل، لكن بالسرعة يخلفهم قادة اخرين ميدانيين مارسوا نفس العمل بعد سنتين أو الى غاية سنة 1957م، ذهب تقريبا أكثر من 75 بالمئة من القادة الميدانيين الأوائل، أبعدوا عن الساحة عن طريق الاستشهاد أو الاعتقال أو الخروج الى خارج البلد، لكن يأتي جيل اخر من القادة  خاصة بعد التحاق الطلبة والمثقفين بعد اضراب ماي  1956م، ليشكلوا نواة أخرى جديدة، اذ هذا التداول على القيادة والانتشار لجيش التحرير الوطني هو الذي جعل منه جيش متميز في باقي الشعوب، نقطة أخرى هو التدرج في العمل العسكري الذي لم نجده عند باقي الشعوب الأخرى وباقي الجيوش الأخرى، حيث استطاع في ظرف وجيز أن يصبح جيش واحد مثل الجيوش، ليستطيع أن يواجه الجيش الفرنسي، اذ كان الجيش الفرنسي انذاك واحد من أكبر الجيوش في العالم في القرن 19 والقرن 20، هو الجيش الذي قاد بين العالميتين الاولى والثانية، والذي لديه كبريات المدارس العسكرية الى اليوم، فاستطاع جيش التحرير الوطني في ظرف زماني، أن يقف ضد جيش أو قوة عالمية تعتبر واحدة أقوى من الخمس الأوائل في العالم عسكريا وحتى سياسيا.

ما هو تقييمكم لعملية تأريخ الحركة الوطنية وثورة التحرير؟

التأريخ للحركة الوطنية مر بمراحل: المرحلة الأولى بعد الاستقلال، كان اهتمام الدولة نحو القضايا الاجتماعية المتعلقة بترقية حياة الفرد، كبناء المدارس وبناء السكنات والمؤسسات وتوفير العدل والى ما ذلك، ثم بعد الثمانينات بدأ نوع من الاهتمام بالكتابة التاريخية، فظهرت ما يسمى مدرسة التاريخ الوطني من خلال الرواد الأوائل أبو القاسم سعد الله، والدكتور محمد العربي الزبيري والدكتور ناصر الدين سعيدوني وغيرهم، لكن في مرحلة التسعينات، وقع الانفجار الذي وقع في الجامعة الجزائرية، زيادة عدد الطلبة، خاصة الطلبة الحاصلين على شهادة العلوم الانسانية والاجتماعية وفي التاريخ، كانوا مباشرة يوجهون الى التعليم الثانوي لسد الفراغ الموجود، وبعد التسعينات ظهور ما يسمى بالجيل الجديد، هذا الأخير الذي توجه نحو البحث العلمي، فظهرت عشرات الرسائل الجامعية الأكاديمية المتميزة، حول تاريخ الحركة الوطنية والثورة التحريرية، وقد استطعنا لما كنت مدير مركز البحث في الحركة الوطنية، أن نطبع ونعيد نشر حوالي 1000 عنوان حول الحركة الوطنية والثورة التحريرية، وبمختلف اللغات ثم ظهرت ايضا دراسات أخرى غير الدراسات الأكاديمية والمؤلفات غير الأكاديمية، وهي المذكرات بعد تسعينات، ففي التسعينات كانت ربما مذكرة واحدة أو اثنين أما اليوم توجد العشرات أو مئات المذكرات بالنسبة للفاعلين وفي مختلف المواقع القيادية سياسيين أو عسكريين أو حتى دبلوماسيين واعلاميين، وبالتالي اليوم المادة موجودة، فكيف نتعامل مع هذه المادة؟ كيف نقدمها؟ المادة موجودة لا ننكر هذا، ولكن هذه المادة الان كيف نطلع عليها؟ كيف نستخلص العبر من هذه المادة التاريخية المكتوبة؟ لكي نقدم للأجيال ما يفيده بالطريقة التي يفهمها جيل اليوم، لأن اليوم مثلا نتكلم عن مؤلف معين حول الحركة الوطنية والثورة في 10 او 15 أو 20 مجلد، فهل اليوم الشاب بامكانه أن يقرأ المجلد صعب جدا، لكن عندما نترجم هذا العمل في عمل فني، من خلال فيلم، أو شريط وثائقي أو في حوار صحفي، أو تقرير صحفي، بامكاننا أن نقدم خدمة جميلة جدا للأجيال، ترتبط الأحداث الأخيرة، من خلال عودة هذا الارتباط الى التاريخ، اذ نلاحظ شباب ومراهقين ينادون: “نحن أبناء عميروش ونحن أبناء لطفي وأبناء بن بولعيد”، اذن دائما هذا الحبل المتين الذي يربطنا بتاريخنا وبتاريخ مرحلة التحرير موجود الان في جنات هذا الجيل الجديد، فينبغي فقط أن نفعل ذلك في الاطار الايجابي وفي التوجه الصحيح.

حدثنا عن دور جمعية العلماء المسلمين في الثورة التحريرية؟

بالنسبة لجمعية العلماء معروف دورها ولا يمكن لأحد اليوم أن يقول العكس، جمعية العلماء المسلمين مسارها بدأ منذ الثلاثينات، واستطاعت أن تفرض نفسها أنذاك، كقوة اهتمت بالاصلاح، لأن تغييب الفرد الجزائري من طرف الادارة الاستعمارية والسياسة الاستعمارية جعل الجمعية تهتم بهذا الجانب، اصلاح الفرد من خلال التركيز على عناصر الهوية الثلاثة المعروفة في برامج جمعية العلماء المسلمين، جمعية العلماء اهتمت بالتعليم بالدرجة الأولى، لأن التعليم هو أساس صناعة الفرد، جمعية العلماء المسلمين في الثلاثينات اهتمت بتعليم المرأة، فالشيخ عبد الحميد ابن باديس رحمه الله، له أقوال كثيرة عن تعليم الفتاة مدونة في جريدة البصائر، والتجرية معروفة في قسنطينة وفي بعض المدن الجزائرية، علماء الجمعية واطارتها انتشروا عبر مختلف المدن، واستطاعوا أن يؤثروا في البعد الثقافي، من خلال التعليم الحر وانشاء المدارس، اذن عرفوا كيف يواكبوا حركية التغيير من خلال الصحافة، في الصراط وفي جريدة البصائر ومجلة الشهاب، وبالمناسية لما كنت مدير المركز الوطني للبحث في الحركة الوطنية، فبمساعدة الكثير من المشايخ والعلماء خاصة الأستاذ محمد الهادي الحسني والأستاذ عمار طالبي والأستاذ عبد الرزاق قسوم وكان حينها الشيخ عبد الرحمان شيبان رحمه الله، تم جمع كل أعداد البصائر وتم طباعتها طباعة راقية، وتجنيد فني راقي، وتم توزيعها على كل المؤسسات، فعندما نعود الى الحركية الأدبية للحركة الوطنية، نجد خاصة جمعية العلماء المسلمين، ونفاجأ في ذلك التطور في مجال المخاطبة الاعلامية، فهي القناة التي يكتب فيها رجال جمعية العلماء المسلمين بمختلف توجهاتهم ومشاربهم، كانت هناك أقلام استطاعت أن تصنع التغيير وأن تجد فضاء للتعبير عن هوية الجزائر ومقارعة ما كان يطرح من طرف السياسة الاستعمارية، كما أن المساهمة السياسية للشيخ عبد الحميد ابن باديس من خلال مواقفه ففي الثلاثينات والأربعينات كان اهتمام جمعية العلماء المسلمين بالتعليم وبالصحافة والاعلام واهتمامها ببناء المدارس، كل هذه النقاط شكلت الحصن الحصين لجيل الثلاثينات والأربعينات وبداية الخمسينات، وعندما اندلعت الثورة التحريرية نلاحظ أن أغلب المنتسبين الفعليين للثورة التحريرية، كانوا من خريجي مدارس جمعية العلماء المسلمين، وذلك قبل الاعلان عن اضراب الطلبة الرسمي في 19 ماي 1956 بمعهد ابن باديس، وبعد اغلاق المعهد، التحق أغلب الطلبة بالثورة التحريرية وأسماءهم معروفة، منهم من استشهد ومنهم من لا يزال على قيد الحياة والشهادات كلها موثوقة.

ما رأيكم في الادعاءات التي قيلت أن جمعية العلماء المسلمين لم تشارك في الثورة التحريرية؟

يعاب ويثار ممن لا يوظفون التاريخ التحليلي للأحداث، ان جمعية العلماء المسلمين لم تعلن عن التحاقها رسميا بالثورة لأن الثورة لم يتم اعلانها من طرف الأحزاب السياسية، بل كانت من طرف وعاء جمع كل الجزائريين، واندماج أعضاء جمعية العلماء المسلمين في الثورة كان من البداية، لم يكن بالطريقة الرسمية، ولكن كأفراد انظموا الى الثورة، والدليل هو بيان الشيخ محمد البشيرالابراهيمي في يوم 14 نوفمبر، والذي أرسل من القاهرة حول التحاق الجزائريين بثورة التحرير، قادة الثورة معروفين وكلهم من خريجي معهد ابن باديس، ولم نجد من قادة جمعية العلماء المسلمين من تخلف باللحاق بالثورة التحريرية الى حد اليوم، أو من صدر منه موقف مخالف للفعل الثوري في الجزائر.

الأفلام الوثائقية والاعلام له دور كبير في حفظ الذاكرة الوطنية، خاصة للأجيال اللاحقة، اليوم هل فيه مجهودات جديدة في هذا المجال؟

كان فيه عمل تقريبا في مرحلة السبعينات والتي نعرفها، أرخت لمرحلة الثورة التحريرية، ولكن فيما بعد في المرحلة الأخيرة أذكر عندما كنت مدير المركز الوطني للبحث، أشرفنا على انجاز بعض الأفلام الطويلة هي محاولات من الناحية الفنية، على الأقل قربنا الصورة، فمثلا صورة مصطفى بن بولعيد لم تكن مقربة عند الاجيال، ولكن من خلال هذا الفيلم تشكلت على الأقل تلك الصورة النمطية، بعيدة عن الجانب البرغماتيكي والسيناريو، كذلك لابد نفس العمل للعقيد لطفي، وكريم بلقاسم والعقيد أحمد زبانة ونفس الشيء للالا فاطمة نسومر، فيه اجتهادات من قبل مؤسسات أخرى لانجاز هذه الشخصيات لكن هذا لا يكفي، لماذا نظرا لكثرة الأحداث وكثرة الأبطال وكثرة الشخصيات التي تحتاج الى انجاز هذه الأفلام، فمثلا بعض الدول الأروبية لها شخصية واحدة فأنجزت أعمال لها وأقامت لها ربما مراكز كثيرة للتعريف بها، أما نحن علينا أن ننجز أكثر من 1000 فيلم حول هذه شخصيات، بامكاننا أن ننجز مثلا أكثر من 500 فيلم حول هذه الأحداث، بامكاننا أن ننجز أكثر من 500 فيلم حول الأحداث الديبلوماسية، و200 فيلم حول الأحداث السياسية، فزخم الأحداث هو الذي جعل المنتوج الموجود حاليا لا يضاهي على ما قدمه الشعب من تضحيات.

الرسائل الجامعية حول تاريخ الجزائر من رسائل الدكتورا ورسائل الماستر المتحصلة على تقدير جيد جدا، لماذا لا يتم طبعها من أجل اثراء مكتبة الذاكرة الوطنية؟

كان فيه توجه أن تطبع هذه الرسائل الجامعية بعد اختيار أحسن الرسائل لطبعها، فيه تجربة ولكن يجب أن تعمم عن باقي الجامعات فأقسام التاريخ توجد في أكثر من جامعة، ولهذا العديد من الرسائل تنجز تبقى حبيسة أدراج الجامعات، أيضا الظروف العامة في مجال النشر، ولهذا ينبغي ضرورة الاهتمام أكثر بالدراسات الأكاديمية المتعلقة بالتاريخ الوطني.

كيف يمكن الاستفادة من الكتب التاريخية التي كتبها بعض المؤرخون الفرنسيون النزهاء؟

حتى الفرنسيين يطلعون على ما نكتبه نحن، وهذا ما يسمى بالنظرة الأخرى، نحن كذلك دعينا قبل سنوات وقمنا بتجرية حين كنا مسؤولين في المركز الوطني للبحث في الحركة الوطنية، وذلك بترجمة أهم الأعمال التي تخدم التاريخ الوطني، والذاكرة الوطنية، كنا ترجمنا من 60 الى 75 كتاب من اللغات الأجنبية الى اللغة العربية، من اللغة الفرنسية والانجليزية والألمانية، حول كل ما يتعلق بتارخ الحركة الوطنية والثورة، وتقديمه للأجيال ممن لا يتقنون اللغات الأخرى أو اللغة الأجنبية، ولكن ينبغي دائما العمل بوتيرة متسارعة لترجمة أهم الأعمال وما أكثرها اليوم خاصة مذكرات العسكريين الفاعلين السياسيين، والتي صدرت في السنوات الأخيرة عشرات من المذكرات المهمة جدا من طرف الاخر، لأنه  هو أيضا يملك كل المعلومة التي ملكها نحن، فبامكاننا نحن ترجمة مثل هذه الأعمال وتقديمها للمختصين على الأقل للاستفادة منها.

ماهي أهم البرامج والمناهج التاريخية التي ترونها اليوم أولى بتدريسها في الجامعات والمؤسسات التربوبة، وذلك من أجل حفظ الذاكرة الوطنية؟

بالنسبة لقضية المناهج الان، ينبغي في التفكير فيما يخدم هوية هذا الشعب، ينبغي التركيز على استنباط العبر، والدروس المتعلقة بخدمة الوطن، أن لا يكون المنهج التربوي يتعارض مع هوية هذا البلد، ويتعارض مع تضحيات من حرر هذا البلد، ويتعارض مع هذه البنية السياسية والاجتماعية والثقافية لمجتمعنا الجزائري، اذن التساؤل المطروح، اذا كنا نبقي على البرامج التي لا تخدم هويتنا وتضاهي هوية الاخر، فلماذا قمنا بالعمل التحرري؟ هذا هو السؤال الذي يطرح اليوم، جيل اليوم يقول اذا كنت أبقى في نفس المحيط، فلماذا ضحى هؤلاء الرجال بحياتهم؟، الهدف هو التغيير، والعودة الى جذورنا التاريخية ولهويتنا المعروفة التي لا يمكننا أن نزايد عليها، فهي مذكورة في كل أدبيات الحركة الوطنية، سواء من جمعية العلماء المسلمين أو من حزب الشعب وغيرها، لذلك الان ينبغي تكييف هذه البرامج بما يخدم الوحدة الوطنية المعروفة، وحدة الرقعة الجغرافية، ووحدة الشعب الجزائري، ووحدة الايمان بالتنوع الثقافي والثراء الثقافي لهذا المجتمع والبعد الحضاري لهذا المجتمع بمختلف مكوناته.

قبل أيام فقط كنا في شهر مارس وهو شهر الشهداء، ماذا تقولون عن هذا الشهر التاريخي، وقد عاد هذا العام متزامنا مع المسيرات الشعبية السلمية؟

شهر مارس هو شهر الأمل بالنسبة للجزائريينن، هو شهر امل بالنسبة لكل الشعوب، والأمل هو الحياة بالنسبة لعامة الناس، شهر مارس في الجزائر أيضا ارتبط بهذا الأمل لأنه شهر الشهداء، هو شهر استرجاع السيادة الوطنية، هو شهر تحرر الأقطار المغاربية تونس والمغرب، وهذا بعدنا المغاربي لا يجب أن ينسى، 29 مارس ذكرى استشهاد الشهيدين العقيدين سي الحواس وعميروش واحد من منطقة الأوراس والاخر من منطقة القبائل، يلتقون في الجهاد ويلتقون في الاستشهاد، في بداية الشهر كان استشهاد العربي بن مهيدي، حين تم اغتياله بطريقة بشعة، وهو قادم من عين ميلة، مناضل ومثقف، في 5 مارس ذكرى استشهاد الرائد المقراني رابح المدعو سي الخضر من منطقة الأخضرية عامل بسيط، في هذا  شهر أيضا استشهاد العقيد لطفي واحد من الطلبة والنجباء من ثانوية تلمسان ويستشهد في أقصى الغرب الجزائري في حدود بشار، في هذا الشهر أيضا يغتال المحامي المثقف علي بومنجل، في هذا الشهر يسشهد اثنين أديبين يغتالين أحمد رضا حوحو من بسكرة ومولود فرعون من منطقة القبائل، لو نأخذ رمزية هذا الشهر فقط ونعرف ما نقدم للأجيال، وأن هذا الذي وقع في مرحلة الكفاح هو الذي تبنى عليه الجزائر اليوم، جزائر التي يساهم في بنائها الطالب والفلاح والمتعلم، هذه الجزائر  التي ضحى من أجلها الجزائريين من أجل سيادة الجزائر فقط ووحدتها الترابية، هذا المبدأ الراسخ هو الذي ينقل اليوم في برامجنا التعليمية الجزائريين كلهم هدفهم هو استرجاع هوية الجزائريين، هذه الهوية المتعارف عليها بأبعادها المختلفة، اليوم أيضا لابد أن نحافظ على ما حققه هؤلاء، فهم حققوه بدمائهم وبأرواحهم، ونحن الان نحقق عن طريق المعرفة وعن طريق العلم.

دكتور ماهو المطلوب اليوم من الأكادميين والباحثين في تاريخ الجزائر؟

دور الأكاديمي لا يبقى حبيس المدرجات، ومقاعد أقسام الدراسة، بل عليه أن ينقل أفكاره الى الاخر، كيف؟ عن طريق المساهمة في النقل العلمي المتميز من خلال الوسائط المعلوماتية، اليوم نحن نعيش ثورة الكترونية رهيبة، نعيش هذه العولمة في شقها الاقتصادي الاجتماعي والسياسي وخاصة في الشق الاعلامي، اذ أصبحت الة حصاد رهيبة لمن لم يعرف كيفية الابتعاد عنها أو التكيف معها، هي الحقيقة التي نعيشها اليوم، فعلى الأكاديمي اليوم أن يواكب هذه التطورات، وأن يعمل على نقل هذه الأفكار النيرة، التي تخدم الأمة وتحافظ على وحدتها، والتي تزرع الأمل خاصة عند الأجيال، لأن أهم شيء الان نحتاج اليه، هو اعادة زرع الأمل والثقة في الذات، والثقة في التغيير، والثقة في لعب الدور الريادي، لأن دائما الجزائري كان في الدور الريادي لم ينقطع على الأحداث التي وقعت في العالم، وهو تحت الاحتلال نلاحظ بأن الجزائري يواكب حركة التطور الثقافي رغم سياسة التجهيل، فمثلا عن حقوق المرأة اليوم نلاحظ ان الجزائريين كتبوا في القرن 19،  كتاب مهم جدا لم يكن أنذاك للمرأة الحق في الانتخاب في فرنسا ولا في برييطانيا، ولا لها الحق في العمل، لكن في الجزائر يكتب هذا الكتاب من طرف جزائري يبين حقوق المراة، أيضا الجزائري وهو تحت الاحتلال لم يتناسى ما كان يحدث في العالم العربي والاسلامي المحيط به، فنلاحظ أن الجزائري انتقل الى الدفاع عن المغرب لما سقط  الاحتلال في تونس، والى المقاومة في ليبيا، لنجد أغلب قادات المقاومات في العالم  العربي في القرن 19 و 20 ونحن دائما تحت الاحتلال، كانو من الجزائريين، الامير عبد المالك في المغرب، عبد العزيز الثعالبي في تونس، والاسطنبولي في مصر، الشيخ الطفيش في اليمن، أغلب قادة قيادة اركان الجيوش العربية هم من الجزائريين، ففي فلسطين أيضا الجزائر كانت تحت الاحتلال، ومع ذلك الجزائريون جاهدوا مع فلسطين عندما وقعت تحت الاحتلال، فعلى اليوم أن نعيد الأمل في الجزائريين، حيث بامكانه أن يلعب هذا الدور داخليا وفي محيطه العربي والاسلامي، وفي محيطه الافريقي والعالمي أيضا.

نصيحتكم، كيف نقرأ لتاريخنا، ولمن نقرأ؟ وكيف يمكننا الاستفادة من تاريخنا؟

قديما قال الشاعر: “من لم يعي التاريخ في صدره لم يعرف حلو الحياة من مره”، حتى في تارخنا الاسلامي لو لم يكن التأريخ لما وصل الينا هذا الكتاب الكريم، ولما وصلت الينا السيرة النيوية الشريفة ولا سير الصحابة، نفس الشيء نأخذ العبر من خلال ما وقع علينا، لابد اليوم أن نأخذ من تاريخنا العبر التي تخدمنا اليوم، نحن لا يهمنا الان التفاصيل الجزئية الدقيقة التي تؤثر على حياة الأشخاص أو الحياة الشخصية لبعض القادة، ولكن يهمنا العبر التي نستخلصها من هذه الدروس، والتي تساعدنا اليوم في بناء الدولة القوية، وفي الحفاظ على هويتنا وفي الحفاظ على وحدتنا، وفي نظرتنا للمستقبل، فعندما نقرأ اليوم أدبيات الحركة الوطنية، عندما نقرأ رسالة محمد البشير الابراهيمي، أو عندما نقرأ رسالة عميروش الى الطلبة، أو رسائل عبد الحميد مهري المجاهد أنذاك، أو رسائل أخرى بمختلف المشارب السياسية، وبمختلف التوجهات التي كانت موجودة أنذاك، نلاحظ أن كلها تدعو الى الأمل والى النظرة المستقبلية لبناء الجزائر الجديدة، التي نعيشها نحن اليوم، لهذا دائما نبحث عن رسائل الأمل في هذا الجيل، وفي الثقة في الذات، والثقة في التغيير، والثقة في فرض النفس على المستوى المحلي والاقليمي والدولي، وفي تاريخنا وتاريخ المرحلة الأخيرة من مسار التحرير، نجد الكثير من الأحداث التي علمتنا كيف أن نقنع الدول بعدالة قضيتنا، فعندما نؤمن بقضيتنا وبهويتنا، وبرغبتنا في التغيير وفي فرض الذات، نستطيع أن نقنع الاخر، فشبابنا اليوم امنوا بقضية الجزائر، لأنهم عادوا الى تاريخهم ووجدوا كل حركات التغيير وراءها شباب، الأمير عبد القادر كان شابا وأغلب قادة المقاومات كانوا شبابا، فقد عرف شبابنا اليوم أن أسلافهم قاموا بحركات التغيير فطالبوا بالتغيير، فعندما نقنع جيل اليوم في دوره الريادي في التغيير وفي بناء الجزائر القوية، سيستجيب هو الاخر لرغباته، أما اذا كان لدينا الشك في أنفسنا في عدم القدرة في التغيير فلا يمكن أن نقنع الاخر أو نطلب من الأخر أن يقف الى صفنا.

 

عن المحرر

شاهد أيضاً

الباحث في اللسانيات نور الدين منتاش في حوار لـ”البصائر”/ حوار/جـمال بوزيان

العالَم العربي عاجز عن إنتاج معرفة أصيلة وظل تابعا علميا    نَستضيفُ اليومَ باحثًا في …