الرئيسية | في رحاب الشريعة | ما قل و دل | المنــــــــاظرة/ محمد الصالح الصديق

المنــــــــاظرة/ محمد الصالح الصديق

سألتني طالبة بمركز جمعية العلماء عن المناظرة ما هي؟ وقالت إنها كثيرا ما مرت في قراءتها، وهي تريد أن تعرف بالخصوص كيف نشأت، وكيف تطورت، وهل هي علم مستقل بقواعده وحدوده؟ فقلت للطالبة: إن المناظرة من المواد التي درسناها في جامع الزيتونة، وكان جل الطلبة يرغبون في دراستها ولا يتخلفون عن درسها، ولعل السر في هذا هو أن المناظرة من فنون الأدب، وهي أيضا قوي، في الحوارات والمناقشات العلمية، فمن اضطلع بها وتعمق في فنها كان قوي العارضة، دامغ الحجة، ناصع البرهان، يتغلب على خصمه مهما كانت جيوش الباطل، وتناهي في الكثرة أهل الضلال.

ليسوا في حاجة إلى المجادلة والمناقشة والمناظرة، لأنهم أخذو دينهم وعلمهم من الوحين وتربوا في مدرسة النبوة، فكانوا من قوة اليقين، وصدق الإيمان، وسلامة الفطرة، ووضوح الرؤية، لا يلجأون إلى المناظرة والمجادلة والحجاج، وعلى نهجهم سار التابعون لهم بإحسان، ومشوا هم الآخرون في ضوء الهدى المحمدي، يترسمون مواطئ أقدام الصحابة رضوان الله عليهم.

وبعد ان انقضى عصر الصحابة والتابعين، وأخذت قرون الإلحاد تنجم، وفرق الزندقة تظهر، وأصبح على الساحة أناس يخالفون أهل الحق والتوحيد، وفشل طوائف القدرية والمجسمة والمعطلة وغيرها، كان لزاما على اهل الحق والتوحيد ان يواجهوا هؤلاء المعرضين عن جادة الصواب، ويظهروا ما هم عليه من خطإ في الرأي، وفساد في العقيدة، وزيغ في القول، كانت المناظرة التي هي الحجة بالحجة، والدليل بالدليل، حتى يظهر الحق، ويزهق الباطل، وبلغت المناظرة شأوها البعيد في الحدة والقوة في العصر العباسي، فكان الخلفاء والأمراء والوزراء يعقدون مجالس للنابهين من الأدباء والنبغاء للحوار والمناظرة، والتجديد في العلم والأدب، فتحتدم المعركة الفكرية ساعة أو ساعات، يكون فيها القائد والموجه البحث عن الحقيقة، ويقاس فيها الرأي والقول بميزان النقد والامتحان.

وستظل المناظرة الهمم إلى ما هو أصح وأليق وأجدى.

عن المحرر

شاهد أيضاً

العالم الجاهل/ محمد الصالح الصديق

الفروق بين العالم والجاهل كثيرة، يعسر عدها واستقصاؤها، ومتنوعة أيضا، بعضها سطحي يدرك بالبداهة، وبعضها …