الرئيسية | الافتتاحية | الحراك الشعبي الجزائري ذو الشجون

الحراك الشعبي الجزائري ذو الشجون

بقلم/ الأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم /

 

ويتواصل الحراك الشعبي في الجزائر، ولسادس جمعة، سلميا كما كانت بدايته، حماسيا كما هي طبيعته، وطنيا كما حُددت غايته، أفقيا، ممتدا عبر كل الفئات والبطون، قويا كما يجب أن يكون.

فحيا الله الحراكيين، من كل الفئات، من الشباب، والنساء، والكهول والشيوخ الذين أسمعوا صوت الجزائر العميق، وصححوا المفاهيم، والحقائق للعدو وللشقيق والصديق.

تلك -إذن- هي آيات الجزائر، تتلى على الجميع، من خلال هذا الحراك الميمون، لتبين للناس المعاني والشجون، وتشرح للقائمين على الشأن السياسي عندنا منهجية الخروج من سياسة التعتيم، والتضليل وإبطال الشكوك والظنون.

لقد وفى الشباب الجزائري، ومعه القوة الحية الفاعلة في الميدان، وفوا بما عليهم من التزام بالانضباط والتنظيم، والبعد عن كل تعصب حزبي أو إقليمي سقيم، فتوحدت الأصوات، وتأصلت الشعارات، واتسمت بالشمولية الوطنية، المطالب والطموحات.

آن الأوان -إذن- أن تترجم الأقوال إلى أعمال، ويُنتقى للمسؤولية الخيرون والخيّرات من الشباب من النساء والرجال.

إنّ مطالب الشعب الجزائري، كما جسدها الحراك، جلية جلاء نور الصباح، وواضحة وضوح التعاليم والمبادئ الصحاح.

إنّ أهم هذه المطالب أن تقوم بعملية إخلاء ثم ملء إخلاء الساحة السياسية ” ممن طاب جنانهم ” وفتح المجال أمام أصحاب الكفاءات الصادقة النزيهة الأمينة ممن آن أوانهم.

ولكي يتم ذلك لابد من القيام بعملية التغيير العميق، الذي يجسد لنا خارطة الطريق، التي تبدأ بالانتقائية في التطبيق، الذي يثبت الشغور في المسؤولية، ويمنح السلطة للشعب، كما ينص الدستور على ذلك، دون أي تضييق.

إن الإقدام على تطبيق المادة الثانية بعد المئة من الدستور، هي خطوة في الطريق الصحيح ولكنها في حاجة إلى أن تعزز بالمادة السابعة من نفس الدستور، التي تجعل الشعب مصدر كل سلطة في جميع الأمور.

إننا نتوق –وقد بدأت الرؤيا في الوضوح- إلى الاستعانة بمن ثبتت نزاهتهم، وتأكدت كفاءتهم، ولم تتورط أيديهم أو ذممهم، ممن برئت همتهم. وإنّ الجزائر –والحمد لله- مليئة بالقدرات في جميع الميادين، ومتميزة بالخيّـرين من الوطنيات والوطنيين.

لذلك نهيب بالحراك الشعبي الوطني أن يحمي مبادرته من التشخيص والتنصيص، ومن التزمير والبندير، وأن يعلو إلى ما يوحد الأمة من شعارات الإصلاح والتغيير، والبناء والتعمير، فحذار من التسلل إلى الحراك، الذي اتسم إلى اليوم، بحسن الوفاء للثوابت الوطنية، والالتزام بشعارات الجزائر النبيلة الأبية.

إنّ هناك أياد مشبوهة، تحاول الدس والوقيعة، وبث الفتنة والقطيعة، وإنزال المسيرات من رفعتها العالية إلى أنواع من السلوك الوضيعة.

لقد آمن الجميع –في الداخل والخارج معا- بمثالية الحراك الجزائري، فغدا نموذجا لكل مظلوم ولكل ثائر، كما اقتنع كل ذي عقل وبصيرة، أن مطالب الشعب الجزائري هي بالتحقيق جديرة، وما بقي إلا أن يتحلى الجميع، بالشجاعة في تحقيق طموحات ومبادئ المسيرة.

إننا نأمل في أن يعمل القائمون على الشأن الوطني في بلادنا إلى التكفل بتحقيق آمال ومطالب الحراكيين الذين هم الناطقون بحق، عما يختلج في نفوس الوطنيين المخلصين في شعبنا، وبذلك، تتوقف المسيرات مؤقتا، لتفسح المجال أمام من سيوكل إليهم أمر الإصلاح والتغيير فننظر ماذا سيفعلون.

نعتقد أن قضية الحراك الوطني الشعبي في الجزائر قد نضجت، ونجحت في أداء رسالتها على أكمل وجه، فلتعد الجماهير إلى مواقعها، بكل إجلال وتقدير، لتحقيق الآمال في حسن المصير، لا بالوعود التي يمكن أن تقصم ظهر البعير.

إنّ عهد الجزائر الجديدة قد أهل، وعلى كل مواطنة ومواطن، أن يجند نفسه لما يستهل، فيقدم صورة أخرى مثالية للعالم، في الإخلاص والعمل، كما فعلنا في الصورة الرائعة التي قدمناها من خلال المسيرة، عن حسن التنظيم، وأفضل المُثل.

لم يبق من حجة تقام على أنّ الجزائر هي بلد المعجزات بحق، فقد امتُحنت إبان الاستعمار بأبشع ابتلاء فانتصرت بفضل التضحيات ونكران الذات، وابتليت فيما عُرفت بالعشرية السوداء أو الحمراء، فعلت بالتصالح والأخوة ونجحت، وها هي اليوم بعد طول الاحتقان، والإذلال، والهوان، تخرج من قبرها، لتعلن حياتها وعزتها، واستعادة كلمتها وسيادتها.

فويل لمن لا يعي هذه الدروس في صدره وعقله ! وويل لمن لا يحسن الإصغاء لمطالب شعبه، ونبرات صوته ! ونشهد الله أنّ الواعين من أبناء شعبنا قد أدوا بعض ما وجب على الجميع من نصح وتحذير، ومن إشارات وتنبيهات، لتجنيب الوطن سوء العواقب، والخطير من المطبات والمؤامرات.

إنّ الغد الأفضل قد لاحت تباشيره، وإنّ طلائع الفجر الصادق قد أشعّت على الوطن، فزالت عنه ظلمائه، ودياجيره.

لنستعد جميعا للبناء، فإن مرحلة البناء أصعب من مرحلة الهدم، ولكنها أي مرحلة البناء، أصدق وأقوم قيلا.

﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ[سورة الرعد، الآية: 17].

عن المحرر